الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
قال ( وفرض المسافر في الرباعية ركعتان لا يزيد عليهما ) وقال الشافعي رحمه الله فرضه الأربع والقصر رخصة اعتبارا بالصوم . ولنا أن الشفع الثاني لا يقضى ولا يؤثم على تركه ، وهذا آية النافلة بخلاف الصوم ; لأنه يقضى [ ص: 32 ] ( وإن صلى أربعا وقعد في الثانية قدر التشهد أجزأته الأوليان عن الفرض والأخريات له نافلة ) اعتبارا بالفجر ، ويصير مسيئا لتأخير السلام ( وإن لم يقعد في الثانية قدرها بطلت ) ; لاختلاط النافلة بها قبل إكمال أركانها .

التالي السابق


( قوله : وهذا آية النافلة ) يعني ليس معنى كون الفعل فرضا إلا كونه مطلوبا ألبتة قطعا أو ظنا على الخلاف الاصطلاحي ، فإثبات التخيير بين أدائه وتركه رخصة في بعض الأوقات [ ص: 32 ] ليس حقيقته إلا نفي افتراضه في ذلك الوقت للمنافاة بينه وبين مفهوم الفرض ، فيلزم بالضرورة أن ثبوت الترخص مع قيام الافتراض لا يتصور إلا في التأخير ونحوه من عدم إلزام بعض الكيفيات التي عهدت لازمة في الفرض ، وهذا المعنى قطعي في الإسقاط فيلزم كون الفرض ما بقي ، بخلاف الفقير إذا حج حيث يقع عن الفرض إن لم ينو النفل مع أنه لا يأثم بتركه ; لأنه افترض عليه حين صار داخل المواقيت .

وأما وقوع الزائد على القراءة المسنونة فرضا لا نفلا مع أنه لا يأثم بتركها فجوابه ما سلف في فصل القراءة من أن الواجب أحد الأمرين فارجع إليه ، هذا وفيه حديث عائشة رضي الله عنها في الصحيحين قالت { فرضت الصلاة ركعتين ركعتين فأقرت صلاة السفر وزيد في صلاة الحضر } وفي لفظ قالت { فرض الله الصلاة حين فرضها ركعتين أتمها في الحضر وأقرت صلاة السفر على الفريضة الأولى } زاد في لفظ قال الزهري : قلت لعروة : فما بال عائشة تتم في السفر قال : إنها تأولت كما تأول عثمان . وفي لفظ للبخاري قالت { فرضت الصلاة ركعتين ركعتين ، ثم هاجر النبي صلى الله عليه وسلم ففرضت أربعا ، فتركت صلاة السفر على الأول } ذكره في باب من أين أرخوا التاريخ .

وهذه الرواية ترد قول من قال : إن زيادة صلاة الحضر كانت قبل الهجرة ، وهذا وإن كان موقوفا فيجب حمله على السماع ; لأن أعداد الركعات لا يتكلم فيها بالرأي ، وكون عائشة تتم لا ينافي ما قلنا : إذ الكلام في أن الفرض كم هو لا في جواز إتمام أربع فإنا نقول : إذا أتم كانت الأخريان نافلة ، لكن فيه أن المسنون في النفل عدم بنائه على تحريمة الفرض ، فلم تكن عائشة رضي الله عنها تواظب على خلاف السنة في السفر ، فالظاهر أن وصلها بناء على اعتقاد وقوع الكل فرضا فليحمل على أنه حدث لها تردد أو ظن في أن جعلها ركعتين للمسافر مقيد بحرجه بالإتمام ، يدل عليه ما أخرجه البيهقي أو الدارقطني بسند صحيح عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها " أنها كانت تصلي في السفر أربعا ، فقلت لها لو صليت ركعتين ، فقالت : يا ابن أختي إنه لا يشق علي " وهذا والله أعلم هو المراد من قول عروة : إنها تأولت : أي تأولت أن الإسقاط مع الحرج ، لا أن الرخصة في التخيير بين الأداء والترك مع بقاء الافتراض في المخير في أدائه ; لأنه غير معقول . هذا ما في كتب الحديث ، وأما المذكور في بعض كتب الفقه من أنها كانت لا تعد نفسها مسافرة بل حيث حلت كانت مقيمة ، ونقل قولها " أنا أم المؤمنين فحيث حللت فهو داري " لما سئلت عن ذلك فبعيد ، ويقتضي أن لا يتحقق لها سفر أبدا في دار الإسلام ، ولذا كان المروي عن [ ص: 33 ] رسول الله صلى الله عليه وسلم المواظبة على القصر في صحيح البخاري { عن ابن عمر رضي الله عنه صحبت رسول الله صلى الله عليه وسلم في السفر فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله ، وصحبت أبا بكر فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله ، وصحبت عمر فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله ، وصحبت عثمان فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله تعالى ، وقد قال تعالى { لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة } } . انتهى .

وهو معارض للمروي من أن عثمان كان يتم ، والتوفيق أن إتمامه المروي كان حين قام بمنى أيام منى ، ولا شك أن حكم السفر منسحب على إقامة أيام منى فساغ إطلاق أنه أتم في السفر ، ثم كان ذلك منه بعد ما مضى الصدر من خلافته ; لأنه تأهل بمكة على ما رواه أحمد أنه صلى بمنى أربع ركعات فأنكر الناس عليه فقال : أيها الناس إني تأهلت بمكة منذ قدمت ، وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول { من تأهل في بلد فليصل صلاة المقيم } مع أن في الباب ما هو مرفوع ، ففي مسلم عن ابن عباس { فرض الله الصلاة على لسان نبيكم صلى الله عليه وسلم في الحضر أربع ركعات ، وفي السفر ركعتين ، وفي الخوف ركعة } وهذا رفع ، ورواه الطبراني بلفظ { افترض رسول الله صلى الله عليه وسلم ركعتين في السفر كما افترض في الحضر أربعا } .

وأخرج النسائي وابن ماجه عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن عمر رضي الله عنه قال { صلاة السفر ركعتان ، وصلاة الأضحى ركعتان ، وصلاة الفطر ركعتان ، وصلاة الجمعة ركعتان تمام غير قصر على لسان محمد صلى الله عليه وسلم } ورواه ابن حبان في صحيحه ، وإعلاله بأن عبد الرحمن لم يسمع من عمر مدفوع بثبوت ذلك حكم به مسلم في مقدمة كتابه ، ولو لم يكن شيء من ذلك كان فيما حققناه من المعنى المفيد لنفلية الركعتين كفاية . واعلم أن من الشارحين من يحكي خلافا بين المشايخ في أن القصر عندنا عزيمة أو رخصة ، وينقل اختلاف عبارتهم في ذلك ، وهو غلط ; لأن من قال رخصة عنى رخصة الإسقاط ، وهو العزيمة ، وتسميتها رخصة مجاز وهذا بحيث لا يخفى على أحد




الخدمات العلمية