الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                صفحة جزء
                ومن هذا الباب : أن عمر بن عبد العزيز لما تولى إمارة المدينة في خلافة الوليد بن عمه - وعمر هذا هو الذي بنى الحجرة النبوية إذ ذاك - صلى خلفه أنس بن مالك رضي الله عنه . فقال ما رواه أبو داود والنسائي عن أنس بن مالك رضي الله عنه " ما صليت وراء أحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أشبه صلاة برسول الله صلى الله عليه وسلم من هذا الفتى - يعني عمر بن عبد العزيز " قال " فحزرنا في ركوعه عشر تسبيحات وفي سجوده عشر تسبيحات " وهذا كان في المدينة مع أن أمراءها كانوا أكثر محافظة على السنة من أمراء بقية الأمصار . فإن الأمصار كانت تساس برأي الملوك والمدينة إنما كانت تساس بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أو نحو هذا ولكن كانوا قد غيروا أيضا بعض السنة . ومن اعتقد أن هذا كان في خلافة عمر بن عبد العزيز فقد غلط فإن أنس بن مالك [ ص: 595 ] رضي الله عنه لم يدرك خلافة عمر بن عبد العزيز بل مات قبل ذلك بسنتين .

                وهذا يوافق الحديث المشهور الذي في سنن أبي داود والترمذي وابن ماجه عن عون بن عبد الله عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { إذا ركع أحدكم فليقل ثلاث مرات : سبحان ربي العظيم - وذلك أدناه - وإذا سجد فليقل : سبحان ربي الأعلى ثلاثا - وذلك أدناه } قال أبو داود : هذا مرسل عون لم يدرك عبد الله بن مسعود . وكذلك قال البخاري في تاريخه . وقال الترمذي : ليس إسناده بمتصل عون بن عبد الله لم يدرك ابن مسعود عون هو من علماء الكوفة المشهورين وهو من أهل بيت عبد الله وقيل : إنما تلقاه من علماء أهل بيته . فلهذا تمسك الفقهاء بهذا الحديث في التسبيحات لما له من الشواهد حتى صاروا يقولون في الثلاث : إنها أدنى الكمال أو أدنى الركوع . وذلك يدل على أن أعلاه أكثر من هذا .

                فقول من يقول من الفقهاء : إن السنة للإمام أن يقتصر على ثلاث تسبيحات من أصل الشافعي وأحمد رضي الله عنهما وغيرهم : هو من جنس قول من يقول : من السنة أن لا يطيل الاعتدال بعد الركوع أو أن يؤخر الصلاة إلى آخر الوقت أو نحو ذلك . فإن [ ص: 596 ] الذين قالوا هذا ليس معهم أصل يرجعون إليه من السنة أصلا بل الأحاديث المستفيضة عن النبي صلى الله عليه وسلم الثابتة في الصحاح والسنن والمسانيد وغيرها : تبين أنه صلى الله عليه وسلم كان يسبح في أغلب صلاته أكثر من ذلك كما تقدم دلالة الأحاديث عليه . ولكن هذا قالوه لما سمعوا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { إذا أم أحدكم الناس فليخفف وإذا صلى لنفسه فليطول ما شاء } ولم يعرفوا مقدار التطويل ولا علموا التطويل الذي نهى عنه لما { قال لمعاذ : أفتان أنت يا معاذ ؟ } فجعلوا هذا برأيهم قدرا للمستحب ومن المعلوم أن مقدار الصلاة - واجبها ومستحبها - لا يرجع فيه إلى غير السنة فإن هذا من العلم الذي لم يكله الله ورسوله إلى آراء العباد . إذ النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي بالمسلمين في كل يوم خمس صلوات وكذلك خلفاؤه الراشدون الذين أمرنا بالاقتداء بهم فيجب البحث عما سنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا ينبغي أن يوضع فيه حكم بالرأي وإنما يكون اجتهاد الرأي فيما لم تمض به سنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم [ و ] لا يجوز أن يعمد إلى شيء مضت به سنة فيرد بالرأي والقياس .

                ومما يبين هذا : أن التخفيف أمر نسبي إضافي ليس له حد في اللغة ولا في العرف ; إذ قد يستطيل هؤلاء ما يستخفه هؤلاء ويستخف [ ص: 597 ] هؤلاء ما يستطيله هؤلاء فهو أمر يختلف باختلاف عادات الناس ومقادير العبادات ولا في كل من العبادات التي ليست شرعية .

                فعلم أن الواجب على المسلم : أن يرجع في مقدار التخفيف والتطويل إلى السنة وبهذا يتبين أن أمره صلى الله عليه وسلم بالتخفيف لا ينافي أمره بالتطويل أيضا . في حديثعمار الذي في الصحيح لما قال { إن طول صلاة الرجل وقصر خطبته مئنة من فقهه فأطيلوا الصلاة وأقصروا الخطبة } وهناك أمرهم بالتخفيف ولا منافاة بينهما . فإن الإطالة هنا بالنسبة إلى الخطبة والتخفيف هناك بالنسبة إلى ما فعل بعض الأئمة في زمانه من قراءة البقرة في العشاء الآخرة . ولهذا قال { فإذا صلى أحدكم لنفسه فليطول ما شاء } .

                فبين أن المنفرد ليس لطول صلاته حد تكون به الصلاة خفيفة بخلاف الإمام ; لأجل مراعاة المأمومين . فإن خلفه السقيم والكبير وذو الحاجة ; ولهذا مضت السنة بتخفيفها عن الإطالة إذا عرض للمأمومين أو بعضهم عارض . كما قال صلى الله عليه وسلم { إني لأدخل الصلاة وأنا أريد أن أطيلها فأسمع بكاء الصبي فأخفف لما أعلم من وجد أمه } . وبذلك علل النبي صلى الله عليه وسلم فيما تقدم من حديث ابن مسعود .

                [ ص: 598 ] وكذلك في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { إذا صلى أحدكم بالناس فليخفف ; فإن فيهم الضعيف والكبير وذا الحاجة . وإذا صلى لنفسه فليطول ما شاء وفي رواية فإن فيهم السقيم والشيخ الكبير وذا الحاجة } .

                ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يقصرها أحيانا عما كان يفعل غالبا . كما روى مسلم في صحيحه عن عمرو بن حريث رضي الله عنه قال : { كأني أسمع صوت النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في صلاة الغداة { فلا أقسم بالخنس } { الجواري الكنس } } . وروى أنه { قرأ في صلاة الفجر في بعض أسفاره بسورة الزلزلة } . وكان يطول أحيانا حتى ثبت في الصحيح عن { ابن عباس رضي الله عنهما أن أم الفضل بنت الحارث سمعته وهو يقرأ { والمرسلات عرفا } فقالت : يا بني لقد أذكرتني بقراءتك هذه السورة إنها لآخر ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ بها في المغرب } . وفي الصحيحين عن { محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه أنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ بالطور في المغرب } . وفي البخاري والسنن عن مروان بن الحكم قال : قال لي زيد بن ثابت " ما لك تقرأ في المغرب بقصار المفصل وقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في المغرب بطولى الطوليين ؟ قال قلت : ما طولى الطوليين ؟ قال : الأعراف " . [ ص: 599 ] فهذه الأحاديث من أصح الأحاديث . وقد ثبت فيها أنه كان يقرأ في المغرب تارة بالأعراف وتارة بالطور وتارة بالمرسلات مع اتفاق الفقهاء على أن القراءة في المغرب سنتها أن يكون أقصر من القراءة في الفجر . فكيف تكون القراءة في الفجر وغيرها ؟

                ومن هذا الباب ما روى وكيع عن منصور عن إبراهيم النخعي قال : كان أبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود يطيل القيام بقدر الركوع فكانوا يعيبون ذلك عليه " . قال أبو محمد بن حزم : العيب على من عاب عمل رسول الله صلى الله عليه وسلم وعول على من لا حجة فيه .

                قلت : قد تقدم فعل أبي عبيدة الذي في الصحيح وموافقته لفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم . وهؤلاء الذين عابوا عليه كانوا من أهل الكوفة الذين في زمن الحجاج وفتنة ابن الأشعث لم يكونوا من الصحابة ولا عرف أنهم من أعيان التابعين . وإن كان قد يكون فيهم من أدرك ابن مسعود فابن بن مسعود لم يكن هو الإمام الراتب في زمنه بل الإمام الراتب كان غيره وابن بن مسعود أقرب إلى متابعة أبيه من هؤلاء المجهولين .

                فهؤلاء الذين أنكروا على أبي عبيدة إنما أنكروا عليه لمخالفته العادة [ ص: 600 ] التي اعتادوها وإن خالفت السنة النبوية . ولكن ليس هذا الإنكار من الفقهاء .

                يبين ذلك أن أجل فقيه أخذ عنه إبراهيم النخعي هو علقمة وتوفي قبل فتنة ابن الأشعث التي صلى فيها أبو عبيدة بن عبد الله . فإن علقمة توفي سنة إحدى - أو اثنتين - وستين في أوائل إمارة يزيد " وفتنة ابن الأشعث كانت في إمارة عبد الملك . وكذلك مسروق . قيل : إنه توفي قبل السبعين أيضا . وقيل فيهما كما قيل : في مسروق ونحوه .

                فتبين أن أكابر الفقهاء من أصحاب عبد الله بن مسعود لم يكونوا هم الذين أنكروا ذلك مع أن من الناس إذا سمع هذا الإطلاق صرفه إلى إبراهيم النخعي . وقد عرفت أن المشهور أن علقمة يظن أن إبراهيم وأمثاله أنكروا ذلك . وهم رأوا ذلك . وهم أخذوا العلم عن عبد الله ونحوه . فقد تبين أن الأمر ليس كذلك .

                التالي السابق


                الخدمات العلمية