الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
[ ص: 101 ] قال : ( ويجوز استئجار الظئر بأجرة معلومة ) [ ص: 102 ] لقوله تعالى : { فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن } ولأن التعامل به كان جاريا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وقبله وأقرهم عليه . ثم قيل : إن العقد يقع على المنافع وهي خدمتها للصبي والقيام به واللبن يستحق على طريق التبع بمنزلة الصبغ في الثوب . وقيل إن العقد يقع على اللبن ، والخدمة تابعة ، ولهذا لو أرضعته بلبن شاة لا تستحق الأجر . [ ص: 103 ] والأول أقرب إلى الفقه ; لأن عقد الإجارة لا ينعقد على إتلاف الأعيان مقصودا ، كما إذا استأجر بقرة ; ليشرب لبنها . وسنبين العذر عن الإرضاع بلبن الشاة إن شاء الله تعالى . [ ص: 104 ] وإذا ثبت ما ذكرنا يصح إذا كانت الأجرة معلومة اعتبارا بالاستئجار على الخدمة .

التالي السابق


( قوله : ويجوز استئجار الظئر بأجرة معلومة ) قال في النهاية : اعلم أن القياس يأبى جواز إجارة الظئر ; لأنها ترد على استهلاك [ ص: 102 ] العين مقصودا ، وهو اللبن فكان بمنزلة ما لو استأجر شاة أو بقرة مدة معلومة بأجر معلوم ليشرب لبنها ، لكن جوزناها استحسانا لقوله تعالى { فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن } ، وهذا العقد لا يرد على العين ، وهو اللبن مقصودا ، وإنما يقع على فعل التربية والحضانة وخدمة الصبي ، واللبن يدخل فيها تبعا لهذه الأشياء ، ومثل هذا جائز ، كما لو استأجر صباغا ليصبغ له الثوب فإنها جائزة . وطريق الجواز أن يجعل العقد واردا على فعل الصباغ والصبغ يدخل فيه تبعا ، فلم تكن الإجارة واردة على استهلاك العين مقصودا ، وبهذا خرج الجواب عن فصل البقرة والشاة ; لأن هناك عقد الإجارة يرد على استهلاك العين مقصودا ، كذا في الذخيرة إلى هنا لفظ النهاية .

أقول : هذا تحرير ركيك بل مختل ; لأن المشايخ قد كانوا مختلفين في أن المعقود عليه في استئجار الظئر ما ذا ؟ فقال بعضهم هو المنافع ، وهي خدمتها للصبي ، واللبن يقع كالصبغ في الثوب . وقال بعضهم : واللبن والخدمة تابعة على ما سيأتي تفصيل ذلك ، ومدار ما ذكر في وجه القياس هو القول الثاني . ومدار ما ذكر في وجه الاستحسان بقوله ، وهذا العقد لا يرد على العين إلخ هو القول الأول ، فهل ينبغي أن يقال في المسألة المتفق عليها إن القياس يأبى جوازها لكن جوزناها استحسانا ، فيذكر في وجه القياس ما يختص بأحد القولين في معنى هاتيك المسألة ، وفي وجه الاستحسان ما يختص بالقول الآخر في معناها .

ولا يخفى أنه لا يصح على أحد القولين وجه القياس ، ولا يصح على الآخر وجه الاستحسان ، فلا يوجد في المسألة قياس واستحسان على الوجه المزبور ، على أن ما ذكر في وجه الاستحسان يقتضي انتفاء ذلك القياس رأسا لا ترك العمل به بعد تقرر ثبوته كما هو حكم الاستحسان في مقابلة القياس على ما عرف تأمل تقف ( قوله : لقوله تعالى { فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن } ) قال الشراح : يعني بعد الطلاق . أقول : الأولى أن يقال : يعني بعد الطلاق والعدة ; ليوافق ما مر في الكتاب في باب النفقة من كتاب الطلاق ، وهو قوله : وإن استأجرها ، وهي زوجته أو معتدته لترضع ولدها لم يجز انتهى . وقصد بعض الفضلاء توجيه كلامهم فقال في تفسير قول صاحب العناية : يعني بعد الطلاق البائن وقال : إذ لا يجوز بعد الطلاق الرجعي قبل انقضاء العدة انتهى .

أقول : ليس ذلك بتام ; لأنه لا يجوز بعد الطلاق البائن أيضا قبل انقضاء العدة في رواية ، وهي التي اختارها في الكتاب فيما مر ، وعن هذا قال المصنف هناك : وهذا في المعتدة عن طلاق رجعي رواية واحدة ، [ ص: 103 ] وكذا في المبتوتة في رواية النهي فتدبر . ( قوله : والأول أقرب إلى الفقه ; لأن عقد الإجارة لا ينعقد على إتلاف الأعيان مقصودا إلخ ) القول الأول اختيار صاحبي الذخيرة والإيضاح ، واختاره المصنف كما ترى . والقول الثاني اختيار شمس الأئمة السرخسي حيث قال في المبسوط : وزعم بعض المتأخرين أن المعقود عليه المنفعة ، وهو القيام بخدمة الصبي ، وما يحتاج إليه ، وأما اللبن فتبع فيه ; لأن اللبن عين والعين لا تستحق بعقد الإجارة كلبن الأنعام . ثم قال : والأصح أن العقد يرد على اللبن ; لأنه هو المقصود ، وهو منفعة الثدي ، ومنفعة كل عضو على حسب ما يليق به ، هكذا ذكره ابن سماعة عن محمد رحمه الله فإنه قال : استحقاق لبن الآدمية بعد الإجارة دليل على أنه لا يجوز بيعه ، وجواز بيع لبن الأنعام دليل على أنه لا يجوز استحقاقه بعقد الإجارة . انتهى كلامه .

وتعجب صاحب النهاية من اختيار المصنف ما أعرض عنه الإمام الكبير شمس الأئمة السرخسي بعد أن رأى مثل هذا الدليل الواضح والرواية المنصوصة عن محمد رحمه الله . ورد عليه صاحب العناية بعد أن روى تعجبه من ذلك حيث قال : وهو تقليد صرف ; لأن الدليل ليس بواضح ; لأن مداره قوله : لأنه هو المقصود ، وهو ممنوع ، بل المقصود هو الإرضاع وانتظام أمر معاش الصبي على وجه خاص يتعلق بأمور ووسائط منها اللبن فجعل العين المرئية منفعة . ونقض القاعدة الكلية أن عقد الإجارة عقد على إتلاف المنافع مع الغنى عن ذلك بما هو وجه صحيح ليس بواضح ، ولا يتشبث له بما روى ابن سماعة عن محمد رحمه الله أنه قال : استحقاق لبن الآدمية بعقد الإجارة دليل على أنه لا يجوز بيعه ، وجواز بيع لبن الأنعام دليل على أنه لا يجوز استحقاقه بعقد الإجارة ; لأنه ليس بظاهر الرواية ، ولئن كان فنحن ما منعنا أن يستحق بعقد الإجارة . وإنما الكلام في استحقاقه من حيث كونه مقصودا أو تبعا ، وليس في كلام محمد ما يدل على شيء من ذلك ، إلى هنا كلامه .

أقول : خاتمة كلامه ليست بصحيحة ، إذ في كلام محمد ما يدل على أن استحقاقه من حيث كونه مقصودا لا محالة ; لأنه قال استحقاق لبن الآدمية بعقد الإجارة دليل على أنه لا يجوز بيعه ، ولا شك أنه لا دلالة على عدم جواز بيعه إلا بأن يكون استحقاقه من حيث كونه مقصودا ، ألا ترى أن الصبغ في الثوب يستحق بعقد الإجارة تبعا مع أنه مما يجوز بيعه قطعا . ثم إن للشارح العيني هاهنا كلمات كثيرة مزخرفة ذكرها تقوية لما ذهب إليه شمس الأئمة السرخسي وردا على صاحب العناية ما ذكره في رده على صاحب النهاية ، فإن ذكرنا كلها وبينا حالها التزمنا الإطناب بلا طائل ، ولكن لا علينا أن نذكر نبذا من أولها وآخرها ، قال بعد نقل ما في النهاية والعناية : قلت قول شمس الأئمة هو الأقرب إلى الفقه ; لأن الأعيان التي تحدث شيئا فشيئا مع بقاء أصلها بمنزلة المنافع فيجوز إجارتها كالعارية لمن ينتفع بالمتاع ثم يرده ، والعرية لمن يأكل ثمرة الشجرة ثم يردها ، والمنحة لمن يشرب لبن الشاة ثم يردها ، ثم قال في آخر كلامه : وكيف يقول صاحب العناية لما روى ابن سماعة عن محمد رحمه الله أنه غير ظاهر الرواية ، وهو من كبار أصحاب محمد وأبي يوسف القاضي ، وكان من العلماء الكبار الصالحين وكان يصلي كل يوم مائتي ركعة . انتهى كلامه .

أقول : كل ما قاله في الأول والآخر فاسد . أما ما قاله في الأول فلأن معنى حدوث المنافع شيئا فشيئا أن لا يكون لها بقاء أصلا بناء على عدم [ ص: 104 ] بقاء الأعراض زمانين عند المتكلمين ، ولا شك أن هذا المعنى ليس بمتحقق في الأعيان فكيف تكون الأعيان بمنزلة المنافع ، ولو سلم ذلك لم يجز إجارة الأعيان قطعا ، إذ حقيقة الإجارة تمليك المنافع بعوض دون تمليك الأعيان ، فإن تمليك الأعيان بعوض هو البيع لا غير ، وهذا أمر مقرر عند الفقهاء قاطبة ، وما ذكره من التنظيرات أو التشبيهات مما لا يجدي شيئا . أما صورة العارية فلأن العين هناك باق على حاله ، وإنما الانتفاع بالمنافع فلا مساس لها لما نحن فيه . وأما الصورتان الأخريان فلأن المعنى فيهما ، وإن كان تمليكا للعين لكن لا بطريق الإجارة بل بطريق الهبة والعطية فلا فائدة لهما فيما نحن فيه ، إذ الكلام في أن عقد الإجارة لا يرد على الأعيان لا أن شيئا من المعقود لا يرد عليهما . وأما ما قاله في الآخر فلأن المراد بظاهر الرواية عند الفقهاء رواية الجامعين والزيادات والمبسوط .

والمراد بغير ظاهر الرواية عندهم رواية غيرها ، وهذا مع كونه شائعا فيما بينهم مذكور في مواضع شتى قد صرح به الشراح قاطبة حتى ذلك الشارح نفسه أيضا في كتاب الإقرار ، ولا شك أن مراد صاحب العناية أيضا هاهنا بقوله إن ما روى ابن سماعة عن محمد ليس بظاهر الرواية أنه ليس من رواية تلك الكتب الأربعة لمحمد رحمه الله التي هي رواية المعتد بها جدا ، وكون ابن سماعة من كبار العلماء الصالحين مما لا يقدح في ذلك قطعا ، وما الشبهة فيه إلا من الغفول على اصطلاح الفقهاء في ظاهر الرواية وغير ظاهرها فكأنه نسي ما قدمت يداه ( قوله : وإذا ثبت ما ذكرنا يصح إذا كانت الأجرة معلومة اعتبارا بالاستئجار على الخدمة ) قال جماعة من الشراح في تفسير قوله ما ذكرنا : يعني من جواز الإجارة بأحد الطريقين .

أقول : فيه نظر ، إذ لو كان مراد المصنف بقوله ما ذكرنا ما يعم الطريقين لما تم قوله : اعتبارا بالاستئجار على الخدمة ; لأن الاعتبار بالاستئجار على الخدمة : أي القياس على ذلك لا يصح على الطريق الثاني ، فإن العقد في الاستئجار على الخدمة يقع على إتلاف المنفعة مقصودا لا محالة ، وفي استئجار الظئر يقع على إتلاف العين مقصودا على موجب الطريق الثاني فكيف يصح اعتبار أحدهما بالآخر . فالحق أن مراده بقوله ما ذكرنا ما اختاره من رجحان الطريق الأول على الطريق الثاني ، وعن هذا قدم ذكر الكتاب والسنة في إثبات هذه المسألة ، وأخر ذكر القياس إلى هنا ، فإن إثباتها بالكتاب والسنة متمش على كلا الطريقين فناسب ذكرهما متصلا بأصل المسألة ، وأما إثباتها بالقياس فمختص بالطريق الأول فناسب ذكره بعد تفصيل الطريقين [ ص: 105 ] وبيان ما هو المختار عنده موافق للقياس ، فبهذا التحقيق ظهر سقوط السؤال وركاكة الجواب اللذين ذكرهما صاحب العناية بقوله : فإن قيل : قد علم من أول المسألة جوازها حيث صدر الحكم فاستدل فما فائدة هذا الكلام ؟ . قلت : أثبت جوازها بالكتاب والسنة أولا ثم رجع إلى إثباتها بالقياس ، انتهى تدبر تفهم .




الخدمات العلمية