الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
[ ص: 583 ] ( و ) يجب ( على من دخل مكة بلا إحرام ) لكل مرة ( حجة أو عمرة ) فلو عاد فأحرم بنسك أجزأه عن آخر دخوله ، وتمامه في الفتح ( وصح منه ) أي أجزأه عما لزمه بالدخول ( لو أحرم عما عليه ) من حجة الإسلام أو نذر أو عمرة منذورة لكن ( في عامه ذلك ) لتداركه المتروك في وقته ( لا بعده ) [ ص: 584 ] لصيرورته دينا بتحويل السنة ( جاوز الميقات ) بلا إحرام ( فأحرم بعمرة ثم أفسدها مضى وقضى ولا دم عليه ) لترك الوقت لجبره بالإحرام منه في القضاء

التالي السابق


( قوله ويجب على من دخل مكة ) أي والحرم سواء قصد التجارة أو النسك أم غيرهما كما تفيده عبارة البدائع السابقة وتقدم التصريح به شرحا ومتنا قبيل فصل الإحرام ، وصرح به في اللباب أيضا ( قوله فلو عاد ) أي إلى الميقات كما قيد به في الهداية ، لكن في البدائع أنه إذا أقام بمكة حتى تحولت السنة يجزئه ميقات أهل مكة وهو الحرم للحج والحل للعمرة لأنه لما أقام بمكة صار في حكم أهلها . ا هـ . والتعليل يفيد أن تحول السنة غير قيد كذا في الفتح ، ثم التقييد بالخروج إلى الميقات لأجل سقوط الدم لا للإجزاء لأن الواجب عليه بدخول مكة بلا إحرام أمران : الدم والنسك وبه يحصل التوفيق كما أفاده في الشرنبلالية ( قوله عن آخر دخوله ) أي وعليه قضاء ما بقي لباب ( قوله وتمامه في الفتح ) حيث علل ذلك بأن الواجب قبل الأخير صار دينا في ذمته فلا يسقط إلا بالتعيين بالنية . ا هـ . ح ( قوله وصح منه إلخ ) أي إذا دخل مكة بلا إحرام ولزمه بذلك حجة أو عمرة فخرج إلى الميقات وأحرم بحجة أو عمرة واجبة عليه بسبب آخر فإنه يجزئه ذلك عما لزمه بالدخول وإن لم ينوه إذا كان ذلك في عام الدخول لا بعده ( قوله من حجة الإسلام إلخ ) احترز به عما لو أحرم عما عليه بسبب الدخول ، فإنه قدمه في قوله فإن عاد إلخ .

والظاهر أنه لو عاد إلى الميقات ونوى نسكا نفلا يقع واجبا عما عليه بالدخول ، ولا يكون نفلا لأنه بعد تقرر الوجوب عليه ، بخلاف ما إذا نواه نفلا قبل مجاوزة الميقات فإنه يقع نفلا لعدم وجوب شيء عليه بعد لحصول المقصود من تعظيم البقعة بالإحرام كما حققناه أول الحج فافهم ( قوله في عامه ذلك إلخ ) أي عام الدخول قال في الهداية لأنه تلافى [ ص: 584 ] المتروك في وقته لأن الواجب عليه تعظيم هذه البقعة بالإحرام إذا أتاه : أي الميقات محرما بحجة الإسلام في الابتداء ، بخلاف ما إذا تحولت السنة لأنه صار دينا في ذمته فلا يتأدى إلا بإحرام مقصود كما في الاعتكاف المنذور ، فإنه يتأدى بصوم رمضان في هذه السنة دون العام الثاني . ا هـ .

قال في الفتح : ولقائل أن يقول : لا فرق بين سنة المجاوزة وسنة أخرى ، ففي أي وقت فعل ذلك يقع أداء إذ الدليل لم يوجب ذلك في سنة معينة ليصير بفواتها دينا يقضى ، فمهما أحرم من الميقات بنسك عليه تأدى هذا الواجب في ضمنه ، وعلى هذا إذا تكرر الدخول بلا إحرام منه ينبغي أن لا يحتاج إلى التعيين كمن عليه يومان من رمضان فنوى مجرد قضاء ما عليه ولم يعين ، وكذا لو كانا من رمضانين على الأصح ، وكذا نقول إذا رجع مرارا فأحرم كل مرة بنسك حتى أتى على عدد دخلاته خرج عن عهدة ما عليه . ا هـ .

وأقره في البحر ( قوله لصيرورته ) أي المتروك دينا ، وعلمت ما فيه من بحث الفتح . وأورد عليه أيضا أنه ينبغي أن تسقط العمرة الواجبة بدخول مكة غير محرم بالعمرة المنذورة في السنة الثانية كالمنذورة في الأولى لأن العمرة لا تصير دينا لعدم توقتها بوقت معين ، بخلاف الحج . وأجاب في غاية البيان بأن تأخير العمرة إلى أيام النحر والتشريق مكروه ، فإذا أخرها إليها صار كالمفوت لها فصارت دينا ا هـ وأقره في البحر . ولا يخفى ما فيه ، فإن المكروه فعلها في تلك الأيام لا بعدها تأمل ( قوله فأحرم بعمرة ) يعلم منه ما إذا أحرم بحجة بالأولى نهر فافهم ( قوله لترك الوقت ) مصدر مضاف إلى مكانه أي لترك إحرامه في الميقات ( قوله لجبره بالإحرام منه في القضاء ) علة لقوله ولا دم عليه إلخ وضمير منه للوقت أشار به إلى أنه لا بد في سقوط الدم من إحرامه في القضاء من الميقات كما صرح به في البحر ، فلو أحرم من الميقات المكي لم يسقط الدم وهو مستفاد أيضا مما قدمناه عن الشرنبلالية .




الخدمات العلمية