الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
فصل

ويحرم على الجنب ما يحرم على المحدث ، وهو في ذلك أشد ؛ لأن الصلاة تحرم عليه لأنها صلاة ، ولأن فيها قراءة ، وكذلك الطواف يحرم عليه ؛ لأنه صلاة ، ولأنه يحتاج إلى المكث في المسجد الحرام ، وكذلك مس المصحف ، ويحرم أيضا عليه قراءة القرآن ؛ لما روي عن علي قال : " كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا يحجبه " وربما قال : لا يحجزه عن قراءة القرآن شيء ليس الجنابة " رواه الخمسة ، وقال الترمذي : حديث حسن صحيح .

[ ص: 387 ] ويجوز بعض الآية في إحدى الروايتين اختارها القاضي وغيره ؛ لأنه لا يجزئ في الخطبة ولا يحصل به إعجاز ، فأشبه البسملة والحمد له . والثانية : لا يجوز وهي أقوى لقول علي " اقرءوا القرآن ما لم يصب أحدكم جنابة ، فإن أصابه جنابة فلا ولا حرفا واحدا " رواه الدارقطني وإسحاق بن راهويه .

وقال علي : " أعلم بها " حيث روي عن النبي صلى الله عليه وسلم " أنه كان يقرأ على كل حال إلا الجنابة والحرف من القرآن " فهو أعلم بما يرويه .

وقال ابن عباس : " الجنب والحائض يذكران الله ولا يقرآن من القرآن شيئا ، قيل : ولا آية ؟ قال : ولا نصف آية " رواه حرب ؛ ولأن بعض الآية كالآية في منع المحدث من مس كتابتها ، فكذلك في منع الجنب من تلاوتها . وأما ذكر الله سبحانه ودعاؤه ونحو ذلك فهو جائز ؛ لأن عائشة قالت : " كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يذكر الله على كل أحيانه " رواه الخمسة إلا النسائي ، وأخرجه البخاري تعليقا .

ولأن المنع إنما جاء في القرآن ، وغيره من ذكر الله لا يساويه في الحرمة بدليل أنه لا يمنع المحدث من مس صحيفته ، ولا تصح الصلاة به إلا عند العجز عن القرآن ، وإن التلاوة أفضل من الذكر وغير ذلك ، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : " أفضل الكلام بعد القرآن أربع وهن من القرآن : سبحان الله ، [ ص: 388 ] والحمد لله ، ولا إله إلا الله ، والله أكبر " . وقال : " فضل القرآن على سائر الكلام كفضل الله على خلقه " وقال : " ما تقرب العباد إلى الله بأفضل مما خرج منه " . فعلى هذا يجوز من الكلام ما يوافق نظمه نظم القرآن إذا لم يقصد به تلاوة القرآن ، وإن بلغ آية كقول الآكل والمتوضئ : بسم الله الرحمن الرحيم ، وقول الشاكر : الحمد لله رب العالمين ، وقول المستغفر : ( ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا ) الآية .

لأن هذا الكلام قد يقصد به القرآن ويقصد به غيره وإن اتفقت ألفاظها ، ومتى كان شيئا يتميز به القرآن عن غيره فقد قيل : لا يجوز قراءته بكل حال ؛ لأنه لا يكون إلا قرآنا ، وقيل : يجوز إذا قصد به معنى عين التلاوة ؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كتب إلى الروم في رسالة : ( ياأهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا ) الآية ؛ لأنه قصد بها التبليغ لا القراءة والتلاوة .

ويحرم عليه اللبث في المسجد بغير وضوء ، فأما العبور فيه فلا بأس ؛ لما روت عائشة - رضي الله عنها - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " لا أحل [ ص: 389 ] المسجد لحائض ولا جنب " رواه أبو داود . وعن أم سلمة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : " إن المسجد لا يحل لجنب ولا حائض " رواه ابن ماجه . ولأن المسجد منزل الملائكة لما فيه من الذكر ، " والملائكة لا تدخل بيتا فيه كلب ولا جنب ولا تمثال " كذلك رواه علي عن النبي صلى الله عليه وسلم . أخرجه مسلم وغيره . ففي لبث الجنب في المسجد إيذاء للملائكة ، فأما المرور فيجوز ؛ لما روت عائشة قالت : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " ناوليني الخمرة من المسجد ، فقلت : إني حائض ، فقال : إن حيضتك ليست في يدك " رواه أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي والترمذي ، وقالت ميمونة : " كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يدخل على إحدانا وهي حائض ، فيضع رأسه في حجرها ، فيقرأ القرآن وهي حائض ، ثم تقوم إحدانا بخمرته فتضعها في المسجد وهي حائض " رواه أحمد والنسائي .

[ ص: 390 ] وقال جابر بن عبد الله " كان أحدنا يمر في المسجد جنبا مجتازا " رواه سعيد في سننه . وقال زيد بن أسلم : " كان أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يمشون في المسجد وهم جنب " رواه ابن المنذر .

وقد احتج أصحابنا على هذه المسألة بقوله : ( لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ولا جنبا إلا عابري سبيل ) لأن ابن مسعود وابن عباس وغيرهما " فسروا ذلك بعبور الجنب في المسجد " قال جماعة من أصحابنا وغيرهم : يكون المراد بالصلاة مواضع الصلاة كما قال تعالى : ( لهدمت صوامع وبيع وصلوات ) وقد فسرها آخرون بأن المسافر إذا لم يجد الماء تيمم ؛ لأن الصلاة هي الأفعال أنفسها . القول على ظاهره ضعيف ؛ لأن المسافر قد ذكر في تمام الآية ، فيكون تكريرا ، ولأن المسافر لا تجوز له صلاة مع الجنابة إلا في حال عدم الماء ، وليس في قوله : ( إلا عابري سبيل ) ( معترض ) كذلك ، ولأنه كما تجوز الصلاة مع الجنابة للمسافر فكذلك للمريض ، ولم يستثن كما استثني المسافر ، فلو قصد ذلك ليبين كما بين في آخر الآية المريض والمسافر إذا لم يجد الماء ، ولأن في حمل الآية على ذلك لزوم التخصيص في قوله تعالى : ( عابري سبيل ) ويكون المخصوص أكثر من الباقي ، فإن واجد الماء أكثر من عادمه ، ولا قوله : ( ولا جنبا ) لاستثناء المريض أيضا ، وفيه تخصيص أحد السببين بالذكر مع استوائهما في الحكم ، ولأن عبور السبيل حقيقته المرور والاجتياز .

[ ص: 391 ] والمسافر قد يكون لابثا وماشيا ، فلو أريد المسافر لقيل إلا من سبيل كما في الآيات التي عنى بها المسافرين ، والتوجيه المذكور عن أصحابنا على ظاهره ضعيف أيضا ؛ لما تقدم من أن الآية نزلت في قوم صلوا بعد شرب الخمر ، ولم يكن ذلك في المسجد ، وإنما كان في بيت رجل من الأنصار ؛ ولأنه جوز القربان للمريض والمسافر إذا عدم الماء بشرط التيمم ، وهذا لا يكون في المساجد غالبا ، وإنما الوجه في ذلك أن تكون الآية عامة في قربان الصلاة ومواضعها ، واستثنى من ذلك عبور السبيل ، وإنما يكون في موضعها خاصة ، وهذا إنما فيه حمل اللفظ على حقيقته ومجازه ، وذلك جائز عندنا على الصحيح ، وعلى هذا فتكون الآية دالة على منع اللبث ، أو تكون الصلاة هي الأفعال ، ويكون قوله : ( إلا عابري سبيل ) استثناء منقطعا ، ويدل ذلك على منع اللبث ؛ لأن تخصيص العبور بالذكر يوجب اختصاصه بالحكم ، ولأنه مستثنى من كلام في حكم النفي ، كأنه قال : لا تقربوا الصلاة ولا مواضعها إلا عابري سبيل . وإذا توضأ الجنب جاز له اللبث ؛ لما روى أبو نعيم : ثنا هشام بن سعد ، عن زيد بن أسلم قال : " كان أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتحدثون في المسجد وهم على غير وضوء ، وكان الرجل يكون جنبا فيتوضأ ثم يدخل فيتحدث " . وقال عطاء بن يسار : " رأيت رجالا من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - يجلسون في المسجد وهم مجنبون إذا توضئوا وضوء الصلاة " رواه سعيد . وهذا لأن الوضوء يرفع الحدثين عن أعضاء الوضوء ، ويرفع حكم الحدث الأصغر عن سائر البدن فيقارب من عليه الحدث الأصغر فقط ؛ ولهذا أمر الجنب إذا أراد النوم والأكل بالوضوء ، ولولا ذلك لكان مجرد عبث ، يبين ذلك أنه قد جاء في نهي الجنب أن ينام قبل أن [ ص: 392 ] يتوضأ أن لا يموت فلا تشهد الملائكة جنازته . فهذا يدل على أنه إذا توضأ شهدت جنازته ودخلت المكان الذي هو فيه ، ونهى الجنب عن المسجد ؛ لئلا يؤذي الملائكة بالخروج ، فإذا توضأ أمكن دخول الملائكة المسجد ، فزال المحذور ، وهذا العبور إنما يجوز إذا كان لحاجة وغرض وإن لم يكن ضروريا ، فأما ( لمجرد ) العبث فلا ، فإن اضطر إلى اللبث في المسجد أو إلى الدخول ابتداء ، أو اللبث فيه لخوف على نفسه وماله - جاز ذلك ، ولزمه التيمم في أحد الوجهين كما يلزم إذا لبث فيه لغير ضرورة وقد عدم الماء ، والمنصوص عنه أنه لا يلزمه ؛ لأنه ملجأ إلى اللبث ، والمقام غير قاصد له ، فيكون في حكم العابر المجتاز ، كالمسافر لو حبسه عدو أو سلطان كان في حكم المجتاز في رخص السفر ؛ ولهذا لو دخل المسجد بنية اللبث أثم وإن لم يلبث ؛ اعتبارا بقصد اللبث كما يعتبر قصد الإقامة ، ولا يكره للجنب أن يحتجم أو يأخذ من شعره أو ظفره أو يختضب - نص عليه ، وكذلك الحائض ؛ لأن هذا نظافة فأشبه الوضوء ، ولا يقال : " إن الجنابة تبقى على الشعر والظفر " ؛ لأن حكم الجنابة إنما ثبت لهما ما داما متصلين بالإنسان ، فإذا انفصلا لحقا بالجمادات .

التالي السابق


الخدمات العلمية