الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                          صفحة جزء
                                                                          ( وفروضه ) أي : الوضوء ، جمع فرض . وهو ما يترتب الثواب على فعله والعقاب على تركه . ستة أشياء :

                                                                          أحدها : ( غسل الوجه ) لقوله تعالى : { إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم } ( ومنه ) أي : الوجه ( فم وأنف ) لدخولهما في حده .

                                                                          وكونهما في حكم الظاهر ، بدليل غسلهما من النجاسة ، وفطر الصائم بعود القيء بعد وصوله إليهما . وأنه لا يفطر بوصول شيء إليهما .

                                                                          ( و ) الثاني ( غسل اليدين مع المرفقين ) لقوله تعالى : [ ص: 50 ] { وأيديكم إلى المرافق } وكلمة " إلى " تستعمل بمعنى " مع " كقوله تعالى : { ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم } وفعله أيضا صلى الله عليه وسلم يبينه .

                                                                          وقد روى الدارقطني عن جابر قال : { كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا توضأ أدار الماء على مرفقيه } .

                                                                          ( و ) الثالث ( مسح الرأس كله ) لقوله تعالى : { وامسحوا برءوسكم } والباء فيه للإلصاق فكأنه قال : امسحوا رءوسكم .

                                                                          قال ابن برهان : من زعم أن الباء للتبعيض ، فقد جاء عن أهل اللغة بما لا يعرفونه لأن الذين وصفوا وضوء النبي صلى الله عليه وسلم " ذكروا { أنه مسح رأسه كله } .

                                                                          وما روي عنه صلى الله عليه وسلم { أنه مسح مقدم رأسه } فمحمول على أن ذلك مع العمامة ، كما جاء مفسرا في حديث المغيرة بن شعبة ، ونحن نقول به . وعفا في المبهج والمترجم عن يسيره للمشقة ، وصوبه في الإنصاف .

                                                                          قال الزركشي : وظاهر كلام الأكثرين بخلافه ( ومنه ) أي : الرأس ( الأذنان ) لحديث ابن ماجه وغيره من غير وجه مرفوعا { الأذنان من الرأس } فيجب مسحهما .

                                                                          ( و ) الرابع ( غسل الرجلين مع الكعبين ) لقوله تعالى : { وأرجلكم إلى الكعبين } والكلام هنا في الكعبين ، كالكلام السابق في المرفقين .

                                                                          ( و ) الخامس ( الترتيب ) بين الأعضاء .

                                                                          كما ذكر الله تعالى ; لأنه أدخل ممسوحا بين مغسولين ، وقطع النظير عن نظيره ، وهذا قرينة إرادة الترتيب . وتوضأ النبي صلى الله عليه وسلم مرتبا وقال : { هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به } أي بمثله . وما روي عن علي { ما أبالي إذا أتممت وضوئي بأي أعضائي بدأت } .

                                                                          قال أحمد : إنما عنى به اليسرى قبل اليمنى ; لأن مخرجهما في الكتاب واحد . وروى أحمد بإسناده " أن عليا سئل ، فقيل له : أحدنا يستعجل ، فيغسل شيئا قبل شيء ؟ فقال : لا ، حتى يكون كما أمر الله تعالى " وما روي عن ابن مسعود " لا بأس أن تبدأ برجليك قبل يديك في الوضوء " فلا يعرف له أصل .

                                                                          والواجب الترتيب ، لا عدم التنكيس ، فلو وضأه أربعة في حالة واحدة لم يجزئه . ولو انغمس في ماء راكد أو جار ، ينوي به رفع الحدث لم يرتفع حدثه ، حتى يخرج مرتبا ، مع مسح رأسه في محله ، على ما تقدم : أن الجاري ، كالراكد ، خلافا لما ذكره جمع هنا . وإن نكس وضوءه لم يحتسب بما غسله قبل وجهه . وإن توضأ منكسا أربع مرات صح وضوءه إذا كان متقاربا يحصل له من كل وضوء : غسل عضو .

                                                                          ( و ) السادس ( الموالاة ) لحديث خالد بن معدان أن النبي صلى الله عليه وسلم [ ص: 51 ] { رأى رجلا يصلي ، وفي ظهر قدمه لمعة قدر الدرهم لم يصبها الماء ، فأمره أن يعيد الوضوء } رواه أحمد وأبو داود ، وزاد " والصلاة " وفي إسناده : بقية ، وهو اسم رجل ثقة ، روى له مسلم .

                                                                          ولو لم تجب الموالاة لأمره بغسل اللمعة فقط . ولأن الوضوء عبادة يفسدها الحدث . فاشترطت لها الموالاة كالصلاة . ولم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه توضأ إلا متواليا . ولم يشترط في الغسل ترتيب ولا موالاة ; لأن المغسول فيه بمنزلة عضو واحد ( ويسقطان ) أي : الترتيب والموالاة ( مع غسل ) عن حدث أكبر ، لاندراج الوضوء فيه ، كاندراج العمرة في الحج .

                                                                          ( وهي ) أي : الموالاة ( أن لا يؤخر غسل عضو حتى يجف ما ) أي : العضو ( قبله ) أو بقية عضو حتى يجف أوله ( بزمن معتدل أو قدره ) أي : قدر الزمن المعتدل ( من غيره ) أي : غير المعتدل ، بأن كان حارا أو باردا ( ويضر ) أي : تفوت الموالاة ( إن جف ) عضو أو بعضه قبل غسل ما بعده ، أو بقيته ( لاشتغال بتحصيل ماء ) يتمم به وضوءه ( أو جف ) ذلك ( لإسراف أو إزالة نجاسة ) ليست بمحل التطهير .

                                                                          ( أو ) إزالة ( وسخ ونحوه ) كجبيرة حلها ( لغير طهارة ) بأن كان ذلك في غير أعضاء الوضوء ، فإن كان فيها لم يؤثر ; لأنه إذن من أفعال الطهارة ، و ( لا ) يضر اشتغاله ( بسنة ) من سنن الوضوء ، ( كتخليل ) لحية وأصابع ( وإسباغ ) الماء أي : إبلاغه مواضعه من الأعضاء بأن يؤتي كل عضو حقه ( وإزالة شك ) بأن يكرر غسل عضو حتى يعلم أنه استكمل غسله ( أو ) إزالة ( وسوسة ) ; لأنها شك في الجملة ، ولما أنهى الكلام على فروض الوضوء شرع في شروطه ، جامعا بينه وبين الغسل اختصارا ، لاشتراكهما في أكثرها .

                                                                          التالي السابق


                                                                          الخدمات العلمية