الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      صفحة جزء
                                                                                                                                                                                                                                      ولو شاء لجعله ساكنا .. فبناء الكون المنظور على هذا النسق، وتنسيق المجموعة الشمسية هذا التنسيق هو الذي جعل الظل متحركا هذه الحركة اللطيفة، ولو اختلف ذلك النسق أقل اختلاف لاختلفت آثاره في الظل الذي نراه، لو كانت الأرض ثابتة لسكن الظل فوقها لا يمتد ولا يقبض، ولو كانت سرعتها أبطأ أو أسرع مما هي عليه لكان الظل في امتداده وقبضه أبطأ أو أسرع، فتنسيق الكون المنظور على ناموسه هذا هو الذي يسمح بظاهرة الظل، ويمنحها خواصها التي نراها.

                                                                                                                                                                                                                                      وهذا التوجيه إلى تلك الظاهرة التي نراها كل يوم، ونمر بها غافلين، هو طرف من منهج القرآن في استحياء الكون دائما في ضمائرنا، وفي إحياء شعورنا بالكون من حولنا، وفي تحريك خوامد إحساسنا التي افقدها طول الألفة إيقاع المشاهد الكونية العجيبة، وطرف من ربط العقول والقلوب بهذا الكون الهائل العجيب.

                                                                                                                                                                                                                                      ومن مشهد الظل إلى مشهد الليل الساتر، والنوم الساكن، والنهار وما فيه من حركة ونشور :

                                                                                                                                                                                                                                      وهو الذي جعل لكم الليل لباسا، والنوم سباتا، وجعل النهار نشورا ..

                                                                                                                                                                                                                                      والليل يستر الأشياء والأحياء فتبدو هذه الدنيا وكأنها تلبس الليل وتتشح بظلامه فهو لباس، وفي الليل تنقطع الحركة ويسكن الدبيب وينام الناس وكثير من الحيوان والطيور والهوام، والنوم انقطاع عن الحس والوعي والشعور، فهو سبات، ثم يتنفس الصبح وتنبعث الحركة، وتدب الحياة في النهار، فهو نشور من ذلك الموت الصغير، الذي يتداول الحياة على هذه الأرض مع البعث والنشور مرة في كل دورة من [ ص: 2570 ] دورات الأرض الدائبة التي لا يصيبها الكلال، وهي تمر بالبشر وهم غافلون عما فيها من دلالة على تدبير الله، الذي لا يغفل لحظة ولا ينام.

                                                                                                                                                                                                                                      ثم ظاهرة الرياح المبشرة بالمطر وما يبثه من حياة:

                                                                                                                                                                                                                                      وهو الذي أرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته، وأنزلنا من السماء ماء طهورا، لنحيي به بلدة ميتا، ونسقيه مما خلقنا أنعاما وأناسي كثيرا ..

                                                                                                                                                                                                                                      والحياة على هذه الأرض كلها تعيش على ماء المطر إما مباشرة، وإما بما ينشئه من جداول وأنهار على سطح الأرض، ومن ينابيع وعيون وآبار من المياه الجوفية المتسربة إلى باطن الأرض منه، ولكن الذين يعيشون مباشرة على المطر هم الذين يدركون رحمة الله الممثلة فيه إدراكا صحيحا كاملا، وهم يتطلعون إليه شاعرين بأن حياتهم كلها متوقفة عليه، وهم يترقبون الرياح التي يعرفونها تسوق السحب، ويستبشرون بها; ويحسون فيها رحمة الله، إن كانوا ممن شرح الله صدورهم للإيمان.

                                                                                                                                                                                                                                      والتعبير يبرز معنى الطهارة والتطهير: وأنزلنا من السماء ماء طهورا وهو بصدد ما في الماء من حياة. لنحيي به بلدة ميتا، ونسقيه مما خلقنا أنعاما وأناسي كثيرا فيلقي على الحياة ظلا خاصا ظل الطهارة؛ فالله –سبحانه - أراد الحياة طاهرة نقية وهو يغسل وجه الأرض بالماء الطهور الذي ينشئ الحياة في الموات ويسقي الأناسي والأنعام.

                                                                                                                                                                                                                                      وعند هذا المقطع من استعراض المشاهد الكونية يلتفت إلى القرآن النازل من السماء كذلك لتطهير القلوب والأرواح; وكيف يستبشرون بالماء المحيي للأجسام ولا يستبشرون بالقرآن المحيي للأرواح:

                                                                                                                                                                                                                                      ولقد صرفناه بينهم ليذكروا، فأبى أكثر الناس إلا كفورا، ولو شئنا لبعثنا في كل قرية نذيرا. فلا تطع الكافرين وجاهدهم به جهادا كبيرا ..

                                                                                                                                                                                                                                      ولقد صرفناه بينهم ليذكروا .. فعرضناه عليهم في صور شتى، وأساليب متعددة، ولفتات متنوعة; وخاطبنا به مشاعرهم ومداركهم، وأرواحهم وأذهانهم; ودخلنا عليهم به من كل باب من أبواب نفوسهم، وبكل وسيلة تستجيش ضمائرهم.. ليذكروا .. فما يحتاج الأمر إلى أكثر من التذكر، والحقيقة التي يحاول القرآن ردهم إليها مركوزة في فطرتهم، أنساهم إياها الهوى الذي اتخذوا منه إلها.. فأبى أكثر الناس إلا كفورا .

                                                                                                                                                                                                                                      ومهمة الرسول - صلى الله عليه وسلم - إذن ضخمة شاقة; وهو يواجه البشرية كلها وأكثرها أضله الهوى، وأبى إلا الكفر، ودلائل الإيمان حاضرة..

                                                                                                                                                                                                                                      ولو شئنا لبعثنا في كل قرية نذيرا ..

                                                                                                                                                                                                                                      فتوزع المشقة، وتخف المهمة. ولكن الله اختار لها عبدا واحدا، هو خاتم الرسل; وكلفه إنذار القرى [ ص: 2571 ] جميعا، لتتوحد الرسالة الأخيرة، فلا تتفرق على ألسنة الرسل في القرى المتفرقة، وأعطاه القرآن ليجاهدهم به:

                                                                                                                                                                                                                                      فلا تطع الكافرين وجاهدهم به جهادا كبيرا ..

                                                                                                                                                                                                                                      وإن في هذا القرآن من القوة والسلطان، والتأثير العميق، والجاذبية التي لا تقاوم، ما كان يهز قلوبهم هزا، ويزلزل أرواحهم زلزالا شديدا؛ فيغالبون أثره بكل وسيلة فلا يستطيعون إلى ذلك سبيلا.

                                                                                                                                                                                                                                      ولقد كان كبراء قريش يقولون للجماهير: " لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون " .. وكانت هذه المقالة تدل على الذعر الذي تضطرب به نفوسهم ونفوس أتباعهم من تأثير هذا القرآن; وهم يرون هؤلاء الأتباع كأنما يسحرون بين عشية وضحاها من تأثير الآية والآيتين، والسورة والسورتين، يتلوهما محمد ابن عبد الله - صلى الله عليه وسلم - فتنقاد إليه النفوس، وتهوى إليه الأفئدة.

                                                                                                                                                                                                                                      ولم يقل رؤساء قريش لأتباعهم وأشياعهم هذه المقالة، وهم في نجوة من تأثير هذا القرآن، فلولا أنهم أحسوا في أعماقهم هزة روعتهم ما أمروا هذا الأمر، وما أشاعوا في قومهم بهذا التحذير، الذي هو أدل من كل قول على عمق اتأثير!

                                                                                                                                                                                                                                      قال ابن إسحاق : حدثني محمد بن مسلم بن شهاب الزهري أنه حدث: أن أبا سفيان بن حرب، وأبا جهل بن هشام، والأخنس بن شريق بن عمر بن وهب الثقفي حليف بني زهرة.. خرجوا ليلة ليستمعوا من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو يصلي من الليل في بيته، فأخذ كل رجل منهم مجلسا يستمع فيه، وكل لا يعلم بمكان صاحبه، فباتوا يستمعون له، حتى إذا طلع الفجر تفرقوا، فجمعهم الطريق، فتلاوموا، وقال بعضهم لبعض: لا تعودوا، فلو رآكم بعض سفهائكم لأوقعتم في نفسه شيئا! ثم انصرفوا. حتى إذا كانت الليلة الثانية عاد كل رجل منهم إلى مجلسه، فباتوا يستمعون له، حتى إذا طلع الفجر تفرقوا، فجمعهم الطريق، فقال بعضهم لبعض مثل ما قالوا أول مرة! ثم انصرفوا. حتى إذا كانت الليلة الثالثة أخذ كل رجل منهم مجلسه، فباتوا يستمعون له، حتى إذا طلع الفجر تفرقوا، فجمعهم الطريق، فقال بعضهم لبعض: لا نبرح حتى نتعاهد ألا نعود! فتعاهدوا على ذلك، ثم تفرقوا.

                                                                                                                                                                                                                                      " فلما أصبح الأخنس بن شريق أخذ عصاه، ثم خرج حتى أتى أبا سفيان في بيته، فقال: أخبرني يا أبا حنظلة عن رأيك فيما سمعت من محمد ، فقال: يا أبا ثعلبة، والله لقد سمعت أشياء أعرفها، وأعرف ما يراد بها; وسمعت أشياء ما عرفت معناها، ولا ما يراد بها، قال الأخنس: وأنا والذي حلفت به.

                                                                                                                                                                                                                                      " قال: ثم خرج من عنده حتى أتى أبا جهل، فدخل عليه بيته، فقال: يا أبا الحكم، ما رأيك فيما سمعت من محمد ؟ فقال: ماذا سمعت؟! تنازعنا نحن وبنو عبد مناف الشرف، أطعموا فأطعمنا، وحملوا فحملنا، وأعطوا فأعطينا، حتى إذا تجاثينا على الركب، وكنا كفرسي رهان، قالوا: منا نبي يأتيه الوحي من السماء، فمتى ندرك مثل هذه؟ والله لا نؤمن به أبدا ولا نصدقه!!

                                                                                                                                                                                                                                      " قال: فقام عنه الأخنس وتركه".

                                                                                                                                                                                                                                      فهكذا كانوا يغالبون أنفسهم أن تهفو إلى هذا القرآن فتغلبهم، لولا أن يتعاهدوا وهم يحسون ما يتهدد زعامتهم، لو اطلع عليهم الناس، وهم مأخوذون شبه مسحورين!

                                                                                                                                                                                                                                      وإن في القرآن من الحق الفطري البسيط، لما يصل القلب مباشرة بالنبع الأصيل، فيصعب أن يقف لهذا النبع الفوار، وأن يصد عنه تدفق التيار، وأن فيه من مشاهد القيامة، ومن القصص، ومن مشاهد الكون الناطقة، ومن مصارع الغابرين، ومن قوة التشخيص والتمثيل، لما يهز القلوب هزا لا تملك معه فرارا. [ ص: 2572 ] وإن السورة الواحدة لتهز الكيان الإنساني في بعض الأحيان، وتأخذ على النفس أقطارها ما لا يأخذه جيش ذو عدة وعتاد!!

                                                                                                                                                                                                                                      فلا عجب مع ذلك أن يأمر الله نبيه أن لا يطيع الكافرين، وألا يتزحزح عن دعوته وأن يجاهدهم بهذا القرآن؛ فإنما يجاهدهم بقوة لا يقف لها كيان البشر، ولا يثبت لها جدال أو محال.

                                                                                                                                                                                                                                      وبعد هذه اللفتة يعود إلى مشاهد الكون، فيعقب على مشهد الرياح المبشرة والماء الطهور، بمشهد البحار العذبة والملحة وما بينهما من حجاز :

                                                                                                                                                                                                                                      وهو الذي مرج البحرين هذا عذب فرات، وهذا ملح أجاج وجعل بينهما برزخا، وحجرا محجورا ..

                                                                                                                                                                                                                                      وهو الذي ترك البحرين، الفرات العذب والملح المر، يجريان ويلتقيان، فلا يختلطان ولا يمتزجان; إنما يكون بينهما برزخ وحاجز من طبيعتهما التي فطرها الله، فمجاري الأنهار غالبا أعلى من سطح البحر، ومن ثم فالنهر العذب هو الذي يصب في البحر الملح، ولا يقع العكس إلا شذوذا، وبهذا التقدير الدقيق لا يطغى البحر - وهو أضخم وأغزر - على النهر الذي منه الحياة للناس والأنعام والنبات، ولا يكون هذا التقدير مصادفة عابرة وهو يطرد هذا الاطراد، إنما يتم بإرادة الخالق الذي أنشأ هذا الكون لغاية تحققها نواميسه في دقة وإحكام.

                                                                                                                                                                                                                                      وقد روعي في نواميس هذا الكون ألا تطغى مياه المحيطات الملحة لا على الأنهار ولا على اليابسة حتى في حالات المد والجزر التي تحدث من جاذبية القمر للماء الذي على سطح الأرض، ويرتفع بها الماء ارتفاعا عظيما.

                                                                                                                                                                                                                                      يقول صاحب كتاب الإنسان لا يقوم وحده (العلم يدعو إلى الإيمان) :

                                                                                                                                                                                                                                      " يبعد القمر عنا مسافة مائتين وأربعين ألفا من الأميال، ويذكرنا المد الذي يحدث مرتين تذكيرا لطيفا بوجود لقمر، والمد الذي يحدث بالمحيط قد يرتفع إلى ستين قدما في بعض الأماكن، بل إن قشرة الأرض تنحني مرتين نحو الخارج مسافة عدة بوصات بسبب جاذبية القمر، ويبدو لنا كل شيء منتظما لدرجة أننا لا ندرك القوة الهائلة التي ترفع مساحة المحيط كلها عدة أقدام، وتنحني قشرة الأرض التي تبدو لنا صلبة للغاية.

                                                                                                                                                                                                                                      "والمريخ له قمر - قمر صغير - لا يبعد عنه سوى ستة آلاف من الأميال، ولو كان قمرنا يبعد عنا خمسين ألف ميل مثلا، بدلا من المسافة الشاسعة التي يبعد بها عنا فعلا، فإن المد كان يبلغ من القوة بحيث أن جميع الأراضي التي تحت منسوب الماء كانت تغمر مرتين في اليوم بماء متدفق يزيح بقوته الجبال نفسها، وفي هذه الحالة ربما كانت لا توجد الآن قارة قد ارتفعت من الأعماق بالسرعة اللازمة، وكانت الكرة الأرضية تتحطم من هذا الاضطراب، وكان المد الذي في الهواء يحدث أعاصير كل يوم.

                                                                                                                                                                                                                                      .وإذا فرضنا أن القارات قد اكتسحت، فإن معدل عمق الماء فوق الكرة الأرضية كلها يكون نحو ميل ونصف. وعندئذ ما كانت الحياة لتوجد إلا في أعماق المحيط السحيقة على وجه الاحتمال؟" .

                                                                                                                                                                                                                                      ولكن اليد التي تدبر هذا الكون مرجت البحرين وجعلت بينهما برزخا وحاجزا من طبيعتهما ومن طبيعة هذا الكون المتناسق الذي تجري مقاديره بيد الصانع المدبر الحكيم، هذا الجري المقدر المنسق المرسوم.

                                                                                                                                                                                                                                      التالي السابق


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية