الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                              صفحة جزء
                                                                                                                              ( والدماميل والقروح وموضع الفصد والحجامة قيل كالبثرات ) فيعفى عن دمها قليله وكثيره ما لم يكن بعصره فيعفى عن قليله فقط ( والأصح ) أنه ( إن كان مثله ) أي ما ذكر ( يدوم غالبا فكالاستحاضة ) فيجب الحشو والعصب كما مر فيها ثم ما خرج بعد عفي عنه ( وإلا ) بدم مثله غالبا ( فكدم الأجنبي ) يصيبه ( فلا يعفى ) عن شيء من المشبه والمشبه به ، وهذا أولى من جعله للأول وحده أو للثاني وحده كما قال بكل شارح ( وقيل يعفى عن قليله قلت الأصح أنها كالبثرات ) فيما مر لأنها غير نادرة وإذا وجدت دامت وتعذر الاحتراز عن لطخها وتناقض المصنف في دم الفصد والحجامة .

                                                                                                                              والمعتمد حمل قوله بعدم العفو على ما إذا جاوز محله ، وهو ما ينسب إليه عادة إلى الثوب أو محل آخر فلا يعفى إلا عن قليله لأنه بفعله وإنما لم ينظر لكونه بفعله عند عدم المجاوزة لأن الضرورة هنا أقوى منها في قتل نحو البرغوث وعصر نحو البثرة [ ص: 135 ] وقضية قول الروضة لو خرج من جرحه دم متدفق ولم يلوث بشرته لم تبطل صلاته أنه إذا لوث أبطل أي إن كثر كما أفهمه كلام المتولي وفارق ما تقرر من العفو عن كثير دم الفصد في محله بأن الفصد تعم البلوى به بخلاف تدفق الجرح أو انفتاحه بعد ربطه وقضيته أن مثله حل ربط الفصد فلا يعفى حينئذ إلا عن قليله ثم رأيت الرافعي والمصنف قالا لو افتصد فخرج الدم ولم يلوث بشرته أو لوثها أي وهي خارجة عن محله قليلا لم تبطل صلاته ( وإلا ظهر العفو عن قليل دم الأجنبي ) غير المغلظ ( والله أعلم ) لأن جنس الدم يتطرق إليه العفو فيقع القليل منه في محل المسامحة وإنما لم يقولوا بالعفو عن قليل نحو البول أي لغير السلس كما مر مع أن الابتلاء به أكثر لأنه أقذر وله محل مخصوص فسهل الاحتراز عنه بخلاف الدم فيهما وبحث الأذرعي العفو عن قليل ذلك ممن حصل له استرخاء لنحو مرض وإن لم يصر سلسا وقياس ما مر العفو عن القليل من الأجنبي وإن حصل بفعله وقيده بعضهم بما إذا لم يتعمد التلطخ به لعصيانه حينئذ واستدل بقولهم لو تعمد تلطيخ أسفل الخف بالنجس وجب غسله حتى على القديم القائل بالعفو عنه في غير ذلك وقولهم لو حمل ما فيه ذبابة مثلا أو من به نجس معفو عنه بطلت صلاته ولا دليل له في ذلك لأن تلطيخ الخف لم يصرحوا فيه بخصوص الدم المتميز على غيره بالمعفو عن جنسه كما تقرر وبه فارق حمل الميتة ومن به نجس معفو عنه ( والقيح والصديد ) وهو ماء رقيق أو قيح يخالطه دم ( كالدم ) في جميع ما مر فيه لأنه أصلهما ( وكذا ماء القروح والمتنفط الذي له ريح ) أو تغير لونه ( وكذا بلا ريح ) ولا تغير لون ( في الأظهر ) [ ص: 136 ] كصديد لا ريح له ( قلت المذهب طهارته والله أعلم ) .

                                                                                                                              التالي السابق


                                                                                                                              حاشية ابن قاسم

                                                                                                                              ( قوله وإلا فكدم الأجنبي فلا يعفى ) اعلم أنه وإن كان المتبادر أنه نائب فاعل يعفى ضمير المشبه ؛ لأنه الموافق لكون المقصود بالتشبيه بيان حكم المشبه لكونه مجهولا وكون حكم المشبه به معلوما مستقرا إلا إذا كان في عبارة المصنف مانع من ذلك ، وهو أن هذا الخلاف المذكور في قوله فلا يعفى وقيل يعفى عن قليله إنما هو في كلام الأصحاب أصالة في دم الأجنبي الذي هو المشبه به ويصرح بذلك استدراك المصنف على ترجيح المحرر له أنه لا يعفى بقوله وإلا ظهر العفو عن قليل الأجنبي فإن هذا رد على قول المحرر لا يعفى فهو مصرح بأن الخلاف إنما هو في دم الأجنبي فتعين أن الضمير في يعفى للمشبه به ، وهو دم الأجنبي وامتنع كونه للمشبه أو لهما ( فإن قلت ) التشبيه لا يتفرع عليه بيان حكم المشبه به قلت : الفاء لمجرد العطف لا للتفريع وكأن المصنف قال وإلا فكدم الأجنبي ودم الأجنبي لا يعفى عنه وقيل يعفى عن قليله فيجري ذلك فيما ذكر وإذا علمت ذلك علمت أن الصواب رجوع الضمير للمشبه به كما فعله المحقق المحلي فلله دره وأن الشارح لم يصب فيما فعل ولا في قوله وهذا أولى وأن ذلك نشأ عن عدم تأمل كلام الشارح وسياقه فتأمل ( قوله وهذا أولى إلخ ) فيه بحث بل قد يقال الأولى جعله للأول فقط ؛ لأنه الموافق [ ص: 135 ] لكون المقصود بالتشبيه بيان حكم المشبه ؛ لأن حكم المشبه به مستقر معلوم لا بيان حكمهما وللتفريع المذكور إذ لا يفهم من التشبيه حكمهما حتى يفرع عليه بخلاف ما لو جعل للأول فقط لبناء ذلك على معلومية حكم المشبه به ولو ادعاء فالتفريع في غاية الظهور فليتأمل ( قوله فخرج الدم ) صنيع الشارح قد يدل على أن المراد أنه خرج بعد الرطب فلا ينافي ما قرره في الفرق بين الفصد وغيره على أنه لا حاجة لذلك في عدم المنافاة مع قوله أي وهي خارجة عن محله ( قوله أي وهي خارجة عن محله ) أي أما إذا كان لم تخرج عنه فيعفى عن الكثير الملوث لها أيضا فليتأمل ( قوله عن قليل دم الأجنبي ) أي ولو من نفسه بأن عاد إليه بعد انفصاله عنه كما قاله الأذرعي م ر ( قوله وقيده بعضهم ) هذا التقييد اعتمده شيخنا الشهاب الرملي بل لعله مراد الشارح بهذا البعض ( قوله والتلطخ به ) أي في بدنه أو ثوبه لحرمة التضمخ به في كل منهما أي عبثا كما قيده بذلك شيخنا الشهاب الرملي وإلا فمجرد تعمد التلطخ لا يمنع العفو ولا يقتضي العصيان إذ قد يكون لحاجة ( قوله الذي له ريح ) هو صفة الماء في قوله وكذا ماء القروح إلخ وعبارة الروض وماء القروح طاهر إن لم يتغير كالنفاطات ا هـ .

                                                                                                                              ( قوله أو تغير لونه ) بم يعرف لونه ليعرف تغيره إلا أن يقال بالغالب في مثله .



                                                                                                                              حاشية الشرواني

                                                                                                                              قول المتن ( والقروح ) أي الجراحات شرح بافضل ( قوله فيعفى ) إلى قوله فلا يعفى في المغني وإلى قوله وقيل في النهاية ( قوله من المشبه ) وهو ما لا يدوم مثله غالبا ( قوله والمشبه به ) أي دم الأجنبي ( قوله وهذا أولى إلخ ) وفاقا للنهاية ( قوله من جعله للأول إلخ ) هو ما جرى عليه الأذرعي والمغني ورجحه سم ثانيا ( قوله أو للثاني إلخ ) هو ما جرى عليه الإسنوي والشارح المحقق ورجحه سم أولا ( قوله فيما مر ) أي فيعفى عن قليلها وكثيرها ما لم يكن بفعله أو يجاوز محله وحاصل ما في الدماء أنه يعفى عن قليلها ولو من أجنبي غير نحو كلب وكثيرها من نفسه ما لم يكن بفعله أو يجاوز محله فيعفى حينئذ عن قليلها فقط نهاية قال الرشيدي قوله م ر غير نحو كلب أي ما لم يختلط بأجنبي لم تمس الحاجة إليه على ما مر في طين الشارع ا هـ زاد ع ش وقوله م ر ما لم يكن بفعله ومنه ما يقع من وضع لصوق على الدمل ليفتحه ويخرج ما فيه فيعفى عن قليله دون كثيره وأما ما يقع من أن الإنسان قد يفتح رأس الدمل بآلة قبل انتهاء المدة فيه مع صلابة المحل ثم تنتهي مدته بعد فيخرج من المحل المنفتح دم كثير أو نحو قيح فهل يعفى عن ذلك ولا يكون بفعله لتأخر خروجه عن وقت الفتح أو لا ؛ لأن خروجه مترتب على الفتح السابق فيه نظر والأقرب الثاني لما ذكر ا هـ ع ش .

                                                                                                                              ( قوله وتناقض المصنف في دم الفصد إلخ ) عبارة النهاية والمغني وما وقع في التحقيق والمجموع في دم البثرات ونحوها محمول على ما حصل بفعله أو انتقل عن محله ا هـ . ( قوله ما ينسب إليه إلخ ) أي ما يغلب السيلان عليه عادة وما حاذاه من الثوب فإن جاوزه عفي عن المجاوزان قل شوبري فإن كثر المجاوز فقياس ما تقدم في الاستنجاء أنه إن اتصل المجاوز بغير المجاوز وجب غسل الجميع وإن انفصل عنه وجب غسل المجاوز فقط شيخنا العشماوي ا هـ . بجيرمي عبارة الكردي عن الشهاب عميرة الظاهر أن المراد بالمحل الموضع الذي أصابه في وقت الخروج واستقر فيه كنظيره من البول [ ص: 135 ] والغائط في الاستنجاء وحينئذ فلو بال وقت الخروج من غير انفصال لم يضر ا هـ . ( قوله وقضية قول الروضة ) إلى قوله وفارق في النهاية ( قوله إن كثر إلخ ) أي وجاوز محله أخذا مما مر نهاية وهذا يخالف قول الشارح الآتي وفارق إلخ أي كثير الدم المتدفق ( قوله وقضيته ) أي الفرق .

                                                                                                                              ( قوله إن مثله ) أي المتدفق ( قوله فخرج الدم إلخ ) صنيع الشارح قد يدل على أن المراد أنه خرج بعد الربط فلا ينافي ما قرره في الفرق بين الفصد وغيره على أن له حاجة لذلك في عدم المنافاة مع قوله أي وهي خارجة من محله سم ( قوله أي وهي خارجة إلخ ) أي أما إذا لم تخرج عنه فيعفى عن الكثير الملوث لها أيضا فليتأمل سم ( قوله عن قليل دم الأجنبي ) أي ولو من نفسه بأن عاد إليه بعد انفصاله عنه والقليل كما في الأم ما تعافاه الناس أي عدوه عفوا نهاية ومغني وفي الكردي عبارة الروض والقليل ما يعسر الاحتراز عنه ويختلف باختلاف الأوقات والبلاد انتهت وقال الشارح في فتح الجواد والمرجع في القلة والكثرة العرف فما يغلب عادة التلطخ به ويعسر الاحتراز عنه قليل وما زاد عليه كثير ويختلف بالوقت والمحل وذكروا له تقريبا في طين الشارع لا يبعد جريانه في الكل وما شك في كثرته له حكم القليل ا هـ . ونحوه في الإمداد وغيره ا هـ .

                                                                                                                              ( قوله غير المغلظ ) إلى قوله وإنما لم يقولوا في النهاية والمغني ( قوله غير المغلظ ) أي أما دم المغلظ من نحو كلب فلا يعفى عن شيء منه لغلظه ، وكذا لو أخذ دما أجنبيا ولطخ به بدنه أو ثوبه عبثا فإنه لا يعفى عن شيء منه لتعديه بذلك فإن التضمخ بالنجاسة حرام نهاية ومغني قال ع ش قوله فلا يعفى عن شيء منه إلخ أي ما لم يتناه في القلة إلى حد لا يدركه البصر المعتدل بناء على ما اعتمده الشارح م ر فيما مر من أن ما لا يدركه الطرف لا ينجس وإن كان من مغلظ ا هـ .

                                                                                                                              ( قوله كما مر ) أي في باب النجاسة ( قوله فيهما ) أي في الأقذرية وخصوص المحل ( قوله عن قليل ذلك ) أي نحو البول ( قوله وقياس ما مر ) أي قبيل قول المصنف ودم البثرات كردي ( قوله عن القليل ) أي قليل الدم ( قوله وقيده بعضهم إلخ ) هذا التقييد اعتمده شيخنا الشهاب الرملي بل لعله مراد الشارح بهذا البعض سم ، وكذا اعتمده النهاية والمغني كما مر آنفا ( قوله التلطخ به ) أي في بدنه أو ثوبه لحرمة التضمخ في كل منهما أي عبثا كما قيد بذلك شيخنا الشهاب الرملي سم ( قوله بالعفو عنه ) أي عن نجس أسفل الخف و ( قوله في غير ذلك ) أي غير التلطخ عمدا ( قوله وقولهم إلخ ) عطف على قولهم ( قوله ما فيه إلخ ) أي ماء قليلا أو مائعا فيه إلخ و ( قوله مثلا ) أي أو غيرها مما لا نفس له سائلة و ( قوله أو من به نجس إلخ ) أي كالمستجمر بحجر نهاية ( قوله ولا دليل له ) أي لذلك البعض المستدل بما ذكر ( قوله كما تقرر ) أي آنفا ( قوله وبه ) أي بتميز الدم عن غيره بذلك قول المتن ( الذي له ريح ) هو صفة الماء في قوله ماء القروح إلخ سم ( قوله أو تغير لونه ) بم يعرف لونه ليعرف تغيره إلا أن يقال بالغالب في [ ص: 136 ] مثله سم ( قوله كصديد إلخ ) أي قياسا عليه قول المتن ( طهارته ) أي ما لا ريح له قياسا على العرق نهاية ومغني .




                                                                                                                              الخدمات العلمية