الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
( قال : ) وإذا تزوج أمة بغير إذن مولاها ثم أعتقها المولى ولم يعلم بالنكاح ، فإن هذا العتق إمضاء للنكاح وإجازة له ; لأن الأمة مخاطبة ، وإنما امتنع نفوذ عقدها لحق المولى ، فإذا سقط حق المولى نفذ العقد وكان نفوذ هذا العقد من جهتها لا من جهة المولى ، وما قال : إنه إمضاء وإجازة توسع في الكلام ، فأما نفوذ العقد من جهتها ، ولهذا لا يثبت لها خيار العتق كما لو زوجت نفسها بعد العتق ; لأن خيار العتق إنما يثبت إذا ازداد الملك عليها بالعتق ، ولا يتحقق ذلك إذا كان نفوذ العقد ابتداء بعد العتق ، ولهذا كان المهر لها إن لم يكن دخل بها قبل العتق ; لأن الملك إنما يثبت عليها فما يقبله من البدل يكون لها ، وعن زفر رحمه الله تعالى أنه قال : يبطل النكاح ; لأن توقفه كان على إجازة المولى ، فلا ينفذ من جهة غيره ، ولا يمكن إبقاؤه موقوفا على إجازته لسقوط حقه بالعتق فتعين فيه جهة البطلان ، كما لو باع مال الغير ، ثم إن المالك باعه من إنسان آخر بطل به البيع الأول ، ولكنا نقول ما توقف هذا العقد على إجازة المولى ، وإنما امتنع نفوذه لقيام حق المولى وقد سقط حق المولى بالعتق بعد العقد لزوال المانع من النفوذ ، وهذا بخلاف ما إذا أذن لها المولى في النكاح ، فإنه لا ينفذ ذلك العقد ما لم يجز ; لأن بالإذن لم يسقط حق المولى ، فلا بد من إجازة المولى أو إجازة من قام مقامه ، فأما بالعتق هنا سقط حق المولى ، وهذا بخلاف [ ص: 112 ] ما إذا اشترت شيئا ثم أعتقها المولى فإنه يبطل الشراء ; لأن ذلك الشراء انعقد موجبا الملك للمولى فلو نفذ بعد عتقها كان موجبا الملك لها ، وذلك لا يجوز ، فأما هنا النكاح انعقد موجب الحل لها وبعد العتق إنما ينفذ بهذه الصفة ، ولو لم يعتقها ، ولكنه مات فورثها ابنه ، فإن كانت تحل للابن بأن لم يمسها الأب بطل النكاح ، وليس للابن أن يجيزه ; لأنه طرأ حل نافذ على الحل الموقوف فيكون مبطلا لذلك الموقوف كما إذا طرأ ملك نافذ على ملك موقوف بأن باع ملك الغير ثم اشتراه من المالك بطل ذلك العقد ، ولا يملك الإجازة بعد ، وهذا لأن بين الملكين والحلين في المحل منافاة فنفوذ أحدهما في المحل يكون مبطلا للآخر ، وإن كانت ممن لا يحل للابن فأجاز الابن ذلك النكاح جاز عندنا ; لأنه قائم مقام الأب في هذه الإجازة ولم يوجد المنافي وهو طريان الحل النافذ على الحل الموقوف .

ولا يجوز عند زفر ; لأنه إنما توقف على إجازة الأب ، فلا ينفذ بإجازة غيره ، وكذلك لو باعها المولى أو وهبها أو سلمها ، فإن كانت تحل للمشتري والموهوب له لم ينفذ ذلك العقد بإجازتهما ، وإن كانت لا تحل لهما نفذ العقد بإجازتهما عندنا خلافا لزفر رحمه الله تعالى ، ولو كانت تحل لمن ملكها فدخل بها الزوج بعد ما ملكها وقد أجاز من ملكها النكاح أو لم يجز كان عليه الأقل من مهر مثلها ومما سمى لها في النكاح قبل انتقال الملك ; لأن الدخول حصل بشبهة النكاح فسقط الحد ويجب الأقل من المسمى ومن مهر المثل ، ويكون ذلك لمالكها يوم وطئها ; لأنه إنما وجب بدلا عن المستوفى بالوطء والمستوفى بالوطء مملوك للثاني فكان البدل له ، ولو كان قد جامعها في ملك الأول ثم أجاز النكاح الآخر ، فإنه يجعل عليه مهر واحد للأول ; لأن الدخول بها في الملك الأول حصل بشبهة النكاح فيجب المهر بمقابلة المستوفى منها ، وذلك المستوفى مملوك للأول فكان المهر له ثم ذكر أن النكاح لا ينفذ بإجازة الثاني هنا ; لأنه قد فسد حين ملكها ، ومن أصحابنا من يقول هذا غلط ; لأنه لما دخل بها الزوج في ملك الأول وجب عليها العدة والمعتدة لا تحل لغير المعتد منه فهي لم تصر محللة للمالك الثاني ، فلا يفسد النكاح الموقوف ، فإذا أجازه كان صحيحا ، ولكنا نقول : ما ذكره في الكتاب صحيح ; لأن وجوب العدة إنما يكون بعد التفريق بينهما ، فأما قبل التفريق فهي ليست بمعتدة فاعتراض الملك الثاني يبطل الملك الموقوف ، وإن كان هو ممنوعا من غشيانها ، وجعل هذا قياس المنع بسبب الاستبراء ، وذلك لا يمنع بطلان النكاح الموقوف ، فهذا مثله .

( قال : ) ولو كان دخل بها في ملك الأول ثم [ ص: 113 ] أعتقها جاز النكاح ، وفي القياس عليه مهران مهر للمولى بالدخول بشبهة النكاح قبل العتق ومهر لها لنفوذ العقد عليها بعد العتق ; لأن ملك الحل إنما يثبت بعد العتق ، فلا يجوز إثباته بغير مهر ، ولكنه استحسن فقال : لا يجب إلا مهر واحد للمولى ; لأن وجوب المهر بالدخول إنما يكون باعتبار العقد .

ألا ترى أنه لو لم يسبق العقد لا يجب المهر والعقد الواحد لا يوجب إلا مهرا واحدا ، وإذا وجب به المهر للمولى لا يجب لها به مهر آخر ، توضيحه أن الإجازة وإن كانت بعد العتق فحكمها يستند إلى أصل العقد ، ألا ترى أن الشهود يشترط عند العقد لا عند الإذن فكذلك إذا أجازه في الانتهاء إنما يشترط حضرة الشهود عند العقد لا عند الإجازة وشرط الشهود اختص بملك الحل كشرط المهر ، فكما أن وجود الشهود عند العقد يغني عن اعتباره عند الإجازة فكذا وجوب المهر للمولى عند العقد يغني عن اعتبار مهر آخر لها عند الإجازة ، ولو لم يعتقها ، ولكنه أجاز النكاح جعل إجازته في الانتهاء كالإذن في الابتداء ، ولو كان أذن لها في النكاح جاز عقدها ويشترط حضرة الشهود عند العقد لا عند الإجازة .

التالي السابق


الخدمات العلمية