الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
قال ( ولا بد من ذكر النفس في كلامه أو في كلامها ، حتى لو قال لها : اختاري فقالت قد : اخترت فهو باطل ) لأنه عرف بالإجماع وهو في المفسرة من أحد الجانبين ، ولأن المبهم لا يصلح تفسيرا للمبهم الآخر ولا تعيين مع الإبهام ( ولو قال لها : اختاري نفسك فقالت : اخترت تقع واحدة بائنة ) لأن كلامه مفسر ، وكلامها خرج جوابا له فيتضمن إعادته [ ص: 81 ] ( وكذا لو قال اختاري اختيارة فقالت : اخترت ) لأن الهاء في الاختيارة تنبئ عن الاتحاد والانفراد ، واختيارها نفسها هو الذي يتحد مرة ويتعدد أخرى فصار مفسرا من جانبه .

التالي السابق


( قوله : ولا بد من ذكر النفس في كلامه أو كلامها ) يعني أو ما يقوم مقامه كالاختيارة والتطليقة ، وكذا إذا قالت : اخترت أبي وأمي أو الأزواج أو أهلي بعد قوله : اختاري يقع لأنه مفسر في الأزواج ظاهر ، وكذا أهلي لأن الكون عندهم وهو المفهوم من اخترت أهلي إنما يكون للبينونة وعدم الوصلة مع الزوج ولذا تطلق بقول الزوج : الحقي بأهلك ، بخلاف قولها : اخترت قومي أو ذا رحم محرم لا يقع ، وينبغي أن يحمل على ما إذا كان لها أب أو أم .

أما إذا لم يكن ولها أخ ينبغي أن يقع لأنها تكون عنده عادة عند البينونة إذا عدمت الوالدين ، وإنما اكتفى بذكر هذه الأشياء في أحد الكلامين لأنها إن كانت في كلامه تضمن جوابها إعادته كأنها قالت : فعلت ذلك ، وإن كان في كلامها فقد وجد ما يختص بالبينونة في اللفظ العامل في الإيقاع فالحاجة معه ليس إلا إلى نية الزوج ، فإذا فرض وجودها تمت علة البينونة فتثبت ، بخلاف ما إذا لم تذكر النفس ونحوها في شيء من الطرفين لأن المبهم لا يفسر المبهم إذ لفظه حينئذ مبهم ، ولذا كان كناية لاحتمال اختاري ما شئت من مال أو حال أو مسكن وغيره .

وأيضا الإجماع إنما هو في المفسر من أحد الجانبين ، والإيقاع بالاختيار على خلاف القياس فيقتصر على مورد النص فيه ، ولولا هذا لأمكن الاكتفاء بتفسير القرينة الحالية دون المقالية بعد أن نوى الزوج وقوع الطلاق به وتصادقا عليه لكنه باطل ، وإلا لوقع بمجرد النية مع لفظ لا يصلح له أصلا كاسقني ، وبهذا يبطل اكتفاء الشافعي وأحمد بالنية مع القرينة عن ذكر النفس ونحوه ، ولو قال : اختاري فقالت : اخترت نفسي لا بل زوجي يقع ، ولو قدمت زوجي لا يقع .

والوجه عدم صحة الرجوع في الأول وخروج الأمر من يدها في الثاني ، ولو قالت : اخترت نفسي أو زوجي لم يقع ، ولو عطفت بالواو فالاعتبار للمقدم ويلغو [ ص: 81 ] ما بعده ، ولو خيرها ثم جعل لها ألفا على أن تختاره فاختارته لا يقع ولا يجب المال لأنه رشوة إذ هو اعتياض عن ترك حق تملك نفسها فهو كالاعتياض عن ترك حق الشفعة ( قوله : وكذا لو قال : اختاري اختيارة إلخ ) يعني أن ذكره الاختيارة في كلامه تفسير من جانبه كذكره نفسها ، فلو لم تزد هي على اخترت وقعت بائنة .

ووجهه بأن الهاء فيها للوحدة واختيارها نفسها هو الذي يتحد مرة بأن قال لها : اختاري فقالت : اخترت نفسي فإنه إنما يقع به واحدة ويتعدد أخرى بأن قال لها : اختاري اختاري اختاري أو اختاري نفسك بثلاث تطليقات أو بما شئت فقالت : اخترت يقع الثلاث ، فلما قيد بالوحدة ظهر أنه أراد تخييرها في الطلاق فكان مفسرا ، فإلزام التناقض بأنه أثبت هنا إمكان تعدد الواقع ولو ثلاثا ونفاه فيما تقدم بقوله : لأن الاختيار لا يتنوع مندفع لأنه لم يلزم مما ذكرنا كون الاختيار نفسه يتنوع كالبينونة إلى غليظة وخفيفة حتى يصاب كل نوع منه بالنية من غير زيادة لفظ آخر .

فإن قيل : إجماع الصحابة على المفسر بذكر النفس فينبغي أن لا يجوز بقولها اخترت اختيارة أو أهلي ونحوه فإن هذه لم يجمع عليها . قلنا : عرف من إجماع الصحابة اعتبار مفسر لفظا من جانب فيقتصر عليه فينتفي غير المفسر ، وأما خصوص لفظ المفسر فمعلوم الإلغاء ، واعتبار المفسر أعم منه حتى بقرينة غير لفظية يوجب ما ذكرنا من الوقوع بلا لفظ صالح ، ولو اختارت زوجها لا يقع شيء .

وعن علي تقع رجعية كأنه جعل نفس اللفظ إيقاعا ، لكن قول { عائشة رضي الله عنها خيرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فاخترناه ولم يعدده علينا شيئا } رواه الستة . وفي لفظ في الصحيحين " فلم يعدد " يفيد عدم وقوع شيء .




الخدمات العلمية