الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                صفحة جزء
                                                                                                                                                                                                وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا ولقد علمت الجنة إنهم لمحضرون سبحان الله عما يصفون إلا عباد الله المخلصين

                                                                                                                                                                                                "وجعلوا " بين الله وبين الجنة وأراد الملائكة "نسبا " وهو زعمهم أنهم بناته ، والمعنى : جعلوا بما قالوا : نسبة بين الله وبينهم ، وأثبتوا له بذلك جنسية جامعة له وللملائكة . فإن قلت : لم سمي الملائكة جنة ؟ قلت : قالوا : الجنس واحد ، ولكن من خبث من الجن ومرد وكان شرا كله فهو شيطان ، ومن طهر منهم ونسك وكان خيرا كله فهو ملك ، فذكرهم في هذا الموضع باسم جنسهم ، وأنما ذكرهم بهذا الاسم وضعا منهم وتقصيرا بهم . وإن كانوا معظمين في أنفسهم أن يبلغوا منزلة المناسبة التي أضافوها إليهم . وفيه إشارة إلى أن من صفته الاجتنان والاستتار -وهو من صفات الأجرام - لا يصلح أن يناسب من لا يجوز عليه ذلك . ومثاله : أن تسوي بين الملك وبين بعض خواصه ومقربيه ، فيقول لك : أتسوي بيني وبين عبدي ؟ وإذا ذكره في غير هذا المقام وقره وكناه . والضمير في إنهم لمحضرون للكفرة . والمعنى : أنهم يقولون ما يقولون في الملائكة ، وقد علم الملائكة أنهم في ذلك كاذبون مفترون ، وأنهم محضرون النار معذبون بما يقولون ، والمراد المبالغة في التكذيب ؟ حيث أضيف إلى علم الذين ادعوا لهم تلك النسبة . وقيل : قالوا إن الله صاهر الجن فخرجت الملائكة . وقيل : قالوا : إن الله والشيطان أخوان .

                                                                                                                                                                                                وعن الحسن : أشركوا الجن في طاعة الله . ويجوز إذا فسر الجنة بالشياطين أن يكون الضمير في فإنهم لمحضرون لهم ، والمعنى أن الشياطين عالمون بأن الله يحضرهم النار ويعذبهم ، ولو كانوا مناسبين له أو شركاء في وجوب الطاعة لما عذبهم إلا عباد الله المخلصين استثناء منقطع من المحضرين ، معناه : ولكن المخلصين ناجون . وسبحان الله : اعتراض بين الاستثناء وبين ما وقع منه . ويجوز أن يقع الاستثناء من الواو في يصفون ، أي : يصفه هؤلاء بذلك ، ولكن المخلصون برآء من أن يصفوه به .

                                                                                                                                                                                                التالي السابق


                                                                                                                                                                                                الخدمات العلمية