الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
وإذا دفع إليه عشرة دراهم فضة ، وقال اخلط فيها خمسة دراهم فضة ثم صغها قلبا ، ولك كذا ففعل فهو جائز ; لأنه استقرض منه قدر خمسة دراهم فضة ، وقد صار قابضا لها بالاختلاط بملكه ، ألا ترى أنها لو هلكت بعد الخلط هلكت من مال الآمر ، ثم استأجره للعمل في ملكه ببدل معلوم ، وهذا بخلاف ما إذا لم يدفع إليه فضة ، وقال : صغ لي من عندك عشرة دراهم فضة قلبا ، على أن أعطيك أجر كذا فهو باطل ; لأن فضة العامل في يده ، ألا ترى أنها لو هلكت تكون من ماله ، فيكون فيه عاملا لنفسه ، ولو اختلفا فقال الدافع : كانت فضتي اثني عشر درهما ، وأمرتك أن تزيد فيها ثلاثة ، فقال المدفوع إليه : بل كانت عشرة ، وأمرتني فزدت خمسة ، وفي القلب خمسة عشر ; فالقول قول المدفوع إليه ، أنه زاد خمسة ; لأن الخلاف في مقدار ما دفع إليه من الفضة ، فالدافع يدعي عليه الزيادة [ ص: 78 ] والمدفوع إليه ينكر ، فالقول قوله مع يمينه ، ثم المدفوع إليه يدعي أنه أمره أن يزيد فيها خمسة ، والدافع ينكر الأمر فيما زاد على الثلاثة ، فالقول قوله مع يمينه ، فتبين أنه زاد درهمين فوق ما أمره به ، فكان مخالفا لأمره ، ضامنا للدافع مثل فضته ، فيكون له ذلك ; لأنه أقام العمل المشروط عليه وزاد ; فإذا رضي بالزيادة استوجب العامل كمال أجره ، ولو كان القلب محشوا لا يعلم ، وزنه ، ولا يعرف ، واتفقا أنه أعطاه عشرة ، وأمره أن يزيد فيه خمسة ، فقال الدافع : لم تزد فيه شيئا ، وقال العامل : قد زدت فيه خمسة ; فالقول قول الدافع ; لأنه ينكر القبض بحكم القرض ، فإن شاء العامل سلم القلب له ، وأعطاه الآمر من الأجر بحساب ذلك ، وإن شاء أعطاه فضة مثل فضته ; لأن اليد له فيه فله أن لا يخرج القلب من يده ; إذا كان ما زاد فيه ، وهو الخمسة بزعمه لا تصل إليه ; فإذا احتبس عنده ضمن للدافع فضة مثل فضته ، بعد أن يحلف الآخر ما يعلم أنه زاد فيه خمسة ; لأنه لو أقر بذلك لزمه ; فإذا أنكر فيستحلف عليه

ولو اتفقا على أنه زاد فيه خمسة ، فقال الآمر : كانت فضتي بيضاء ، وأمرتك أن تزيد فيها فضة بيضاء ، وقال العامل : كانت سوداء ، وأمرتني أن أزيد فيها فضة سوداء فالقول قول العامل ; لأن الاختلاف في صفة المدفوع إليه ، ولو اختلفا في مقداره ; فالقول قوله ، فكذلك في صفته ، وإن اختلفا في الأجر : في المقدار ، بأن قال الدافع : عملته بغير أجر فالقول قول الدافع ; لإنكاره وجوب الأجر في ذمته ، أو الزيادة على ما أقر به .

التالي السابق


الخدمات العلمية