الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                            صفحة جزء
                                                                                                                            السادس من الفروض ( ترتيبه ) ( هكذا ) بأن يغسل وجهه مع النية ثم يديه ثم يمسح رأسه ثم يغسل رجليه ، { لأنه صلى الله عليه وسلم لم يتوضأ إلا مرتبا } ، ولو لم يجب لتركه في وقت أو دل عليه بيانا للجواز كما في التثليث ونحوه ولما صح من قوله صلى الله عليه وسلم { ابدءوا بما بدأ الله به } الشامل للوضوء وإن ورد في الحج إذ العبرة بعموم اللفظ وهو عام ، ولأنه تعالى ذكر ممسوحا بين مغسولات ، وتفريق المتجانس لا ترتكبه العرب إلا لفائدة وهي هنا وجوب الترتيب لا ندبه بقرينة الأمر في الخبر ، ولأن العرب إذا ذكرت متعاطفات بدأت بالأقرب فالأقرب ، فلما ذكر فيها الوجه ثم اليدين ثم الرأس ثم الرجلين دلت على الأمر بالترتيب ، وإلا لقال : فاغسلوا وجوهكم وامسحوا برءوسكم واغسلوا أيديكم وأرجلكم ، ولأن الأحاديث المستفيضة الشائعة في صفة وضوئه صلى الله عليه وسلم مصرحة به ، ولأن الآية بيان للوضوء الواجب ، فلو قدم عضوا على محله لم يعتد به ، ولو غسل أربعة أعضائه معا ولو بغير إذنه ارتفع حدث وجهه فقط حيث نوى معه لأن المعية تنافي الترتيب ، وإنما صحت حجة [ ص: 176 ] الإسلام وغيرها عن واحد في عام لأن الشرط أن لا يتقدم عليها غيرها .

                                                                                                                            ( فلو ) ( اغتسل محدث ) حدثا أصغر فقط بنية رفع الحدث أو نحوه ولو متعمدا ، أو بنية رفع الجنابة أو نحوها غالطا ورتب فيهما أجزأه أو انغمس بنية ما ذكر ( فالأصح أنه إن أمكن تقدير ترتيب بأن غطس ومكث ) قدر الترتيب ( صح ) له الوضوء لأن الترتيب حاصل في الحالة المذكورة ، فإنه إذا لاقى الماء وجهه وقد نوى يرتفع الحدث عن وجهه وبعده عن اليدين لدخول وقت غسلهما وهكذا إلى آخر الأعضاء ، والثاني لا يصح إذ الترتيب فيه أمر تقديري غير تحقيقي ، ولهذا لا يقوم في النجاسة المغلظة الغمس في الماء الكثير مقام العدد ( وإلا ) وأي إن لم يكن تقدير ترتيب بأن خرج حالا أو غسل أسافله قبل أعاليه كما ذكره في المحرر ( فلا ) يجزئه لأن الترتيب من واجبات الوضوء ، والواجب لا يسقط بفعل ما ليس كذلك ( قلت : الأصح الصحة بلا مكث ، والله أعلم ) لأن الترتيب يحصل في لحظات لطيفة وهذا هو المعول عليه في التعليل ، ومن علله كالشارح بأن الغسل يكفي للحدث الأكبر فللأصغر أولى رد بأنه ينتقض بغسل الأسافل قبل الأعالي ، لأنه لو اغتسل منكسا بالصب عليه حصل له الوجه فقط ، أما انغماسه فيجزئه مطلقا ، ولو أغفل من اغتسل لمعة من غير أعضاء الوضوء أجزأه ذلك خلافا للقاضي .

                                                                                                                            وقول الروياني : إن نية الوضوء بغسله : أي ورفع الحدث الأصغر لا يجزئه إذا لم يمكنه الترتيب حقيقة مبني على طريقة الرافعي .

                                                                                                                            وبحث ابن الصلاح عدم [ ص: 177 ] الإجزاء عند نية ذلك وإن أمكن ، لأنه لم يقم الغسل مقام الوضوء ضعيف . وما علل به ممنوع ، واكتفى بنية الجنابة ونحوها مع كون المنوي طهرا غير مرتب لأن النية لا تتعلق بخصوص الترتيب نفيا وإثباتا ، ولو اجتمع عليه أصغر وأكبر كفاه الغسل لهما كما سيأتي في كلامه ولو بلا ترتيب لاندراج الأصغر وإن لم ينوه ، ولو غسل جنب بدنه إلا رجليه مثلا ثم أحدث غسلهما للجنابة ثم غسل باقي الأعضاء مرتبة للأصغر ، وله تقديم غسل الرجلين على غسل الثلاث وتأخيره وتوسيطه ، وهو وضوء خال عن غسل عضو مكشوف بلا ضرورة ، ولو اغتسل إلا أعضاء وضوئه لم يجب عليه ترتيبها لاجتماع الحدثين عليها فيندرج الأصغر في الأكبر ، ولو شك في تطهير عضو قبل الفراغ طهره وما بعده أو بعد الفراغ لم يؤثر .

                                                                                                                            ثم لما أنهى الكلام على أركانه شرع يتكلم على بعض سننه

                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                            حاشية الشبراملسي

                                                                                                                            ( قوله : عن واحد ) أي من جماعة [ ص: 176 ] متعددين كأن حج أحدهم عن النذر والآخر عن القضاء مثلا وكان المحجوج عنه معضوبا أو ميتا ( قوله أن لا يتقدم عليها غيرها ) وعليه لو تقدم الإحرام بغير حجة الإسلام وقع عنها ، ويقع الإحرام لحجة الإسلام بعد عما في ذمته من قضاء ونذر .

                                                                                                                            وقال العبادي على أبي شجاع ما نصه : أو استأجر شخصين ليحجا عنه الحجتين : يعني حجة الإسلام والنذر في سنة واحدة أجزأه ذلك سواء ترتب إحرامها أم لا ، لكن إن ترتب وقع الأول لحجة الإسلام وإلا وقع كل عما استؤجر له .

                                                                                                                            واستشكل البلقيني إذا لم يسبق أجير حجة الإسلام لأن فيه إيقاع الإحرام الثاني عن النذر ولم يستأجر له وليس هو في قوة حجة الإسلام قال : فينبغي أن يكون إحرام الثاني لنفسه إلى آخر ما ذكره ، وعليه فيرجع المستأجر عليه بما دفعه له من الدراهم إن كان دفع له وإلا سقطت عنه ( قول المصنف فلو اغتسل ) تفريع على وجوب الترتيب وكأنه يشير به إلى أن الترتيب قد يكون حقيقة وقد يكون تقديرا ( قوله : بنية رفع الحدث ) لم يبين محل النية هنا اعتمادا على ما تقدم من أنه يجب قرنها بأول غسل الوجه ، فيفيد أنه إنما يكتفي بغسله حيث وجدت النية عند غسل الوجه ، فلو انغمس ونوى عند وصول الماء إلى صدره مثلا ثم تمم الانغماس ولم يستحضر النية عند وصول الماء للوجه لم يصح وضوءه لعدم النية وإن أمكن الترتيب ( قوله : بأن غطس ) من باب ضرب أنهى مختار ( قوله : أما انغماسه ) محترز قوله لأنه اغتسل منكسا إلخ ( قوله : ولو أغفل من اغتسل اللمعة ) ليس بقيد أخذا من كلام حج الآتي في قوله : بل لو كان على ما عدا أعضاء إلخ ( قوله : اللمعة ) بضم اللام كما في المصباح والمختار ( قوله : أجزأه ذلك ) أي الانغماس .

                                                                                                                            ( قوله : مبني على طريقة الرافعي ) أي على الطريق التي مشى عليها الرافعي [ ص: 177 ] وإلا فالروياني متقدم على الرافعي ( قوله : عند نية ذلك ) وضوءا أو رفع حدث ( قوله : وما علل به ممنوع ) زاد حج إذ لا ضرورة بل ولا حاجة لهذه الإقامة بل العلة الصحيحة هي إمكان تقدير الترتيب ، فكفته نية ما يتضمن ذلك من جميع ما ذكر حتى قصده بغسلة الوضوء ، ومن ثم كان الوجه أنه لا يؤثر نسيان لمعة أو لمع من غير أعضاء الوضوء ، بل لو كان على ما عدا أعضاء الوضوء مانع كشمع لم يؤثر فيما يظهر ، سواء أمكن تقدير الترتيب أم لا ، ومن قيد كالإسنوي ومن تبعه بإمكانه إنما أراد التفريع على العلة الأولى الضعيفة خلافا لمن زعم تفريعه على العلتين انتهى حج ( قوله : واكتفى ) أي في رفع الحدث ( قوله : بنية الجنابة ) أي غلطا أخذا من قوله قبل فلو نوى غير ما عليه غالطا صح وإلا فلا ( قوله : وإن لم ينوه ) أي بل وإن نفاه ( قوله : على غسل الثلاثة ) أي الوجه وما بعده ( قوله : ولو وضوء خال إلخ ) ويلغز بذلك فيقال : لنا وضوء خال عن غسل الرجلين وهما مكشوفتان بلا ضرورة ( قوله : ولو شك في تطهير عضو إلخ ) قال حج في آخر الفصل السابق ما نصه : ولو شك بعد الاستنجاء هل غسل ذكره أو هل مسح ثنتين أو ثلاثا لم تلزمه إعادته ، كما لو شك بعد الوضوء أو سلام الصلاة في ترك فرض ذكره البغوي .

                                                                                                                            وقوله لكن لا يصلي صلاة أخرى حتى يستنجي لتردده حال شروعه في كمال طهارته ضعيف ، وإنما ذاك حيث تردد في أصل الطهارة ، على أن الذي يتجه في الأولى وجوب الاستنجاء في الذكر وليس قياس ما ذكره ، لأن بعض الوضوء والصلاة داخل فيهما وقد تيقن الإتيان بهما بخلافه هنا ، فإن كلا من الذكر والدبر مستقل بنفسه فتيقنه مطلق الاستنجاء لا يقتضي دخول غسل الذكر فيه



                                                                                                                            حاشية المغربي

                                                                                                                            ( قوله : ولو غسل أربعة أعضائه معا ) ليس المراد كما هو ظاهر المعية الحقيقية حتى لو شرعوا في بقية أعضائه بعد غسل بعض الوجه كان الحكم كذلك ; لأن الشرط أن لا يشرع في عضو حتى يتم ما قبله ( قوله : ورتب ) يشبه أن منه ما لو وقف تحت ميزاب واستمر الماء يجري منه على أعضائه ; إذ الدفعة [ ص: 176 ] الأولى مثلا يرتفع بها حدث الوجه ، فالماء الذي بعده يرفع حدث اليدين وهكذا فليراجع ( قوله : ولهذا لا يقوم في النجاسة إلخ ) قضيته أن محل الخلاف في الماء الراكد ، فلو كان جاريا كفى بالاتفاق ; لأن الجرية الأولى تحسب لغسل وجهه والثانية ليده وهكذا فليراجع ( قوله : أو غسل أسافله إلخ ) أي فيما إذا غسل بالصب وهي الصورة التي زادها على المتن فيما مر ، ففي كلامه لف ونشر غير مرتب ( قوله : ينتقض بغسل الأسافل إلخ ) فيه أن المتن مفروض فيما إذا انغمس كما دل عليه صنيعه ، وهو لا ينتقض بما ذكر




                                                                                                                            الخدمات العلمية