الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
. ( فإن أتى بطوافين ) متواليين ( ثم سعيين لهما جاز وأساء ) ولا دم عليه ( وذبح للقران ) وهو دم شكر فيأكل منه [ ص: 533 ]

( بعد رمي يوم النحر ) لوجوب الترتيب ( وإن عجز صام ثلاثة أيام ) ولو متفرقة ( آخرها يوم عرفة ) ندبا رجاء القدرة على الأصل ، فبعده لا يجزيه ; فقول المنح كالبحر بيان للأفضل فيه كلام ( وسبعة بعد ) تمام أيام ( حجه ) فرضا أو واجبا ، وهو بمعنى أيام التشريق ( أين شاء ) لكن أيام التشريق لا تجزيه - { وسبعة إذا رجعتم } - أي فرغتم من أفعال الحج ، فعم من وطنه منى أو اتخذها موطنا [ ص: 534 ] ( فإن فاتت الثلاثة تعين الدم ) فلو لم يقدر تحلل وعليه دمان ، ولو قدر عليه في أيام النحر قبل الحلق بطل صومه

التالي السابق


( قوله جاز ) أطلقه فشمل ما إذا نوى أول الطوافين للعمرة والثاني للحج أي للقدوم ، أو نوى على العكس ، أو نوى مطلق الطواف ولم يعين ، أو نوى طوافا آخر تطوعا أو غيره فيكون الأول للعمرة والثاني للقدوم كما في اللباب ( قوله وأساء ) أي بتأخير سعي العمرة وتقديم طواف التحية عليه هداية ( قوله ولا دم عليه ) أما عندهما فظاهر لأن التقديم والتأخير في المناسك لا يوجب الدم عندهما وعنده طواف التحية سنة ، وتركه لا يوجب الدم فتقديمه أولى ، والسعي بتأخيره بالاشتغال بعمل آخر لا يوجب الدم فكذا بالاشتغال بالطواف هداية ( قوله وذبح ) أي شاة أو بدنة أو سبعها ، ولا بد من إرادة الكل للقربة وإن اختلفت جهتها ، حتى لو أراد أحدهم اللحم لم يجز كما سيأتي في الأضحية ; والجزور أفضل من البقر ، والبقر أفضل من الشاة كذا في الخانية وغيرها نهر . زاد في البحر : والاشتراك في البقر أفضل من الشاة . ا هـ . وقيده في الشرنبلالية تبعا للوهبانية بما إذا كانت حصته من البقرة أكثر من قيمة الشاة . ا هـ . وأفاد إطلاقهم الاشتراك هنا جوازه في دم الجناية والشكر بلا فرق ، خلافا لما في البحر حيث خصه بالثاني كما يأتي بيانه في أول الجنايات .

قال في اللباب : وشرائط وجوب الذبح : القدرة عليه ، وصحة القران ، والعقل ، والبلوغ ، والحرية ; فيجب على المملوك الصوم لا الهدي ، ويختص بالمكان وهو الحرم والزمان وهو أيام للنحر ( قوله وهو دم شكر ) أي لما وفقه الله تعالى للجمع بين النسكين في أشهر الحج بسفر واحد لباب ( قوله فيأكل منه ) أي بخلاف دم الجناية كما سيأتي ، ولا يجب التصدق بشيء منه ، ويستحب له أن يتصدق بالثلث ، ويطعم الثلث ، ويدخر الثلث ، [ ص: 533 ] ويهدي الثلث لباب . قال شارحه : والأخير بدل الثاني وإن كان ظاهر البدائع أنه بدل الثالث ( قوله بعد رمي يوم النحر ) أي بعد رمي جمرة العقبة وقبل الحلق لما مر . وعبارة اللباب : ويجب أن يكون بين الرمي والحلق ( قوله لوجوب الترتيب ) أي ترتيب الثلاثة : الرمي ، ثم الذبح ، ثم الحلق على ترتيب حروف قولك رذح ، أما الطواف فلا يجب ترتيبه على شيء منها ، والمفرد لا دم عليه فيجب عليه الترتيب بين الرمي والحلق كما قدمنا ذلك في واجبات الحج ( قوله وإن عجز ) أي بأن لم يكن في ملكه فضل عن كفاف قدر ما يشتري به الدم ، ولا هو : أي الدم في ملكه لباب ، ومنه يعلم حد الغني المعتبر هنا ، وفيه أقوال أخر ، ويعلم من كلام الظهيرية أن المعتبر في اليسار والإعسار مكة لأنها مكان الدم كما نقله بعضهم عن المنسك الكبير للسندي ( قوله ولو متفرقة ) أشار إلى عدم لزوم التتابع ومثله في السبعة ، وإلى أن التتابع أفضل فيهما كما في اللباب ( قوله آخرها يوم عرفة ) بأن يصوم السابع والثامن والتاسع .

قال في شرح اللباب : لكن إن كان يضعفه ذلك عن الخروج إلى عرفات والوقوف والدعوات فالمستحب تقديمه على هذه الأيام ، حتى قيل يكره الصوم فيها إن أضعفه عن القيام بحقها . قال في الفتح : وهي كراهة تنزيه إلا أن يسيء خلقه فيوقعه في محظور ( قوله ندبا رجاء القدرة على الأصل ) لأنه لو صام الثلاثة قبل السابع وتالييه احتمل قدرته على الأصل فيجب ذبحه ويلغو صومه ، فلذا ندب تأخير الصوم إليها ، وهذه الجملة سقطت من بعض النسخ ( قوله فبعده لا يجزيه ) أي لا يجزيه الصوم لو أخره عن يوم النحر ويتعين الأصل ، والأولى إسقاط هذا لأن المصنف ذكره بقوله فإن فاتت الثلاثة تعين الدم ( قوله فيه كلام ) تبع في ذلك صاحب النهر وفيه كلام لأن قول المصنف آخرها يوم عرفة دل على شيئين : الأول أنه لا يصومها قبل السابع وتالييه . والثاني أنه لا يؤخر الصوم عن يوم النحر ، الأول مندوب ، والثاني واجب .

ولما صرح المصنف بالثاني حيث قال فإن فاتت الثلاثة إلخ اقتصر في المنح تبعا للبحر على أن قوله آخرها يوم عرفة لبيان المندوب دون الواجب ، لكن قد يقال : إن قوله فإن فاتت إلخ بفاء التفريع يدل على أن المقصود من قوله آخرها يوم النحر بيان الواجب وهو عدم التأخير مع أنه الأهم ، وزاد الشارح التنبيه على المندوب فتأمل ( قوله بعد تمام أيام حجه ) الأولى إبدال الأيام بالأعمال كما فعل في البحر ليحسن قوله فرضا أو واجبا فإنه تعميم للأعمال من طواف الزيارة والرمي والذبح والحلق ، وليناسب ما حمل عليه الآية من الفراغ من الأعمال ( قوله وهو ) أي التمام المذكور بمعنى أيام التشريق لأن اليوم الثالث منها وقت للرمي لمن أقام فيه بمنى ( قوله أين شاء ) متعلق بصام : أي وصام سبعة في أي مكان شاء من مكة أو غيرها ( قوله لكن إلخ ) لا يحسن هذا الاستدراك بعد قوله وهو بمضي أيام التشريق ح ولعل وجهه دفع ما يتوهم من أن قوله وهو إلخ ليس شرطا للصحة بل شرط لنفي الكراهة كما في المنذور ونحوه : فإنه لو صامه فيها صح مع الكراهة تأمل ( قوله لقوله تعالى إلخ ) علة لقوله أين شاء بقرينة التفريع ، ويجوز جعله علة للاستدراك لأنه تعالى جعل وقت الصوم بعد الفراغ ولا فراغ إلا بمضي أيام التشريق ، وهذا كله بناء على تفسير علمائنا الرجوع بالفراغ عن الأفعال لأنه سبب الرجوع فذكر المسبب وأريد السبب مجازا ، فليس المراد حقيقة الرجوع إلى وطنه كما قال الشافعي ، فلم يجز صومها بمكة ، وإنما حملناه على [ ص: 534 ] المجاز لفرع مجمع عليه ، وهو أنه لو لم يكن له وطن أصلا وجب عليه صومها بهذا النص ، وتمامه في الفتح وحاصله أن تفسير الشافعي لا يطرد فتعين المجاز .

وادعى ابن كمال في شرح الهداية أن الأقرب الحمل على معنى حقيقي ، وهو الرجوع من منى بالفراغ عن أفعال الحج لتقدم ذكر الحج . واعترضه في النهر بأنه لا يطرد أيضا إذ الحكم يعم المقيم بمنى أيضا ، ولا رجوع منه إلا بالفراغ ، فما قاله المشايخ أولى ا هـ وإلى هذا أشار الشارح بقوله فعم من وطنه منى إلخ .

قلت : لكن قال في الفتح إن صوم السبعة لا يجوز تقديمه على الرجوع من منى بعد إتمام الأعمال الواجبات لأنه معلق في الآية بالرجوع ، والمعلق بالشرط عدم قبل وجوده ا هـ فليتأمل ( قوله فإن فاتت الثلاثة ) بأن لم يصمها حتى دخل يوم النحر تعين الدم لأن الصوم بدل عنه ، والنص خصه بوقت الحج بحر ( قوله فلو لم يقدر ) أي على الدم تحلل : أي بالحلق أو التقصير ( قوله وعليه دمان ) أي دم التمتع ودم التحلل قبل أوانه بحر عن الهداية ، وتمامه فيه وفيما علقناه عليه ( قوله ولو قدر عليه ) أي على الدم ، وقوله بطل صومه : أي حكم صومه وهو خلفيته عن الهدي في إباحة التحلل بالحلق والتقصير في وقته فإن الهدي أصل في ذلك لعدم جواز التحلل قبله لوجوب الترتيب بينهما كما مر ، والصوم : أي الثلاثة فقط خلف عن الهدي في ذلك عند العجز عنه ، فصار المقصود بالصوم إباحة التحلل بالحلق أو التقصير ، فإذا قدر على الأصل قبل التحلل وجب الأصل لقدرته عليه قبل حصول المقصود بخلفه كما لو قدر المتيمم على الماء في الوقت قبل صلاته بالتيمم ، بخلاف ما لو قدر على الهدي بعد الحلق أو قبله لكن بعد أيام النحر .

وعن هذا قال في فتح القدير : فإن قدر على الهدي في خلال الثلاثة أو بعدها قبل يوم النحر لزمه الهدي وسقط الصوم لأنه خلف ، وإذا قدر على الأصل قبل تأدي الحكم بالخلف بطل الخلف ، وإن قدر عليه قبل الحلق قبل أن يصوم السبعة في أيام الذبح أو بعدها لم يلزمه الهدي لأن التحلل قد حصل بالحلق ، فوجود الأصل بعده لا ينقض الخلف كرؤية المتيمم الماء بعد الصلاة بالتيمم ، وكذا لو لم يجد حتى مضت أيام الذبح ثم وجد الهدي لأن الذبح مؤقت بأيام النحر ، فإذا مضت فقد حصل المقصود ، وهو إباحة التحلل بلا هدي وكأنه تحلل ثم وجده ، ولو صام في وقته مع وجود الهدي ينظر ، فإن بقي الهدي إلى يوم النحر لم يجزه للقدرة على الأصل ، وإن هلك قبل الذبح جاز للعجز عن الأصل فكان المعتبر وقت التحلل ا هـ ونحوه في شرح الجامع لقاضي خان والمحيط والزيلعي والبحر وغيرها من كتب المذهب المعتبرة وللشرنبلالي رسالة سماها بديعة الهدي لما استيسر من الهدي خالف فيها ما في هذه الكتب ، وادعى وجوب الهدي بوجوده في أيام النحر سواء حلق أو لا متمسكا بقولهم العبرة لأيام النحر في العجز والقدرة ، وترك اشتراطهم بعد ذلك عدم الحلق لإقامة الصوم مقام الهدي ، وادعى أيضا أن كلام الفتح وغيره يدل على أنه يتحلل بالهدي أصلا وبالحلق خلفا ، وأن الحلق خلف عن الهدي . ولا يخفى عليك أنه ليس في كلام الفتح ذلك ، وأن اتباع المنقول واجب فلا يعول على هذه الرسالة ، وقد كتبت على هامشها في عدة [ ص: 535 ] مواضع بيان ما فيها من الخلل ، والله تعالى أعلم .




الخدمات العلمية