الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
[ ص: 318 ] ( ولا يجوز التحكيم في الحدود والقصاص ) لأنه لا ولاية لهما على دمهما ولهذا لا يملكان الإباحة فلا يستباح برضاهما قالوا : وتخصيص الحدود والقصاص يدل على جواز التحكيم في سائر المجتهدات كالطلاق والنكاح وغيرهما ، وهو صحيح إلا أنه لا يفتى به ، ويقال يحتاج إلى حكم المولى دفعا لتجاسر العوام [ ص: 319 ] وإن حكماه في دم خطإ فقضى بالدية على العاقلة لم ينفذ حكمه لأنه لا ولاية له عليهم إذ لا تحكيم من جهتهم . ولو حكم على القاتل بالدية في ماله رده القاضي ويقضي بالدية على العاقلة لأنه مخالف لرأيه ومخالف للنص أيضا إلا إذا ثبت القتل بإقراره لأن العاقلة لا تعقله ( ويجوز أن يسمع البينة ويقضي بالنكول وكذا بالإقرار ) لأنه حكم موافق للشرع ، ولو أخبر بإقرار أحد الخصمين أو بعدالة الشهود [ ص: 320 ] وهما على تحكيمهما يقبل قوله لأن الولاية قائمة ولو أخبر بالحكم لا يقبل قوله لانقضاء الولاية كقول المولى بعد العزل .

التالي السابق


( قوله ولا يجوز التحكيم في الحدود والقصاص ) وهذا إحدى الروايتين في القصاص وهي رواية الخصاف . قال شمس الأئمة في شرح أدب الخصاف : من أصحابنا من قالوا هذا في الحدود الخالصة حقا لله تعالى ، لأن الإمام هو المتعين لاستيفائها وليس لهما ولاية على سائر الناس . وأما القصاص وحد القذف فيجوز التحكيم فيهما ، ولكن صاحب الكتاب يريد الخصاف أطلق وقال لا يجوز ، وهو الصحيح لأن حكم الحكم بمنزلة الصلح ، ولا يجوز استيفاء القصاص وحد القذف بالصلح ، ولأنهما يندرئان بالشبهات ، وفي حكمه شبهة لأنه حكم في حقهما لا في حق غيرهما ، وأي شبهة أعظم من هذا . قال المصنف ( قالوا وتخصيص الحدود والقصاص يدل على جواز التحكيم في سائر المجتهدات وهو صحيح ) وفي الخلاصة : قضاء الحكم في الطلاق والعتاق والنكاح والكفالة بالمال والنفس والديون والبيوع والكفارات والقصاص وأرش الجنايات وقطع يد عمدا ببينة عادلة جائز إذا وافق رأي القاضي .

وعن أبي حنيفة : لا يجوز في القصاص . ونقل الناصحي عن أبي بكر الرازي في القصاص : ينبغي أن يجوز لأن ولي القصاص لو استوفى القصاص من غير أن يرفع إلى السلطان جاز ، فكذا إذا حكم فيه لأنه من حقوق بني آدم . وتوجيه المصنف بأنهما لا ولاية لهما على دمهما ولذا لا يملكان الإباحة : يعني لو قال لشخص اقتلني لا يصح أمره ولا يحل للآخر قتله لا يدفعه ، وهذا لأن المقضي عليه هو الأصل في التحكيم ، والآخر : أعني الطالب تبع فكون [ ص: 319 ] أحدهما وهو الذي تحكيمه ليس الأقوى يملك أن يستوفيه لا يقتضي صحة التحكيم فيه بل حتى يرضى الآخر ، والآخر لا يملك ما حكم فيه فلا يصح التحكيم فيه . وفي الفتاوى الصغرى : حكم المحكم في الطلاق والمضاف ينفذ لكن لا يفتي به . وفيها : روي عن أصحابنا ما هو أوسع من هذا ، وهو أن صاحب الحادثة لو استفتى فقيها عدلا فأفتاه ببطلان اليمين المضافة وسعه اتباع فتواه وإمساك المرأة المحلوف بطلاقها . وروي عنهم ما هو أوسع من هذا وهو أنه إذا استفتى أولا فقيها فأفتاه ببطلان اليمين وسعه إمساك المرأة فإن تزوج أخرى وكان حلف بطلاق كل امرأة يتزوجها فاستفتى فقيها آخر فأفتاه بصحة اليمين فإنه يفارق الأخرى ويمسك الأولى عملا بفتواهما .

وفي الذخيرة : فيمن تزوج امرأة بغير ولي فطلقها ثلاثا فبعث القاضي إلى شافعي ليحكم بينهما ببطلان ذلك النكاح وببطلان الثلاث يجوز ، وكذا لو حكما بذلك حكما يجوز ، ولا يفتى به لما مر : يعني ما قدمه من خشية تجاسر العوام : يعني على هدم المذهب . قال : وكذا من غاب عن امرأته غيبة منقطعة ولم يخلف لها نفقة فبعث إلى شافعي ليحكم بفسخ النكاح لعجز النفقة يجوز . ثم قال المصنف ( ولو حكماه في دم خطإ فقضى بالدية على العاقلة لا ينفذ لأنه لا ولاية له على العاقلة إذا لم يحكموه ، وكذا لو حكم على القاتل بالدية في ماله ) فإن القاضي ( يرده ويقضي ) بما هو الحق وهو كونه ( على العاقلة لأنه مخالف لرأيه وللنص ) وهو حديث حمل بن مالك ( إلا إذا ثبت القتل ) وهو قتل الخطإ ( بإقراره ) فحينئذ يجوز قضاؤه بالدية حينئذ على القاتل ، لأن العواقل لا تعقل القتل الثابت بالإقرار كما لا تعقل العمد والصلح على الدية لأن إقراره لا ينفذ في حقهم إذ لا ولاية له عليهم فاقتصر على نفسه فوجبت الدية في ماله ، وعلى هذا التفصيل أروش الجراحات إن كانت بحيث لا تعقلها العاقلة ، بل تجب في مال الجاني بأن كانت دون أرش الموضحة وهو خمسمائة درهم وثبت ذلك بالإقرار والنكول أو كان عمدا ، وإن بلغ خمسمائة [ ص: 320 ] فقضى الحكم على الجاني جاز لأنه لا يخالف الشرع ، وإن كانت بحيث تتحملها العاقلة لا يجوز قضاؤه بها أصلا لأنه إن قضى على الجاني خالف الشرع ، وعلى العاقلة لا يجوز لأنهم لم يحكموه .

( قوله ولو أخبر ) يعني المحكم لو قال : لأحدهما أقررت عندي أو قامت عندي بينة عليك بهذا فعدلوا عندي وقد ألزمتك ذلك وحكمت بهذا فأنكر المقضي عليه أن يكون أقر وأقام البينة لم يلتفت إلى قوله ومضى القضاء عليه ما دام المجلس باقيا لأن الحكم ما دام تحكيمهما قائما كالقاضي المقلد ، ولو قال المقلد ذلك لا يلتفت إلى إنكار المقضي عليه ، فكذا الحكم إلا أن يخرجه المخاطب عن الحكم ويعزله قبل أن يقول حكمت عليك ثم قال المحكم ذلك أو قاله بعد أن قام من المجلس لأنه بالقيام من المجلس ينعزل كما ينعزل بعزل أحدهما قبل الحكم فصار كالقاضي ، إذا قال بعد العزل قضيت بكذا لا يصدق كذا هذا .




الخدمات العلمية