الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                            صفحة جزء
                                                                                                                            ( و ) الشرط السادس التقدير فيه بما ينفي عنه الغرر فحينئذ يشترط ( كونه ) أي المسلم فيه ( معلوم القدر ) ( كيلا ) فيما يكال ( أو وزنا ) فيما يوزن ( أو عدا ) فيما يعد كاللبن والحيوان ( أو ذرعا ) فيما يذرع [ ص: 195 ] للخبر المار أول الباب مع قياس ما ليس فيه بما فيه ( ويصح في المكيل ) أي سلمه ( وزنا وعكسه ) حيث كان الكيل يعد ضابطا فيه فيجوز وما جرمه كجرمه أو أقل ، ويفارق ما ذكر هنا ما مر في الربوي بأن الغالب ثم التعبد ، ولهذا كفى الوزن بنحو الماء هنا بخلافه ثم ، أما ما لا يعد ضابطا فيه لعظم خطره كفتات المسك والعنبر فيتعين وزنه لأن يسيره مالية كثيرة ، بخلاف اللآلئ الصغار لقلة تفاوتها فهي كالقمح والفول كما أجاب بذلك البلقيني عن كلام الرافعي في نقله كلام الإمام الذي حمل عليه إطلاق الأصحاب أن محل ما مر فيما يعد الكيل ضابطا في مثله وسكوته على ذلك ، ثم ذكر بعده جواز السلم في اللآلئ الصغار إذا عم وجودها كيلا ووزنا .

                                                                                                                            قال في الروضة : هذا مخالف لما تقدم عن الإمام فكأنه اختار هنا ما تقدم من إطلاق الأصحاب ، وحينئذ فالمعتمد تقييد الإمام ، وجزم به المصنف في تصحيح التنبيه وما علم وزنه بالاستفاضة كالنقد يكفي فيه العد عند العقد لا الاستيفاء ، بل لا بد [ ص: 196 ] من وزنه حينئذ لتحقق الإيفاء ، وقول الجرجاني : لا يسلم في النقدين إلا وزنا محمول على ما جهل وزنه ، بل لعل كلامه مفروض في إرادة منع السلم فيه كيلا ( ولو ) ( أسلم في مائة ) ثوب أو ( صاع حنطة ) مثلا ( على أن وزنها كذا ) ( لم يصح ) لعزة الوجود ، بخلاف الخشب فإن زائده ينحت كما نقلاه عن الشيخ أبي حامد وأقراه لا يقال : الصاع اسم للوزن فلو قال مائة صاع كيلا لاستقام الكلام : لأنا نقول : الأصل في الصاع الكيل كما دل عليه كلامهم في زكاة الفطر ، وإنما قدروه بالوزن لأنه الذي يضبطه ضبطا عاما ( ويشترط الوزن في البطيخ ) بكسر الباء ( والباذنجان ) بفتح المعجمة وكسرها ( والقثاء ) بالمثلثة والمد ( والسفرجل ) بفتح الجيم ( والرمان ) ( ونحوها ) من كل ما لا يضبطه الكيل لتجافيه في المكيال كالرانج وقصب السكر والبقول ، ولا يكفي فيها عد لكثرة تفاوتها ولا عد مع وزن لكل واحدة لعزة وجوده ومن ثم امتنع في نحو بطيخة أو سفرجلة أو بيضة واحدة لاحتياجه إلى ذكر حجمها مع وزنها وذلك يعز وجوده .

                                                                                                                            نعم لو أراد الوزن التقريبي فالأوجه الصحة حينئذ في الصورتين [ ص: 197 ] لانتفاء عزة الوجود إذ ذاك ، وكذا يقال فيما لو جمع في ثوب بين ذرعه ووزنه ، وقول السبكي لو أسلم في عدد من البطيخ مثلا كمائة بالوزن في الجميع دون كل واحدة جاز اتفاقا ممنوع كما أفاده الوالد رحمه الله تعالى لأنه يشترط ذكر حجم كل واحدة فيؤدي إلى عزة الوجود .

                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                            حاشية الشبراملسي

                                                                                                                            ( قوله : معلوم القدر ) أي للعاقدين ولو إجمالا كمعرفة الأعمى الأوصاف بالسماع والعدلين ، ولا بد من معرفتهما الصفات بالتعيين لأن الغرض منهما الرجوع إليهما عند التنازع ، ولا تحصل تلك الفائدة إلا بمعرفتهما تفصيلا ، كذا قاله في القوت ، وهو حسن متعين ، وأطلق جواز السلم في البقول وزنا كما سبق ، وجعلها الماوردي ثلاثة أقسام : قسم يقصد منه شيئا كالخس والفجل يقصد لبه وورقه فالسلم فيه باطل لاختلافه ، وقسم كله مقصود كالهندبا فيجوز وزنا ، وقسم يتصل به ما ليس بمقصود كالجزر والسلجم وهو اللفت فلا يجوز إلا بعد قطع ورقه ا هـ .

                                                                                                                            وكان المراد فلا يجوز إلا بشرط قطع ورقه ، ولقائل أن يقول في القسم الأول ينبغي [ ص: 195 ] الجواز بعد قطع ورقه أو رءوسه لزوال الاختلاف فليتأمل ا هـ سم على حج .

                                                                                                                            وقوله : ولقائل إلخ يفيد أنه حمل كلام الماوردي على رءوس الخس والفجل لا على بزرهما ، لكن سيأتي في الشارح بعد قول المصنف وسائر الحبوب كالتمر التصريح بجوازه في الفجل ونحوه وزنا ، وظاهره ولو كان بورقه ، وقياس ما ذكره في القسم الثاني من البقول صحة السلم في الورد والياسمين وسائر الأزهار وزنا لانضباطها ومعرفة صفاتها عند أهلها ( قوله : كجوز وما جرمه إلخ ) وفي الربا جعلوا ما يعد الكيل فيه ضابطا ما كان قدر التمر فأقل فانظر الفرق بينهما ، وقد يقال : لما كان الغالب على الربا التعبد احتيط له ، فقدر ما لم يعهد كيله في زمنه صلى الله عليه وسلم بالتمر لكونه كان مكيلا في زمنه عليه الصلاة والسلام على ما مر بخلاف السلم ( قوله : بنحو الماء ) أي حيث علم مقدار ما يفرض فيه من الظروف المشتملة على قدر معلوم من الوزن فيجوز القبض به هنا ، ومن نحو الماء الأدهان المائعة كالزيت ( قوله : كفتات ) بضم الفاء كما في المصباح ( قوله : ثم ذكر ) أي الرافعي ( قوله : فالمعتمد تقييد الإمام ) أي المذكور في قوله أن محل [ ص: 196 ] ما مر فيما يعد الكيل ضابطا في مثله ( قوله : من وزنه حينئذ ) أي وقت الاستيفاء ( قوله : منع السلم فيه ) أي فيما ذكر وهو النقدان فهو حصر إضافي قصد به الاحتراز عن الكيل لا تعين الوزن ( قوله : أو صاع حنطة ) أي مثلا ( قوله : بكسر الباء ) أي وبفتحها أيضا ( قوله : والباذنجان ) .

                                                                                                                            [ تنبيه ] في اشتراط قطع أقماع الباذنجان احتمالان للماوردي ، رجح الزركشي منهما المنع قال : لأنه العرف في بيعه ، لكن يشهد للاشتراط قول الإمام : إذا أسلم في قصب السكر لا يقبل أعلاه الذي لا حلاوة فيه ويقطع مجامع عروقه من أسفله ويطرح ما عليه من القشور : أي الورق ا هـ .

                                                                                                                            وعلى الأول يفرق بأن التفاوت فيما ذكر في القصب أعلى منه في الأقماع فسومح هنا لا ثم ا هـ حج : وقال سم : ليس فيه تصريح اشتراط القطع ا هـ أقول : بل قد يقتضي عدم اشتراط القطع فإن قوله لا يقبل ظاهر في أن العقد صح بدون اشتراط ، ولكن إذا أحضره المسلم إليه بالورق لا يجب على المسلم القبول ( قوله : بالمثلثة والمد ) أي وبكسر القاف وضمها ، قال في المصباح : القثاء فعال وكسر القاف أكثر من ضمها ، وهو اسم جنس لما يقول له الناس الخيار والعجوز والفقوس ، الواحدة قثاءة ، ثم قال : وبعض الناس يطلق القثاء على نوع يشبه الخيار وهو مطابق لقول الفقهاء لو حلف لا يأكل الفاكهة حنث بالقثاءة والخيار ، ويقال هو الخيار وهو يقتضي أن يكون نوعا غيره فإن صح فتفسير القثاء بالخيار تسامح ا هـ ( قوله : والرمان ) والليمون والنارنج ونحوها من سائر الفواكه وزنا فما زاد على قدر الجوز وكيلا أو وزنا في غيره ( قوله : كالرانج ) اسم لجوزة الهند ( قوله : لكل واحدة ) أي ولا للجملة كما اعتمده شيخنا الشهاب الرملي ، وحينئذ فالبطيخة الواحدة والعدد من البطيخ كل منهما لا يصح السلم فيه ، فلو أتلف إنسان عددا من البطيخ فهل يضمن قيمته لأنه غير مثلي لأنه لا يصح السلم فيه أو يضمن وزنه بطيخا لأنه مع النظر لمجرد الوزن يصح السلم فيه وامتناعه فيه إنما جاء من جهة ذكر عدد من وزنه ؟ فيه نظر ، والمتجه ما تحرر من المباحثة مع مر أن العدد من البطيخ مثلي لأنه يصح السلم فيه فيضمن بمثله إذا تلف ، وإنما يعرض له امتناع السلم فيه إذا جمع فيه بين العدد والوزن الغير التقريبي وأن البطيخة الواحدة متقومة فتضمن بالقيمة لأن الأصل منع السلم فيها وإن عرض جوازه فيها إذا أريد الوزن التقريبي ا هـ سم .

                                                                                                                            أقول : والحاصل أنه إن تقدر بالوزن وقد أسلم في جملة من البطيخ صح ويحمل على الوزن التحديدي ، لكن قوله إذا جمع فيه بين العدد يخالفه قول الشارح فالأوجه الصحة حينئذ في إلخ ، وإنه لا يصح السلم في البطيخة الواحدة مطلقا ما لم يذكر الوزن ويريد التقريبي ، فلعله سقط من عبارة سم لفظ " الغير " بعد قوله بين العدد والوزن بقرينة قوله بعد وإن عرض جوازه فيها إذا أريد الوزن التقريبي وعلى ثبوتها فيكون الحاصل أنه إذا قيد الوزن بالتقريبي أو أطلقه وقلنا يحمل عليه صح وإلا فلا ( قوله : في الصورتين ) هما [ ص: 197 ] ذكر الوزن والعد لكل واحدة أو السلم في الواحدة مع ذكر وزنها فالطريق لصحته أن يقول في قنطار مثلا من البطيخ تقريبا حجم كل واحدة كذا ( قوله : فيؤدي إلى عزة الوجود ) أي فلا يصح فيه السلم ما لم يرد الوزن التقريبي على ما مر .



                                                                                                                            حاشية المغربي

                                                                                                                            . [ ص: 195 ] قوله : أما ما لا يعد ضابطا فيه لعظم خطره كفتات المسك والعنبر إلخ ) من هذا يعلم صحة السلم في النورة المتفتتة كيلا ووزنا ; لأنها بفرض أنها موزونة فالموزون يصح السلم فيه كيلا إذا عد الكيل ضابطا فيه بأن لا يعظم خطره ; إذ لم يخرجوا من هذا الضابط إلا ما عظم خطره كفتات المسك والعنبر على ما فيه ، وظاهر عدم صحة قياس النورة على مثل المسك والعنبر ، على أن صاحب العباب صرح بصحة السلم فيها كيلا ووزنا فتنبه له فإنه قد اشتهر في نواحينا في هذه الأزمنة عدم صحة السلم فيها كيلا تمسكا بما في بعض العبارات من التقييد بالوزن ، وقد علمت أنه لا ينفي الصحة بالكيل بالقيد المار على أن تلك العبارات مفروضة في النورة المجلوبة أحجارا قبل طبخها وتفتتها كما أوضحت ذلك أتم إيضاح في مؤلف وضعته في ذلك . ( قوله : إطلاق الأصحاب ) أي أنه يصح في المكيل وزنا وعكسه المذكور في المتن ، وقوله : أن محل ما مر هذا هو كلام الإمام والأصحاب . ( قوله : وسكوته ) أي الرافعي وهو معطوف على نقله وقوله : فكأنه أي الرافعي والحاصل أن الإمام حمل إطلاق الأصحاب جواز كيل الموزون على ما يعد الكيل في مثله ضابطا ، بخلاف فتات المسك والعنبر ; لأن القدر اليسير فيه مالية كثيرة والكيل لا يعد ضابطا فيه ، فنقله الرافعي عنه ساكتا عليه ، ثم ذكر بعد ذلك : أعني الرافعي أنه يجوز السلم في اللآلئ الصغار إذا عم وجودها كيلا ووزنا ، فتعقبه في الروضة بأنه مخالف لما قدمه عن الإمام قال : فكأنه اختار ههنا ما تقدم من إطلاق الأصحاب ، وأجاب عنه البلقيني بأنه ليس مخالفا له ; لأن فتات المسك والعنبر ونحوهما إنما لم يعد فيهما ضابطا ; لكثرة التفاوت بالثقل على المحل وتركه وفي اللؤلؤ لا يحصل بذلك تفاوت كالقمح والفول




                                                                                                                            الخدمات العلمية