الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
( وليس على المجوسي في داره شيء ) [ ص: 256 ] لأن عمر رضي الله عنه جعل المساكن عفوا ( وإن جعلها بستانا فعليه الخراج ) وإن سقاها بماء العشر لتعذر إيجاب العشر إذ فيه معنى القربة فيتعين الخراج وهو عقوبة تليق بحاله ، وعلى قياس قولهما يجب العشر في الماء العشري ، إلا أن عند محمد رحمه الله عشرا واحدا ، وعند أبي يوسف رحمه الله عشران وقد مر الوجه فيه ، ثم الماء العشري ماء السماء والآبار والعيون والبحار التي لا تدخل تحت ولاية أحد ، والماء الخراجي ماء الأنهار التي [ ص: 257 ] شقها الأعاجم ، وماء جيحون وسيحون ودجلة والفرات عشري عند محمد رحمه الله ; لأنه لا يحميها أحد كالبحار ، وخراجي عند أبي يوسف رحمه الله ; لأنه يتخذ عليها القناطر من السفن وهذا يد عليها ( وفي أرض الصبي والمرأة التغلبيين ما في أرض الرجل التغلبي ) يعني العشر المضاعف في العشرية والخراج الواحد في الخراجية ، [ ص: 258 ] لأن الصلح قد جرى على تضعيف الصدقة دون المؤنة المحضة ، ثم على الصبي والمرأة إذا كانا من المسلمين العشر فيضعف ذلك إذا كانا منهم قال : ( وليس في عين القير والنفط في أرض العشر شيء ) ; لأنه ليس من أنزال الأرض وإنما هو عين فوارة كعين الماء ( وعليه في أرض الخراج خراج ) وهذا ( إذا كان حريمه صالحا للزراعة ) ; لأن الخراج يتعلق بالتمكن من الزراعة .

التالي السابق


( قوله وليس على المجوسي ) [ ص: 256 ] قيد به ليفيد النفي في غيره من أهل الكتاب بالدلالة لأن المجوس أبعد عن الإسلام بدليل حرمة مناكحتهم وذبائحهم . ( قوله لأن عمر رضي الله عنه جعل المساكن عفوا ) هكذا هو مأثور في القصص وكتب الآثار من غير سند في كتاب الأموال لأبي عبيد أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه جعل الخراج على الأرضين التي تغل والتي تصلح للغلة من العامرة ، وعطل من ذلك المساكن والدور التي هي منازلهم وتوارثه عنه من غير سند ، وحكى عليه إجماع الصحابة .

( قوله : وإن سقاها بماء العشر ) لأن العشر فيه معنى القربة والكفر ينافيه . وقال التمرتاشي : فيما إذا اتخذ الذمي داره بستانا أو رضخت له أرض أو أحياها فهي خراجية ، وإن سقاها بماء العشر ، وعلى قياس قولهما ينبغي أن يجب فيهما العشر بخلاف المسلم إذا سقى داره الذي جعلها بستانا بماء الخراج حيث يجب الخراج بالاتفاق . وفي شرح الكنز قالوا : ينبغي أن يجب فيها عشران على قياس قول أبي يوسف ، وعلى قول محمد عشر واحد كما مر من أصلهما ثم نظر فيه بأن ذلك كان في أرض استقر فيها العشر . وصار وظيفة لها بأن كانت في يد مسلم ا هـ . وقد قرر هو ثبوت الوظيفة في الماء وهو حق وعلى هذا فلا يدفع ما ذكره المشايخ بما أورده . والله سبحانه أعلم .

( قوله ثم الماء العشري ماء السماء ) والعيون والبحار التي لا يتحقق ورود يد أحد عليها ، وماء الخراج [ ص: 257 ] ماء الأنهار التي شقتها الأعاجم كنهر الملك ونهر يزدجرد ، واختلفوا في سيحون نهر الترك وجيحون نهر ترمذ ودجلة نهر بغداد والفرات نهر الكوفة هل هي خراجية أو لا على ما في الكتاب ، وهو بناء على أنه هل يرد عليها يد أحد أو لا فعند محمد لا ، وعند أبي حنيفة وأبي يوسف نعم ، فإن السفن يشد بعضها إلى بعض حتى تصير جسرا يمر عليه كالقنطرة ، وهذا يد عليها فهي خراجية .

قيل : ما ذكر في ماء الخراج ظاهر ، فإن ماء الأنهار التي شقتها الكفرة كان لهم يد عليها ثم حويناها قهرا وقررنا يد أهلها عليها كأراضيهم ، وأما في ماء العشر فليس بظاهر فإن الآبار والعيون التي في دار الحرب وحويناها قهرا خراجية ، صرحوا بذلك معللين بأنه غنيمة وعللوا العشرية بعدم ثبوت اليد عليها فلم تكن غنيمة ولا يتم هذا إلا في البحار والأمطار ، ثم قالوا في مائهما : لو سقى كافر بهما أرضه يكون فيها الخراج بل البحار أيضا خراجية على ما ذكرنا من قول أبي حنيفة ، وأبي يوسف فلم يبق إلا ماء المطر ، وقد علمت أن الكافر إذا سقى به عليه الخراج ، ولم يختلفوا كاختلافهم في أرض عشرية اشتراها ذمي ، ولا يخفى أن كون الآبار والعيون التي كانت حين كانت الأرض دار حرب خراجية لا ينفي العشرية في كل عين وبئر ، فإن كثيرا من الآبار والعيون احتفرها المسلمون بعد صيرورة الأرض دار إسلام ، وعلى هذا فيجب التعميم فإن ما نراه منها الآن إما معلوم الحدوث بعد الإسلام ، وإما مجهول الحال ، أما ثبوت معلومية أنه جاهلي فمتعذر ، إذ أكثر ما كان من فعلهم قد دثر وسفته الرياح ولم يبق من ثبوت ذلك إلا قول العوام غير مستندين فيه إلى نبت فيجب الحكم في كل ما نراه بأنه إسلامي إضافة للحادث إلى أقرب وقتيه [ ص: 258 ] الممكنين ويكون ظهور القسمين بالنسبة إلى سقي المسلم ما لم تسبق فيه وظيفة والله أعلم . ( قوله في عين القير ) هو الزفت ويقال القار ، والنفط دهن يعلو الماء .

( قوله وهذا إذا كان حريمها صالحا للزراعة ) ثم يمسح موضع القير في رواية تبعا ، وفي رواية لا يمسح لأنها لا تصلح للزراعة . [ فرع ] لا يجمع على مالك أرض عشر وخراج لما روى أبو حنيفة عن حماد عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله بن مسعود قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { لا يجمع على مسلم عشر وخراج في أرض } ولإجماع الصحابة إذ قد فتحوا السواد ولم ينقل عنهم قط جمعها على مالك




الخدمات العلمية