الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                            صفحة جزء
                                                                                                                            ( و ) ثامنها العلم بجواز القصر فلو قصر جاهلا به لم تصح صلاته لتلاعبه كما [ ص: 271 ] في الروضة . قال الشارح : وكأنه : تركه لبعد أن يقصر من لم يعلم جوازه و ( القصر أفضل من الإتمام على المشهور إذا بلغ ) سفره المبيح للقصر ( ثلاث مراحل ) وإلا فالإتمام أفضل خروجا من إيجاب أبي حنيفة القصر في الأول والإتمام في الثاني ، ولا يكره لكنه خلاف الأولى ، وما نقل عن الماوردي عن الشافعي من كراهة القصر محمول على كراهة غير شديدة فهي بمعنى خلاف الأولى ، ومقابل المشهور أن الإتمام أفضل مطلقا ; لأنه الأصل وأكثر عملا ، ويستثنى من ذلك كما قاله الأذرعي دائم الحدث إذا كان لو قصر لخلا زمن صلاته عن جريان حدثه ولو أتم لجرى حدثه فيها فيكون القصر في حقه أفضل مطلقا ، وكذا لو أقام زيادة على أربعة أيام لحاجة يتوقعها كل وقت أو كان يجد في نفسه كراهة القصر أو الشك فيه بأن لم تطمئن نفسه لذلك أو كان ممن يقتدى به بحضرة الناس بل يكره له الإتمام ، أما الملاح الذي معه أهله فإتمامه أفضل مطلقا ; لأنه وطنه وخروجا من منع أحمد القصر له ، ومثله من لا وطن له وأدام السفر برا وقدم على خلاف أبي حنيفة لاعتضاده بالأصل .

                                                                                                                            وقد يكون القصر واجبا كأن أخر الظهر ليجمع تأخيرا إلى أن لم يبق من وقت العصر إلا ما يسع أربع ركعات فيلزمه قصر الظهر ليدرك العصر ثم قصر العصر لتقع كلها في الوقت كما بحثه الإسنوي وغيره أخذا من قول ابن الرفعة : لو ضاق الوقت وأرهقه الحدث بحيث لو قصر مع مدافعته أدركها في الوقت من غير ضرر ، ولو أحدث وتوضأ لم يدركها فيه لزمه القصر . ويأتي ما ذكر في العشاء أيضا إذا أخر المغرب ليجمعها معها ، ويعلم منه أنه لو ضاق وقتها عن إتمامها [ ص: 272 ] كان القصر واجبا ، وأنه لو ضاق وقت الأولى عن الطهارة والقصر لزمه أن ينوي تأخيرها إلى الثانية لقدرته على إيقاعها به أداء ( والصوم ) في رمضان ويلحق به كل صوم واجب بنحو نذر أو قضاء أو كفارة فيما يظهر حيث كان السفر سفر قصر ( أفضل من القصر ) لما فيه من المسارعة إلى تبرئة الذمة وعدم إخلاء الوقت عن العبادة ولأنه الأكثر من فعله صلى الله عليه وسلم ولقوله تعالى { وأن تصوموا خير لكم } هذا ( إن لم يتضرر به ) فإن تضرر به لنحو ألم يشق احتماله عادة فالفطر أفضل لخبر { أنه صلى الله عليه وسلم رأى رجلا صائما في السفر قد ظلل عليه فقال : ليس من البر أن تصوموا في السفر } نعم لو خشي منه تلف شيء محترم نحو منفعة عضو وجب الفطر ، فإن صام كان عاصيا وأجزأه ، ولو خشي ضعفا مآلا لا حالا فالفطر أفضل في سفر حج أو غزو ، وهو أفضل مطلقا لمن وجد في نفسه كراهة الترخص ، أو كان ممن يقتدى به بحضرة الناس كما قيد به ابن قاضي شهبة إطلاق الأذرعي وكذا سائر الرخص نظير ما مر .

                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                            حاشية الشبراملسي

                                                                                                                            ( قوله : والقصر أفضل من الإتمام ) فلو نذر الإتمام فينبغي أن لا ينعقد نذره لكون المنذور ليس قربة ، وكذا ينبغي أن يقال فيما لو نذر القصر وسفره دون الثلاث لانتفاء كونه قربة فيما دونها .

                                                                                                                            ( قوله : إذا بلغ ثلاث مراحل ) أي إذا كان يبلغ ثلاث إلخ فيقصر من أول سفره .

                                                                                                                            ( قوله : ولا يكره ) أي القصر .

                                                                                                                            ( قوله : أفضل مطلقا ) أي سواء بلغ سفره ثلاث مراحل أم لا .

                                                                                                                            ( قوله : ويستثنى من ذلك ) أي من قول المصنف القصر أفضل من الإتمام ( قوله : فيكون القصر في حقه أفضل مطلقا ) أما لو كان لو قصر خلا زمن وضوئه وصلاته عنه فيجب القصر كما هو ظاهر انتهى حج .

                                                                                                                            ( قوله : وكذا لو أقام زيادة على أربعة أيام لحاجة ) أي فيكون القصر أفضل من الإتمام . وفي كون القصر في هذه الصورة أفضل نظر لجريان الخلاف فيها المتقدم قبيل الفصل بل القياس أفضلية الإتمام لما ذكر . وعبارة سم على منهج في أثناء كلام ، ونبه أيضا : أي الأذرعي على أن الإتمام أفضل في حق من أقام ينتظر حاجة وزاد على أربعة أيام انتهى . ويمكن أن هذه مستثناة من قوله والقصر أفضل من الإتمام ، فيكون موافقا لما قاله الأذرعي ، وإن كان المتبادر من قوله وكذا إلخ خلافه ، وأما قوله أو كأن يجد في نفسه إلخ فهو مستثنى من كون الإتمام أفضل من القصر .

                                                                                                                            ( قوله : الذي معه أهله ) أي إن كان له أهل وأولاد ، فإن لم يكن له شيء منهما كان كمن كان له ذلك وهم معه فيكون إتمامه أفضل .

                                                                                                                            ( قوله : مطلقا ) أي سواء بلغ سفره ثلاث مراحل أم لا ( قوله : لو ضاق وقتها ) [ ص: 272 ] أي العشاء .

                                                                                                                            ( قوله : كان القصر واجبا ) نقل سم على منهج عن الشارح خلافه حيث قال في أول الباب : وسئل عمن أخر ذلك : أعني الظهر مثلا حتى بقي ما يسع ركعتين بلا قصد هل يجب القصر ؟ فأجاب لا ، قال : لأنه إذا أخر بعذر فلا شيء عليه في إخراج بعض الصلاة عن وقتها أو بلا عذر فقد أثم ، والقصر بعد لا يدفع عنه إثم التأخير انتهى . أقول : وقد يقال إن كلامه هنا في العشاء وبفعلها مقصورة تبين أنه لم يؤخرها إلى وقت لا يسعها بخلاف الظهر فإنه إذا أخرها حتى بقي من الوقت ما يسع ركعة تحققت معصيته وإن قصر .

                                                                                                                            ( قوله : لقدرته على إيقاعها به أداء ) هذا قد يخالف ما يأتي للشارح عن شرح المهذب من أن المعتمد أنه إذا تأخر ولم ينو وقد بقي من الوقت ما لا يسعها كاملة عصى وكانت قضاء ، اللهم إلا أن يقال : إن ما هنا مصور بما إذا كان الزمن الباقي لا يسع الطهارة والصلاة مقصورة ، لكنه لو ترك الطهارة وصلى أمكنه وقوعها كلها في الوقت ، وعلى هذا لا يتوجه الاعتراض على الشارح . ثم رأيت سم على حج ذكر مثل ذلك وعبارته قوله وعن الطهارة والقصر إن كان المراد قصر الأولى ، فهذا إنما يأتي عن القول بأنه يكفي نية التأخير إذا بقي من الوقت ما يسع ركعة ; لأن الغرض ضيقه عن القصر فلم يبق منه ما يسع ركعتين مع الطهارة ، وإن كان المراد قصر الصلاتين ، ولزوم نية التأخير بعينها ممنوع بل هي أو فعل الأولى وحدها في وقتها . وقد يجاب باختيار الأول ومنع قوله فهذا إنما يأتي إلخ ; لأن ضيقه عن الطهارة والقصر صادق بعدم ضيقه عن القصر وحده ، ونية التأخير حينئذ كافية لمن عزم على القصر بناء على أنه لا يشترط كون نية التأخير في وقت يسعها مع طهارتها كما هو ظاهر عبارتهم الآتية فليتأمل .

                                                                                                                            ( قوله : ويلحق به كل صوم واجب ) قال حج : ثم رأيت الزركشي نقل عنهم أن هذا التفصيل يجري في الواجب وغيره لمسافر سفر قصر .

                                                                                                                            ( قوله : عادة ) أي وإن لم يبح التيمم .

                                                                                                                            ( قوله : فالفطر أفضل في سفر حج أو غزو ) مفهومه أن الصوم في غيرهما أفضل مع خوف الضعف مآلا .

                                                                                                                            ( قوله : وهو ) أي الفطر .

                                                                                                                            ( قوله : ممن يقتدى به ) أي فيفطر القدر الذي يحمل الناس على العمل بالرخصة



                                                                                                                            حاشية المغربي

                                                                                                                            [ ص: 271 ] قوله : فيكون القصر في حقه أفضل ) قال الشهاب حج : أما لو كان لو قصر خلا زمن وضوئه وصلاته عنه فيجب القصر كما هو ظاهر . ا هـ . وقول الأذرعي مطلقا : أي سواء بلغ سفره ثلاث مراحل أم لا هو محل الاستثناء ( قوله : وكذا لو أقام زيادة على أربعة أيام ) أي فالإتمام في حقه أفضل وهو مستثنى من كون القصر فيما فوق الثلاث مراحل أفضل وإن أوهم عطفه على ما قبله وعطف ما بعده عليه خلافه .

                                                                                                                            وعبارة الأذرعي : وأما إذا أقام لتنجز حاجة إقامة تزيد على أربعة أيام قلنا يقصر فالإتمام له أفضل . قال : وألحق بهما : أي بهذه المسألة ومسألة مديم السفر كل صورة اختلف في جواز القصر فيها .




                                                                                                                            الخدمات العلمية