الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                            وقوله ( واتقوا الله لعلكم ترحمون ) فيه مسائل :

                                                                                                                                                                                                                                            المسألة الأولى : قوله تعالى : ( إنما المؤمنون إخوة ) قال بعض أهل اللغة : الإخوة جمع الأخ من النسب ، والإخوان جمع الأخ من الصداقة ، فالله تعالى قال : ( إنما المؤمنون إخوة ) تأكيدا للأمر وإشارة إلى أن ما بينهم ما بين الأخوة من النسب والإسلام كالأب ، قال قائلهم :


                                                                                                                                                                                                                                            أبي الإسلام لا أب [ لي ] سواه إذا افتخروا بقيس أو تميم



                                                                                                                                                                                                                                            المسألة الثانية : عند إصلاح الفريقين والطائفتين لم يقل : اتقوا ، وقال ههنا : ( اتقوا ) مع أن ذلك أهم ؟ نقول : الفائدة هو أن الاقتتال بين طائفتين يفضي إلى أن تعم المفسدة ، ويلحق كل مؤمن منها شيء ، وكل يسعى في الإصلاح لأمر نفسه ، فلم يؤكد بالأمر بالتقوى ، وأما عند تخاصم رجلين لا يخاف الناس ذلك ، وربما يريد بعضهم تأكد الخصام بين الخصوم لغرض فاسد ، فقال : ( فأصلحوا بين أخويكم واتقوا الله ) أو نقول : قوله : ( فأصلحوا ) إشارة إلى الصلح ، وقوله : ( واتقوا الله ) إشارة إلى ما يصونهم عن التشاجر ؛ لأن من اتقى الله شغله تقواه عن الاشتغال بغيره ؛ ولهذا قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : " المسلم من سلم الناس من لسانه و [ يده ] " لأن المسلم يكون منقادا لأمر الله مقبلا على عباد الله فيشغله عيبه عن عيوب الناس ، ويمنعه أن يرهب الأخ المؤمن ، وإليه أشار النبي - صلى الله عليه وسلم - : " المؤمن من يأمن جاره بوائقه " يعني اتق الله فلا تتفرغ لغيره .

                                                                                                                                                                                                                                            المسألة الثالثة : ( إنما ) للحصر أي لا أخوة إلا بين المؤمنين ، وأما بين المؤمن والكافر فلا ؛ لأن الإسلام هو الجامع ؛ ولهذا إذا مات المسلم وله أخ كافر يكون ماله للمسلمين ، ولا يكون لأخيه الكافر ، وأما الكافر [ ص: 112 ] فكذلك لأن في النسب المعتبر الأب الذي هو أب شرعا ، حتى أن ولدي الزنا من رجل واحد لا يرث أحدهما الآخر ، فكذلك الكفر كالجامع الفاسد فهو كالجامع العاجز لا يفيد الأخوة ؛ ولهذا من مات من الكفر وله أخ مسلم ولا وارث له من النسب لا يجعل ماله للكفار ، ولو كان الدين يجمعهم لكان مال الكافر للكفار ، كما أن مال المسلم للمسلمين عند عدم الوارث ، فإن قيل : قد ثبت أن الأخوة للإسلام أقوى من الأخوة النسبية ، بدليل أن المسلم يرثه المسلمون ولا يرثه الأخ الكافر من النسب ، فلم لم يقدموا الأخوة الإسلامية على الأخوة النسبية مطلقا حتى يكون مال المسلم للمسلمين لا لإخوته من النسب ؟ نقول : هذا سؤال فاسد ، وذلك لأن الأخ المسلم إذا كان أخا من النسب فقد اجتمع فيه أخوتان فصار أقوى ، والعصوبة لمن له القوة ، ألا ترى أن الأخ من الأبوين يرث ولا يرث الأخ من الأب معه فكذلك الأخ المسلم من النسب له أخوتان فيقدم على سائر المسلمين ، والله أعلم .

                                                                                                                                                                                                                                            المسألة الرابعة : قال النحاة : " ما " في هذا الموضع كافة ، تكف " إن " عن العمل ، ولولا ذلك لقيل : إنما المؤمنين إخوة ، وفي قوله تعالى : ( فبما رحمة من الله ) [ آل عمران : 159 ] وقوله : ( عما قليل ) [ المؤمنون : 40 ] ليست كافة . والسؤال الأقوى هو أن رب من حروف الجر والباء وعن كذلك ، و " ما " في " رب " كافة ، وفي " عما " و " بما " ليست كافة ، والتحقيق فيه هو أن الكلام بعد ربما ، وإنما يكون تاما ، ويمكن جعله مستقلا ، ولو حذف " ربما " و " إنما " لما ضر ، فنقول : ربما قام الأمير وربما زيد في الدار ، ولو حذفت " ربما " وقلت : زيد في الدار وقام الأمير لصح ، وكذلك في " إنما " و " لكنما " . وأما " عما " و " بما " فليست كذلك ؛ لأن قوله تعالى : ( فبما رحمة من الله لنت لهم ) [ آل عمران : 159 ] لو أذهبت " بما " وقلت : رحمة من الله لنت لهم ، لما كان كلاما ، فالباء يعد تعلقها بما يحتاج إليها فهي باقية حقيقة ، و " لكنما " و " إنما " و " ربما " لما استغني عنها فكأنها لم يبق حكمها ولا عمل للمعدوم ، فإن قيل : " إن " إذا لم تكف ب " ما " فما بعده كلام تام ، فوجب أن لا يكون له عمل تقول : إن زيدا قائم ولو قلت : زيد قائم لكفى وتم ؟ نقول : ليس كذلك لأن ما بعد إن جاز أن يكون نكرة ، تقول : إن رجلا جاءني وأخبرني بكذا وأخبرني بعكسه ، وتقول : جاءني رجل وأخبرني ، ولا يحسن إنما رجل جاءني كما لو لم تكن هناك إنما ، وكذلك القول في بينما وأينما فإنك لو حذفتهما واقتصرت على ما يكون بعدهما لا يكون تاما ، فلم يكف ، والكلام في لعل قد تقدم مرارا .

                                                                                                                                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                                                                                                                                            الخدمات العلمية