الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                            صفحة جزء
                                                                                                                                            ( 4391 ) الفصل الثاني : إذا وقف على قوم ، وأولادهم ، وعاقبتهم ، ونسلهم . دخل في الوقف ولد البنين ، بغير خلاف نعلمه فأما ولد البنات ، فقال الخرقي : لا يدخلون فيه . وقد قال أحمد ، في من وقف على ولده : ما كان من ولد البنات فليس لهم فيه شيء

                                                                                                                                            فهذا النص يحتمل أن يعدى إلى هذه المسألة ، ويحتمل أن يكون مقصورا على من وقف على ولده ولم يذكر ولد ولده . وقد ذكرنا ذلك فيما تقدم . وممن قال إنه لا يدخل ولد البنات في الوقف الذي على أولاده وأولاد أولاده مالك ، ومحمد بن الحسن . وهكذا إذا قال : على ذريتهم ونسلهم

                                                                                                                                            وقال أبو بكر ، وعبد الله بن حامد : يدخل فيه ولد البنات . وهو مذهب الشافعي ، وأبي يوسف ; لأن البنات أولاده ، فأولادهن أولاد الأولاد حقيقة ، فيجب أن يدخلوا في الوقف ، لتناول اللفظ لهم ، وقد دل على صحة هذا قول الله تعالى : { ونوحا هدينا من قبل ومن ذريته داود وسليمان } إلى قوله : { وعيسى } . وهو من ولد بنته ، فجعله من ذريته ، وكذلك ذكر الله تعالى قصة عيسى وإبراهيم وموسى وإسماعيل وإدريس ، ثم قال : { أولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين من ذرية آدم وممن حملنا مع نوح ومن ذرية إبراهيم وإسرائيل }

                                                                                                                                            وعيسى معهم . وقال النبي صلى الله عليه وسلم { للحسن : إن ابني هذا سيد } . وهو ولد [ ص: 359 ] بنته . ولما قال الله تعالى : { وحلائل أبنائكم } . دخل في التحريم حلائل أبناء البنات ، ولما حرم الله تعالى البنات ، دخل في التحريم بناتهن . ووجه قول الخرقي ، أن الله تعالى قال : { يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين } . فدخل فيه ولد البنين دون ولد البنات ، وهكذا كل موضع ذكر فيه الولد في الإرث والحجب ، دخل فيه ولد البنين دون ولد البنات

                                                                                                                                            ولأنه لو وقف على ولد رجل ، وقد صاروا قبيلة ، دخل فيه ولد البنين دون ولد البنات بالاتفاق ، وكذلك قبل أن يصيروا قبيلة . ولأنه لو وقف على ولد العباس في عصرنا ، لم يدخل فيه ولد بناته ، فكذلك إذا وقف عليهم في حياته ، ولأن ولد البنات منسوبون إلى آبائهم دون أمهاتهم ، قال الشاعر :

                                                                                                                                            بنونا بنو أبنائنا وبناتنا بنوهن أبناء الرجال الأباعد

                                                                                                                                            وقولهم : إنهم أولاد أولاد حقيقة . قلنا : إلا أنهم لا ينسبون إلى الواقف عرفا ، ولذلك لو قال : أولاد أولادي المنتسبين إلي . لم يدخل هؤلاء في الوقف

                                                                                                                                            ولأن ولد الهاشمية من غير الهاشمي ليس بهاشمي ، ولا ينسب إلى أبيها . وأما عيسى عليه السلام ، فلم يكن له أب ينسب إليه ، فنسب إلى أمه لعدم أبيه ، ولذلك يقال عيسى ابن مريم ، وغيره إنما ينسب إلى أبيه ، كيحيى بن زكريا . وقول النبي صلى الله عليه وسلم : { إن ابني هذا سيد } . تجوز بغير خلاف ، بدليل قول الله تعالى : { ما كان محمد أبا أحد من رجالكم } . وهذا الخلاف فيما إذا لم يوجد ما يدل على تعيين أحد الأمرين ، فأما إن وجد ما يصرف اللفظ إلى أحدهما ، انصرف إليه

                                                                                                                                            ولو قال : على أولادي ، وأولاد أولادي ، على أن لولد البنات سهما ، ولولد البنين سهمين . أو : فإذا خلت الأرض ممن يرجع نسبه إلي من قبل أب أو أم ، كان للمساكين . أو كان البطن الأول من أولاده الموقوف عليهم كلهم بنات ، وأشباه هذا مما يدل على إرادة ولد البنات بالوقف ، دخلوا في الوقف . وإن قال : على أولادي ، وأولاد أولادي المنتسبين إلي ، أو غير ذوي الأرحام ، أو نحو ذلك . لم يدخل فيه ولد البنات . وإن قال : على ولدي فلان وفلانة وفلانة ، وأولادهم ، دخل فيه ولد البنات وكذلك لو قال : على أنه من مات منهم عن ولده فنصيبه لولده .

                                                                                                                                            وإن قال الهاشمي : وقفت على أولادي ، وأولاد أولادي الهاشميين . لم يدخل في الوقف من أولاد بناته من كان غير هاشمي . فأما من كان هاشميا من غير أولاد بنيه ، فهل يدخلون ؟ على وجهين ; أولاهما ، أنهم يدخلون ; لأنهم اجتمع فيهم الصفتان جميعا ، كونهم من أولاد أولاده ، وكونهم هاشميين . والثاني ، لا يدخلون ; لأنهم لم يدخلوا في مطلق أولاد أولاده ، فأشبه ما لو لم يقل الهاشميين . وإن قال : على أولادي ، وأولاد أولادي ، مما ينسب إلى قبيلتي . فكذلك .

                                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                                            الخدمات العلمية