الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
( ومن كان داخل الميقات له أن يدخل مكة بغير إحرام لحاجته ) لأنه يكثر دخوله مكة ، وفي إيجاب الإحرام في كل مرة حرج بين فصار كأهل مكة حيث يباح لهم الخروج منها ثم دخولها بغير إحرام لحاجتهم ، بخلاف ما إذا قصد أداء النسك لأنه يتحقق أحيانا فلا حرج ( فإن قدم الإحرام على هذه المواقيت جاز ) لقوله تعالى { وأتموا الحج والعمرة لله } وإتمامهما أن يحرم بهما من دويرة أهله ، كذا قاله علي وابن مسعود رضي الله عنهما . والأفضل التقديم عليها لأن إتمام الحج مفسر به والمشقة فيه أكثر والتعظيم أوفر [ ص: 428 ] وعن أبي حنيفة رحمه الله إنما يكون أفضل إذا كان يملك نفسه أن لا يقع في محظور

التالي السابق


( قوله ومن كان داخل الميقات إلخ ) المتبادر من هذه العبارة أن يكون بعد المواقيت لكن الواقع أن لا فرق بين كونه بعدها أو فيها نفسها في نص الرواية ، قال : ليس للرجل من أهل المواقيت ومن دونها إلى مكة أن يقرن ولا يتمتع ، وهو بمنزلة أهل مكة ، ألا ترى أن له أن يدخل مكة بغير إحرام ، كذا في كلام محمد ، وصرح بأن ذلك عند عدم قصد النسك .

أما إذا قصدوه وجب عليهم الإحرام قبل دخولهم أرض الحرم فميقاتهم كل الحل إلى الحرم ، فهم في سعة من دارهم إلى الحرم وما عجلوه من دارهم فهو أفضل . وقال محمد : بلغنا عن عمر رضي الله عنه أنه خرج من مكة إلى قديد ثم رجع إلى مكة ، قال : وكذا المكي إذا خرج من مكة لحاجة فبلغ الوقت ولم يجاوزه ، يعني له أن يدخل مكة راجعا بغير إحرام ، فإن جاوز الوقت لم يكن له أن يدخل مكة إلا بإحرام ( قوله كذا قاله علي وابن مسعود ) روى الحاكم في التفسير من المستدرك عن عبد الله بن سلمة المرادي قال : سئل علي رضي الله عنه عن قوله عز وجل { وأتموا الحج والعمرة لله } فقال : أن تحرم من دويرة أهلك ، وقال : صحيح على شرط الشيخين ا هـ .

وقد روي من حديث أبي هريرة مرفوعا ونظر فيه ، وحديث ابن مسعود ذكره المصنف وغيره ، والله أعلم به . ثم هذا خلاف ما تقدم من كون المراد إيجاب الإتمام على من شرع في بحث الفور والتراخي أول كتاب الحج ( قوله والأفضل التقديم عليها ) أي على المواقيت ، بخلاف تقديم [ ص: 428 ] الإحرام على أشهر الحج أجمعوا أنه مكروه ، كذا في الينابيع وغيره ، فيجب حمل الأفضلية من دويرة أهله على ما إذا كان من داره إلى مكة دون أشهر الحج ، كما قيد به قاضي خان وإنما كان التقديم على المواقيت أفضل لأنه أكثر تعظيما وأوفر مشقة ، والأجر على قدر المشقة ، ولذا كانوا يستحبون الإحرام بهما من الأماكن القاصية .

وروي عن ابن عمر أنه أحرم من بيت المقدس ، وعمران بن حصين من البصرة ، وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه أحرم من الشام ، وابن مسعود من القادسية ، وقال عليه الصلاة والسلام { من أهل من المسجد الأقصى بعمرة أو حجة غفر له ما تقدم من ذنبه } ورواه أحمد وأبو داود بنحوه . ثم هذه الأفضلية مقيدة بما إذا كان يملك نفسه روي ذلك عن أبي حنيفة رحمه الله كما ذكره المصنف رحمه الله .

ثم إذا انتفت الأفضلية لعدم ملكه نفسه هل يكون الثابت الإباحة أو الكراهة ؟ روي عن أبي حنيفة رحمه الله أنه مكروه . فالحاصل تقيد الأفضلية في المكان بملك نفسه ، والمشهور في الكراهة في الزمان عدم تقيدها بخوف مواقعة المحظورات ، فعلى هذا التقدير المناسب التعليل للكراهة قبل أشهر الحج بكون الإحرام قبل وقت الحج وهو أشهر الحج كما علل به الفقيه أبو عبد الله .

وقيل في الزمان أيضا التفصيل إن أمن على نفسه لا يكره قبل أشهر الحج وإلا كره ، ولا أعلمه مرويا عن المتقدمين ، فالأولى ما روي عن أئمتنا المتقدمين من إطلاق الكراهة وتعليلها إنما يكون بما ذكرناه من كونه قبل أشهر الحج وكأنه أشكل على من خالف إطلاقهم التعليل بذلك ففصلوا . والحق هو الإطلاق والتعليل بذلك بناء على شبه الإحرام بالركن ، وإن كان شرطا فيراعى مقتضى ذلك الشبه احتياطا ، ولو كان ركنا حقيقة لم يصح قبل أشهر الحج ، فإذا كان شبيها به كره قبلها لشبهه وقربه من عدم الصحة ، فهذا هو حقيقة الوجه ولشبه الركن لم يجز لفائت الحج ، استدامة الإحرام ليقضي به من قابل




الخدمات العلمية