الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                          صفحة جزء
                                                                                                                                                                                          701 - مسألة : ولا تؤخذ زكاة من كافر لا مضاعفة ولا غير مضاعفة ، لا من بني تغلب ولا من غيرهم - وهو قول مالك ؟ وقال أبو حنيفة ، والشافعي ، كذلك إلا في بني تغلب خاصة ; فإنهم قالوا : تؤخذ منهم الزكاة مضاعفة ، واحتجوا بخبر واه مضطرب في غاية الاضطراب ، رويناه من طريق أبي إسحاق الشيباني عن السفاح بن مطر عن داود بن كردوس التغلبي قال : صالحت عمر بن الخطاب [ ص: 232 ] عن بني تغلب - بعد أن قطعوا الفرات وأرادوا اللحوق بالروم - على أن لا يصبغوا صبيا ولا يكرهوا على غير دينهم على أن عليهم العشر مضاعفا في كل عشرين درهما درهم قال داود بن كردوس : ليس لبني تغلب ذمة ، قد صبغوا في دينهم ؟ ومن طريق هشيم عن المغيرة بن مقسم عن السفاح بن المثنى عن زرعة بن النعمان أو النعمان بن زرعة : أنه كلم عمر في بني تغلب وقال له : إنهم عرب يأنفون من الجزية ، فلا تعن عدوك بهم ; فصالحهم عمر على أن أضعف عليهم الصدقة ، فاشترط عليهم : أن لا ينصروا أولادهم .

                                                                                                                                                                                          قال مغيرة فحدثت أن علي بن أبي طالب قال : لئن تفرغت لبني تغلب لأقتلن مقاتلتهم ولأسبين ذراريهم ; فقد نقضوا ، وبرئت منهم الذمة حين نصروا أولادهم .

                                                                                                                                                                                          وروي أيضا من طريق عبد السلام بن حرب فقال : فيه عن داود بن كردوس عن عمارة بن النعمان ، وذكر مثله سواء سواء ، وذكر أنهم لا ذمة لهم اليوم .

                                                                                                                                                                                          وروينا أيضا من طريق عبد الله بن صالح كاتب الليث عن الليث عن يونس بن يزيد عن الزهري : لا نعلم في مواشي أهل الكتاب صدقة إلا الجزية غير أن نصارى بني تغلب - الذين جل أموالهم المواشي - تضعف عليهم حتى تكون مثلي الصدقة . هذا كل ما موهوا به ، ولو كان هذا الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما حل الأخذ به لانقطاعه وضعف رواته ، فكيف وليس هو عن رسول الله صلى الله عليه وسلم .

                                                                                                                                                                                          فكيف وقد خالفوا هذا الخبر نفسه وهدموا به أكثر أصولهم لأنهم يقولون : لا [ ص: 233 ] يقبل خبر الآحاد الثقات التي لم يجمع عليها فيما إذا كثرت به البلوى ، وهذا أمر تكثر به البلوى ، ولا يعرفه أهل المدينة وغيرهم ، فقبلوا فيه خبرا لا خير فيه ، وهم قد ردوا بأقل من هذا خبر الوضوء من مس الذكر ، ويقولون : لا يقبل خبر الآحاد الثقات إذا كان زائدا على ما في القرآن أو مخالفا له ، وردوا بهذا حديث اليمين مع الشاهد ، وكذبوا ما هو مخالف لما في القرآن ، ولا خلاف للقرآن أكثر من قول الله تعالى : { حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون } فقالوا هم : إلا بني تغلب فلا يؤدون الجزية ( ولا صغار عليهم ; بل يؤدون الصدقة مضاعفة ; فخالفوا القرآن ، والسنن المنقولة نقل الكافة ) بخبر لا خير فيه ، وقالوا : لا يقبل خبر الآحاد الثقات إذا خالف الأصول ، وردوا بذلك خبر القرعة في الأعبد الستة ، وخبر المصراة ، وكذبوا ما هما مخالفين للأصول بل هما أصلان من كبار الأصول ، وخالفوا هاهنا جميع الأصول في الصدقات ، وفي الجزية بخبر لا يساوي بعرة ، وتعللوا بالاضطراب في أخبار الثقات ، وردوا خبر { لا تحرم الرضعة ولا الرضعتان } وخبر { لا قطع إلا في ربع دينار فصاعدا } وأخذوا هاهنا بأسقط خبر وأشده اضطرابا ، لأنه يقول رواية مرة : عن السفاح بن مطر ، ومرة : عن السفاح بن المثنى ، ومرة عن داود بن كردوس أنه صالح عمر عن بني تغلب ومرة : عن داود بن كردوس عن عبادة بن النعمان ، أو زرعة بن النعمان ، أو النعمان بن زرعة أنه صالح عمر ؟ ومع شدة هذا الاضطراب المفرط فإن جميع هؤلاء لا يدري أحد من هم من خلق الله تعالى ؟ وكم من قضية خالفوا فيها عمر ، ككلامه مع عثمان في الخطبة ، ونفيه في الزنى وإغرامه في السرقة قبل القطع ، وغير ذلك ، وقد صح عن عمر - بأصح طريق - من طريق عبد الرحمن بن مهدي عن شعبة [ ص: 234 ] عن الحكم بن عتيبة عن إبراهيم النخعي عن زياد بن حدير قال : أمرني عمر بن الخطاب أن آخذ من نصارى بني تغلب العشر ، ومن نصارى أهل الكتاب نصف العشر .

                                                                                                                                                                                          قال أبو محمد : فكما لم يسقط أخذ نصف العشر من أهل الكتاب الجزية عنهم فكذلك لا يسقط أخذ العشر من بني تغلب أيضا الجزية عنهم ، وهذا أصح قياس ، لو كان شيء من القياس صحيحا ، فقد خالفوا القياس أيضا ، ثم لو صح وثبت لكانوا قد خالفوه ; لأن جميع من رووه عنه - أولهم عن آخرهم - يقولون كلهم : إن بني تغلب قد نقضوا تلك الذمة ; فبطل ذلك الحكم ، ورووا ذلك أيضا - عن علي ، فخالفوا : عمر وعليا ، والخبر الذي به احتجوا والقرآن والسنن - في أخذ الجزية من كل كتابي في أرض العرب وغيرها ، كهجر ، واليمن ، وغيرهما - وفعل الصحابة رضي الله عنهم ، والقياس ، ونعوذ بالله من الخذلان .

                                                                                                                                                                                          التالي السابق


                                                                                                                                                                                          الخدمات العلمية