الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
قوله ( ولا يصح وقف ما لا يجوز بيعه ، كأم الولد والكلب ) أما أم الولد : فالصحيح من المذهب ، وعليه الأصحاب : أنه لا يصح وقفها قطع به في المغني ، والشرح ، وشرح الحارثي ، والفروع وغيرهم . وقيل : يصح . قاله في الفائق . وأطلقهما في الرعاية الصغرى ، والحاوي الصغير . قلت : فلعل مراد القائل بذلك : إذا قيل بجواز بيعها . أو أنه يصح ما دام سيدها حيا . وعلى قول يأتي . ثم وجدت صاحب الرعاية الكبرى قال : وفي أم الولد وجهان . قلت : إن صح بيعها صح وقفها . وإلا فلا . انتهى . لكن ينبغي على هذا أن يصح وقفها قولا واحدا . وعند الشيخ تقي الدين رحمه الله : لا يصح وقف منافع أم الولد في حياته . فائدتان .

إحداها : قال الحارثي : المكاتب إن قيل بمنع بيعه فكأم الولد . وإن قيل بالجواز كما هو المذهب فمقتضى ذلك : صحة وقفه . ولكن إذا أدى : هل يبطل الوقف ؟ يحتاج إلى نظر . انتهى .

الثانية : حكم وقف المدبر حكم بيعه . على ما يأتي في بابه . ذكره في الرعايتين ، والزركشي وغيرهم . [ ص: 10 ] وأما " الكلب " فالصحيح من المذهب : أنه لا يصح وقفه . وعليه الأصحاب . لأنه لا يصح بيعه .

وقال الحارثي في شرحه : وقد تخرج الصحة من جواز إعارة الكلب المعلم كما خرج جواز الإجارة . لحصول نقل المنفعة ، والمنفعة مستحقة بغير إشكال . فجاز أن تنقل .

قال : والصحيح اختصاص النهي عن البيع بما عدا كلب الصيد . بدليل رواية حماد بن سلمة عن ابن الزبير ، وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال { نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ثمن الكلب ، والسنور ، إلا كلب الصيد } والإسناد جيد . فيصح وقف المعلم . لأن بيعه جائز .

وفي معناه جوارح الطير ، وسباع البهائم الصيادة يصح وقفها ويجوز بيعها ، بخلاف غير الصيادة .

ومر في المذهب رواية بامتناع بيعها أعني الصيادة فيمتنع وقفها ، والأول : أصح . انتهى . قال الشيخ تقي الدين رحمه الله : يصح وقف الكلب المعلم ، والجوارح المعلمة ، وما لا يقدر على تسليمه .

قوله ( ولا ما لا ينتفع به مع بقائه دائما ، كالأثمان ) .

إذا وقف الأثمان . فلا يخلو : إما أن يقفها للتحلي والوزن ، أو غير ذلك .

فإن وقفها للتحلي والوزن ، فالصحيح من المذهب : أنه لا يصح . ونقله الجماعة عن الإمام أحمد رحمه الله . وهو ظاهر ما قدمه في المغني ، والشرح . قال الحارثي : وعدم الصحة أصح . وقيل : يصح . قياسا على الإجارة .

قال في التلخيص : إن وقفها للزينة بها . فقياس قولنا في الإجارة : إنه يصح . فعلى هذا : إن وقفها وأطلق : بطل الوقف . على الصحيح . [ ص: 11 ] وقيل : يصح ، ويحمل عليهما . وإن وقفها لغير ذلك : لم يصح . على الصحيح من المذهب . وقال في الفائق وعنه : يصح وقف الدراهم . فينتفع بها في القرض ونحوه . اختاره شيخنا . يعني به الشيخ تقي الدين رحمه الله .

وقال في الاختيارات : ولو وقف الدراهم على المحتاجين : لم يكن جواز هذا بعيدا . فائدتان .

إحداهما : لو وقف قنديل ذهب ، أو فضة على مسجد : لم يصح . وهو باق على ملك ربه فيزكيه . على الصحيح من المذهب . وقيل : يصح . فيكسر ويصرف في مصالحه . اختاره المصنف . قلت : وهذا هو الصواب .

وقال الشيخ تقي الدين رحمه الله : لو وقف قنديل نقد للنبي صلى الله عليه وسلم : صرف لجيرانه صلى الله عليه وسلم قيمته .

وقال في موضع آخر : النذر للقبور هو للمصالح ، ما لم يعلم ربه ، وفي الكفارة الخلاف . وإن من الحسن صرفه في نظيره من المشروع .

التالي السابق


الخدمات العلمية