الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
[ ص: 105 ] قال ( ومن أسلم في كر فأمر رب السلم أن يكيله المسلم إليه في غرائر رب السلم ففعل وهو غائب لم يكن قضاء ) لأن الأمر بالكيل لم يصح لأنه لم يصادف ملك الآمر ، [ لأن ] حقه في الدين دون العين فصار المسلم إليه مستعيرا للغرائر منه وقد جعل ملك نفسه فيها فصار كما لو كان عليه دراهم دين فدفع إليه كيسا ليزنها المديون فيه لم يصر قابضا .

ولو كانت الحنطة مشتراة والمسألة بحالها صار قابضا لأن الأمر قد صح حيث صادف ملكه لأنه ملك العين بالبيع ، ألا ترى أنه لو أمره بالطحن كان الطحين في السلم للمسلم إليه وفي الشراء للمشتري لصحة الأمر ، وكذا إذا أمره أن يصبه في البحر في السلم يهلك من مال المسلم إليه وفي الشراء من مال المشتري ، [ ص: 106 ] ويتقرر الثمن عليه لما قلنا ، ولهذا يكتفى بذلك الكيل في الشراء في الصحيح لأنه نائب عنه في الكيل والقبض بالوقوع في غرائر المشتري ، ولو أمره في الشراء أن يكيله في غرائر البائع ففعل لم يصر قابضا لأنه استعار غرائره ولم يقبضها فلا تصير الغرائر في يده ، فكذا ما يقع فيها ، وصار كما لو أمره أن يكيله ويعزله في ناحية من بيت البائع لأن البيت بنواحيه في يده فلم يصر المشتري قابضا .

التالي السابق


( قوله ومن أسلم في كر فأمر رب السلم المسلم إليه أن يكيله في غرائر رب السلم ) والموضع موضع الإضمار فيهما لكنه أظهره لدفع الالتباس ( ففعل وهو ) أي رب السلم ( غائب لم يكن قضاء ) حتى لو هلك هلك من مال المسلم إليه والتقييد بغيبته ، لأنه لو كال فيها ورب السلم حاضر يصير قابضا بالاتفاق سواء كانت الغرائر له أو للبائع ( لأن الأمر بالكيل لم يصح لأنه لم يصادف ملك الآمر ، لأن حقه في الدين لا العين فصار المسلم إليه مستعير الغرائر منه جاعلا ملك نفسه فصار كما لو كان عليه دراهم فدفع ) الدائن إليه كيسا ( ليزنها المديون فيه لم يصر قابضا ) هذا إذا لم يكن في غرائر رب السلم طعام بلا تردد ، فإن كان قيل لا يصير قابضا لما قررنا أن أمره غير معتبر في ملك الغير .

قال في المبسوط : والأصح عندي أنه يصير قابضا لأن أمره بخلط طعام السلم بطعامه على وجه لا يتميز معتبر فيصير به قابضا ، وهو نظير ما سيذكر في كتاب الصرف فيمن دفع نصف درهم إلى صائغ وقال زد من عندك نصف درهم وصغ لي بهما خاتما ففعل جاز وصار بالخلط قابضا ( ولو كانت مشتراة ) غير مسلم فيها ( والمسألة بحالها ) أي دفع المشتري غرائره للبائع وأمره أن يكيلها فيها ففعل بغيبته ( وصار قابضا لأن الأمر قد صح ) هنا ( لأنه ملك عين الحنطة بمجرد البيع فصادف أمره ملكه ) ونظيره ما لو أمره بطحن الحنطة المسلم فيها فطحنها المسلم إليه كان الدقيق للمسلم إليه ، فلو أخذ رب السلم الدقيق كان حراما لأنه استبدال بالمسلم فيه قبل قبضه ، ولو كانت مشتراة فأمر المشتري البائع أن يطحنها فطحنها كانت للمشتري ، فلو هلك الدقيق في الأول هلك من ملك المسلم إليه ويعود دين رب السلم عليه كما كان ، ولو هلك في الثاني هلك من ملك المشتري وتقرر الثمن عليه ، ومثله ( إذا أمر ) رب السلم المسلم إليه ( أن يصبه في البحر ففعل كان من مال المسلم إليه ) ولو أمر المشتري البائع به كان قابضا فيهلك ( من مال المشتري [ ص: 106 ] لما قلنا ولهذا يكتفى بذلك الكيل ) الواحد ( في الشراء في الصحيح لأنه نائب عنه في الكيل والوقوع في غرائر المشتري ) وقوله في الصحيح احتراز عما قيل لا يكتفى إلا بكيلين على ما مر قبل باب الربا ، ولو كان في البيع أمر المشتري البائع أن يكيله في غرائر البائع ففعل بغيبته لم يصر قابضا ( لأنه استعار غرائره ولم يقبضها ) فلم تتم الإعارة لأنها لما كانت عقد تبرع لم تتم إلا بالقبض ( فلم تصر الغرائر في يده فكذا ما يقع فيه ) على تأويل الظرف ونحوه ( وصار كما لو أمر المشتري ) البائع ( أن يكيله ويعزله في مكان من بيت البائع ) ففعل بغيبته لم يصر قابضا




الخدمات العلمية