الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                            صفحة جزء
                                                                                                                                            ( 7593 ) فصل : ولا يجوز عقد الهدنة ولا الذمة إلا من الإمام أو نائبه ; لأنه عقد مع جملة الكفار ، وليس ذلك لغيره ، ولأنه يتعلق بنظر الإمام وما يراه من المصلحة ، على ما قدمناه ولأن تجويزه من غير الإمام يتضمن تعطيل الجهاد بالكلية ، أو إلى تلك الناحية ، وفيه افتيات على الإمام .

                                                                                                                                            فإن هادنهم غير الإمام أو نائبه ، لم يصح . وإن دخل بعضهم دار الإسلام بهذا الصلح ، كان آمنا ; لأنه دخل معتقدا للأمان ، ويرد إلى دار الحرب ، ولا يقر في دار الإسلام ; لأن الأمان لم يصح . وإن عقد الإمام الهدنة ، ثم مات أو عزل ، لم ينتقض عهده ، وعلى من بعده الوفاء به ; لأن الإمام عقده باجتهاده ، فلم يجز للحاكم نقض أحكام من قبله باجتهاده .

                                                                                                                                            وإذا عقد الهدنة ، لزمه الوفاء بها ; لقول الله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود } . وقال تعالى : { فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم } . ولأنه لو لم يف بها ، لم يسكن إلى عقده ، وقد يحتاج إلى عقدها ، فإن نقضوا العهد ، جاز [ ص: 240 ] قتالهم ; لقول الله تعالى : { وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في دينكم فقاتلوا أئمة الكفر إنهم لا أيمان لهم لعلهم ينتهون } . وقال تعالى : { فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم }

                                                                                                                                            { . ولما نقضت قريش عهد النبي صلى الله عليه وسلم ، خرج إليهم ، فقاتلهم ، وفتح مكة . } وإن نقض بعضهم دون بعض ، فسكت باقيهم عن الناقض ، ولم يوجد منهم إنكار ، ولا مراسلة الإمام ، ولا تبرؤ ، فالكل ناقضون { ; لأن النبي لما هادن قريشا ، دخلت خزاعة مع النبي صلى الله عليه وسلم وبنو بكر مع قريش فعدت بنو بكر على خزاعة ، وأعانهم بعض قريش ، وسكت الباقون ، فكان ذلك نقض عهدهم ، وسار إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقاتلهم . } ولأن سكوتهم يدل على رضاهم ، كما أن عقد الهدنة مع بعضهم يدخل فيه جميعهم ; لدلالة سكوتهم على رضاهم ، كذلك في النقض .

                                                                                                                                            وإن أنكر من لم ينقض على الناقض ، بقول أو فعل ظاهر ، أو اعتزال ، أو راسل الإمام بأني منكر لما فعله الناقض ، مقيم على العهد ، لم ينتقض في حقه ، ويأمره الإمام بالتميز ، ليأخذ الناقض وحده ، فإن امتنع من التميز ، أو إسلام الناقض ، صار ناقضا ; لأنه منع من أخذ الناقض ، فصار بمنزلته ، وإن لم يمكنه التميز ، لم ينتقض عهده ; لأنه كالأسير . فإن أسر الإمام منهم قوما ، فادعى الأسير أنه لم ينقض ، وأشكل ذلك عليه ، قبل قول الأسير ; لأنه لا يتوصل إلى ذلك إلا من قبله .

                                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                                            الخدمات العلمية