الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
( ترك السلطان ) أو نائبه ( الخراج لرب الأرض ) أو وهبه له ولو بشفاعة ( جاز ) عند الثاني وحل له لو مصرفا وإلا تصدق به به يفتى ، وما في الحاوي من ترجيح حله لغير المصرف خلاف المشهور ( ولو ترك العشر لا ) يجوز إجماعا ويخرجه بنفسه للفقراء سراج ، خلافا لما في قاعدة تصرف الإمام منوط بالمصلحة من الأشباه معزيا للبزازية فتنبه وفي النهر يعلم من قول الثاني حكم الإقطاعات من أراضي بيت المال إذ حاصلها : أن الرقبة لبيت المال - [ ص: 194 ] والخراج له وحينئذ فلا يصح بيعه ولا هبته ، ولا وقفه . نعم له إجارته تخريجا على إجارة المستأجر ، ومن الحوادث ، لو أقطعها السلطان له ولأولاده ونسله وعقبه ، على أن من مات منهم انتقل نصيبه إلى أخيه ثم مات السلطان ، وانتقل من أقطع له في زمن سلطان آخر ، هل يكون لأولاده ؟ لم أره ومقتضى قواعدهم إلغاء التعليق [ ص: 195 ] بموت المعلق فتدبره ، ولو أقطعه السلطان أرضا مواتا أو ملكها السلطان ، ثم أقطعها له جاز وقفه لها والأرصاد من السلطان ليس بإيقاف ألبتة وفي الأشباه قبيل القول في الدين أفتى العلامة قاسم بصحة إجارة المقطع وأن للإمام أن يخرجه متى شاء ، وقيده ابن نجيم بغير الموات ، أما الموات فليس للإمام إخراجه عنه لأنه تملكه بالإحياء فليحفظ

التالي السابق


( قوله أو وهبه له ) بأن أخذه منه ثم أعطاه إياه ( قوله عند الثاني ) أي عند أبي يوسف وقال محمد : لا يجوز بحر ولم يظهر لي وجه قول محمد إن كان مراده أنه لا يجوز ولو كان مصرفا للخراج ( قوله وحل له لو مصرفا ) أعاده لأن قوله : جاز أي جاز ما فعله السلطان بمعنى أنه لا يضمن ، ولا يلزم من ذلك حله لرب الأرض ، وفي القنية ويعذر في صرفه إلى نفسه إن كان مصرفا كالمفتي ، والمجاهد والمعلم والمتعلم والذاكر والواعظ عن علم ، ولا يجوز لغيرهم ، وكذا إذا ترك عمال السلطان الخراج لأحد بدون علمه . ا هـ . ( قوله خلاف المشهور ) أي مخالف لما نقله العامة عن أبي يوسف نهر ( قوله لا يجوز إجماعا ) لعل وجهه أن العشر مصرفه مصرف الزكاة لأنه زكاة الخارج ، ولا يكون الإنسان مصرفا لزكاة نفسه بخلاف الخراج ، فإنه ليس زكاة ولذا يوضع على أرض الكافر هذا ما ظهر لي تأمل ( قوله معزيا للبزازية ) وذلك حيث قال : وفي البزازية السلطان إذا ترك العشر لمن هو عليه جاز ، غنيا كان أو فقيرا ، لكن إن كان المتروك له فقيرا فلا ضمان على السلطان ، وإن كان غنيا ضمن السلطان العشر للفقراء من بيت مال الخراج لبيت مال الصدقة . ا هـ . قلت : وينبغي حمله على ما إذا كان الغني من مستحقي الخراج ، وإلا فينبغي أن يضمن السلطان ذلك من ماله تأمل وقدمنا في باب العشر عن الذخيرة مثل ما في البزازية وقال في الدر المنتقى : ثم رأيت في البرجندي في بيان مصرف الجزية ، وكذا لو جعل العشور للمقاتلة جاز لأنه مال حصل بقوتهم ا هـ فليحفظ وليكن التوفيق ا هـ : أي بحمل القول بالمنع على غير المقاتلة والقول بالجواز عليهم . قلت : لكن قوله لو جعل العشور للمقاتلة ليس صريحا في جعل عشور أراضيهم تأمل ( قوله وفي النهر ) من هنا إلى قوله وفي الأشباه من كلام النهر ( قوله يعلم من قول الثاني ) أي بجواز ترك الخراج وهبته لمن هو مصرف له . مطلب في أحكام الإقطاع من بيت المال

( قوله حكم الإقطاعات إلخ ) قال أبو يوسف رحمه الله تعالى في كتاب الخراج ، وللإمام أن يقطع كل موات وكل ما ليس فيه ملك لأحد ، ويعمل بما يرى أنه خير للمسلمين ، وأعم نفعا وقال أيضا : وكل أرض ليست لأحد ، ولا عليها أثر عمارة فأقطعها رجلا فعمرها ، فإن كانت في أرض الخراج أدى عنها الخراج وإن كانت عشرية ففيها العشر ، وقال في ذكر القطائع إن عمر اصطفى أموال كسرى ، وأهل كسرى ، وكل من فر عن أرضه أو قتل في المعركة وكل مفيض ماء أو أجمة فكان عمر يقطع من هذا لمن أقطع ، قال أبو يوسف : وذلك بمنزلة بيت المال الذي لم يكن لأحد ، ولا في يد وارث فللإمام العادل أن يجيز منه ويعطي من كان له عناء في الإسلام ، ويضع ذلك موضعه ، ولا يحابي به فكذلك هذه الأرض ، فهذا سبيل القطائع عندي في أرض العراق ، وإنما صارت القطائع يؤخذ منها العشر لأنها بمنزلة الصدقة . ا هـ . قلت : وهذا صريح في أن القطائع قد تكون من الموات ، وقد تكون من بيت المال لمن هو من مصارفه ، وأنه يملك رقبة الأرض ، ولذا قال يؤخذ منها العشر ، لأنها بمنزلة الصدقة ، ويدل له قوله أيضا : وكل من أقطعه [ ص: 194 ] الولاة المهديون أرضا من أرض السواد وأرض العرب والجبال من الأصناف التي ذكرنا أن للإمام أن يقطع منها ، فلا يحل لمن يأتي بعدهم من الخلفاء أن يرد ذلك ، ولا يخرجه من يد من هو في يده وارث أو مشتر ، ثم قال : والأرض عندي بمنزلة المال فللإمام أن يجيز من بيت المال من له عناء في الإسلام ، ومن يقوى به على العدو ويعمل في ذلك بالذي يرى أنه خير للمسلمين وأصلح لأمرهم وكذلك الأرضون يقطع الإمام منها من أحب من الأصناف . ا هـ .

فهذا يدل على أن للإمام أن يعطي الأرض من بيت المال ، على وجه التمليك لرقبتها كما يعطي المال ، حيث رأى المصلحة إذ لا فرق بين الأرض والمال في الدفع للمستحق فاغتنم هذه الفائدة ، فإني لم أر من صرح بها وإنما المشهور في الكتب أن الإقطاع تمليك الخراج مع بقاء رقبة الأرض لبيت المال ( قوله وحينئذ ) أي حين إذ كانت رقبتها ببيت المال وهذا ظاهر ، وأما إذا كانت رقبتها للمقطع له كما قلنا فلا شك في صحة بيعه وغيره . مطلب في إجارة الجندي ما أقطعه له الإمام

( قوله نعم له إجارته إلخ ) قال ابن نجيم في رسالته في الإقطاعات وصرح الشيخ قاسم في فتوى رفعت له بأن للجندي أن يؤجر ما أقطعه له الإمام ، ولا أثر لجواز إخراج الإمام له أثناء المدة كما لا أثر لجواز موت المؤجر في أثناء المدة ، ولا لكونه ملك منفعة لا في مقابلة مال لاتفاقهم على أن من صولح على خدمة عبد سنة ، كان للمصالح أن يؤجره إلى غير ذلك من النصوص الناطقة بإيجار ما ملكه من المنافع ، لا في مقابلة مال فهو نظير المستأجر لأنه ملك منفعة الإقطاع بمقابلة استعداده لما أعد له وإذا مات المؤجر أو أخرج الإمام الأرض عن المقطع تنفسخ الإجارة لانتقال الملك إلى غير المؤجر كما لو انتقل الملك في النظائر التي خرج عليها إجارة الإقطاع ، وهي إجارة المستأجر ، وإجارة العبد الذي صولح على خدمته مدة وإجارة الموقوف عليه الغلة وإجارة العبد المأذون وإجارة أم الولد . [ تنبيه ]

المراد بهذه الإجارة إجارة الأرض للزراعة ، لكن إذا كان للأرض زراع ، واضعون أيديهم عليها ولهم فيها حرث ، وكيس ونحوه مما يسمى كردارا ويؤدون ما عليها لا تصح إجارتها لغيرهم ، أما إذا لم يكن لها زراع مخصوصون ، بل يتواردها أناس بعد آخرين ويدفعون ما عليها من خراج المقاسمة ، فله أن يؤجرها لمن أراد لكن الواقع في زماننا المستأجر يستأجرها لأجل أخذ خراجها لا للزراعة ويسمى ذلك التزاما وهو غير صحيح كما أفتى به الخير الرملي في كتاب الوقف ، وكذا في كتاب الإجارة في عدة مواضع فراجعه ( قوله وانتقل من أقطع له في زمن سلطان آخر ) كذا في عبارة النهر والظاهر أن قوله : انتقل بمعنى مات ولو عبر به لكان أولى ( قوله هل يكون لأولاده ) أي هل تصير الأرض لأولاد المقطع له عملا بقول السلطان ، ولأولاده فإنه بمعنى إن مات عن أولاد فلأولاده من بعده فهو تعليق معنى . مطلب في بطلان التعليق بموت المعلق

( قوله ومقتضى قواعدهم إلخ ) حاصل الجواب : أنها لا تكون لأولاده لبطلان التعليق المذكور بموت السلطان المعلق . [ ص: 195 ] مطلب في صحة تعليق التقرير في الوظائف

قال في الأشباه من كتاب الوقف : يصح تعليق التقرير في الوظائف أخذا من تعليق القضاء ، والإمارة بجامع الولاية ، فلو مات المعلق بطل التقرير ، فإذا قال القاضي إن مات فلان أو شغرت وظيفة كذا فقد قررتك فيها صح وقد ذكره في أنفع الوسائل تفقها وهو فقه حسن . ا هـ . أقول : قدم الشارح في فصل كيفية القسمة في التنفيل أنه يعم كل قتال في تلك السنة ، ما لم يرجعوا وإن مات الوالي أو عزل ما لم يمنعه الثاني ، ومقتضى هذا أن التعليق لا يبطل لموت المعلق ، فإن قوله { من قتل قتيلا فله سلبه } فيه تعليق استحقاق السلب على القتل لكن قدمنا هناك عن شرح السير الكبير خلافه ، وهو أنه يبطل التنفيل بعزل الأمير وكذا بموته إذا نصب غيره من جهة الخليفة لا من جهة العسكر ( قوله ولو أقطعه السلطان أرضا مواتا ) أي من أراضي بيت المال حيث كان المقطع له من أهل الاستحقاق ، فيملك رقبتها كما قدمناه أو من غير بيت المال ، والمراد بإقطاعه أنه له بإحيائها على قول أبي حنيفة من اشتراط إذنه بصحة الإحياء ، وهذا لا يختص بكون المحيي مستحقا من بيت المال بل لو كان ذميا ملك ما أحياه ( قوله أو ملكها السلطان ) أي بإحياء أو شراء من وكيل بيت المال ( قوله ثم أقطعها له ) يعني وهبها له ( قوله جاز وقفه لها ) وكذا بيعه ونحوه لأنه ملكها حقيقة ( قوله والإرصاد إلخ ) الرصد الطريق ورصدته رصدا من باب قتل : قعدت له على الطريق ، وقعد فلان بالمرصد كجعفر وبالمرصاد بالكسر ، وبالمرتصد أيضا أي بطريق الارتقاب والانتظار ، وربك لك بالمرصاد : أي مراقبك ، فلا يخفى عليه شيء من فعالك ، ولا تفوته مصباح ومنه سمي إرصاد السلطان بعض القرى ، والمزارع من بيت المال على المساجد والمدارس ، ونحوها لمن يستحق من بيت المال كالقراء والأئمة والمؤذنين ونحوهم ، كأن ما أرصده قائم على طريق حاجاتهم يراقبها ، وإنما لم يكن وقفا حقيقة لعدم ملك السلطان له ، بل هو تعيين شيء من بيت المال على بعض مستحقيه فلا يجوز لمن بعده أن يغيره ويبدله كما قدمنا ذلك مبسوطا ( قوله بصحة إجارة المقطع ) تقدم آنفا وذكرنا عبارة العلامة قاسم والله سبحانه أعلم .




الخدمات العلمية