الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
( أو بالموت إذا علق به ) أي بموته كإذا مت [ ص: 345 ] فقد وقفت داري على كذا فالصحيح أنه كوصية تلزم من الثلث بالموت لا قبله . قلت : ولو لوارثه وإن ردوه لكنه يقسم كالثلثين فقول البزازية إنه إرث [ ص: 346 ] أي حكما فلا خلل في عبارته فاعتبروا الوارث بالنظر للغلة والوصية ، وإن ردوا بالنظر للغير وإن لم تنفذ لوارثه لأنها لم تتمحض له بل لغيره بعده فافهم

التالي السابق


( قوله : أو بالموت إلخ ) معطوف على قوله بقضاء ومقتضاه أنه يزول الملك به ، وهو ضعيف كما أشار إليه الشارح ، قال في الهداية : وهذا أي زوال الملك في حكم الحاكم صحيح ; لأنه قضاء في فصل مجتهد فيه ، أما في تعليقه بالموت فالصحيح أنه لا يزول ملكه إلا أنه تصدق بمنافعه مؤبدا فيصير بمنزلة الوصية بالمنافع مؤبدا فيلزمه ا هـ . [ ص: 345 ] والحاصل : أنه إذا علقه بموته فالصحيح أنه وصية لازمة لكن لم يخرج عن ملكه ، فلا يتصور التصريف فيه ببيع ونحوه بعد موته لما يلزم من إبطال الوصية ، وله أن يرجع قبل موته كسائر الوصايا ، وإنما يلزم بعد موته بحر ، ومثله في الفتح .

ومحصل هذا : أن المغلق بالموت لا يكون وقفا في الصحيح فلا يزول به الملك قبل الموت ، ولا بعده بل يكون وصية لازمة بعده حتى لا يجوز التصرف به لا قبله ، حتى جاز له الرجوع عنه ، وهذا معنى قول الشارح فالصحيح أنه كوصية إلخ فإنه قصد به تحويل كلام المصنف ، لأن كلامه فيما يزول به الملك لا فيما يلزم ، ولا ينافي هذا ما قدمناه من الاتفاق على التلازم بين اللزوم والخروج عن الملك ; لأن ذاك في الوقف ، وأما المعلق بالموت فليس وقفا كما علمت فلا يلزم من لزومه وصية أن يخرج عن الملك ( قوله فالصحيح أنه كوصية ) قد علمت أنه تحويل لكلام المصنف لا تفريع . قال في الفتح : وإنما كان هذا هو الصحيح لما يلزم على مقابله من جواز تعليق الوقف ، والوقف لا يقبل التعليق بالشرط ا هـ واعترضه الحموي بأنه تعليق بكائن وهو كالمنجز .

قلت : قدمنا أن المراد بالكائن المحقق وجوده للحال فافهم ( قوله : ولو لوارثه إلخ ) أي يلزم من الثلث ولو كان وقفا على وارثه وإن ردوه أي الورثة الموقوف عليهم أو وارث آخر .

مطلب في وقف المريض وفي البحر عن الظهيرية : امرأة وقفت منزلا في مرضها على بناتها ، ثم على أولادهن وأولاد أولادهن أبدا ما تناسلوا فإذا انقرضوا فللفقراء ثم ماتت في مرضها ، وخلفت بنتين وأختا لأب والأخت لا ترضى بما صنعت ، ولا مال لها سوى المنزل جاز الوقف في الثلث ولم يجز في الثلثين ، فيقسم الثلثان بين الورثة على قدر سهامهم ، ويوقف الثلث فما خرج من غلته قسم بين الورثة كلهم على قدر سهامهم ما عاشت البنتان ، فإذا ماتتا صرفت الغلة إلى أولادهما وأولاد أولادهما كما شرطت الواقفة لا حق للورثة في ذلك .

رجل وقف دارا له في مرضه على ثلاث بنات له ، وليس له وارث غيرهن قال الثلث من الدار وقف والثلثان مطلق يصنعن بهما ما شئن قال الفقيه أبو الليث : هذا إذا لم يجزن أما إذا أجزن صار الكل وقفا عليهن ا هـ وهذا عند أبي يوسف خلافا لمحمد إسعاف أي لأنه مشاع حيث وقفه على الثلاثة ولم يقسمه كما يفهم من كلام الإسعاف ( قوله : لكنه يقسم ) أي إذا ردوه يقسم الثلث الذي صار وقفا أي تقسم غلته كالثلثين فتصرف مصرف الثلثين عن الورثة كلهم ما دام الموقوف عليه حيا أما إذا مات تقسم غلة الثلث الموقوف على من يصير له الوقف كما علمت : وبقي ما لو مات بعض الموقوف عليهم ، فإنه ينتقل سهمه إلى ورثته ما بقي أحد من الموقوف عليه حيا كما في الإسعاف ( قوله : فقول البزازية ) عبارتها : أرضي هذه موقوفة على ابني فلان فإن مات فعلى ولدي وولد ولدي ونسلي ، ولم تجز الورثة فهي إرث بين كل الورثة ما دام الابن الموقوف عليه حيا فإذا مات صار كلها للنسل ا هـ [ ص: 346 ] قوله : أي حكما ) اعلم أن خبر المبتدإ ، وهو قول مدلول أي التفسيرية ، فكأنه قال مفسر بالإرث حكما ، وحكما تمييز عن الإرث المقدر . وحاصله : أن المراد أنه إرث من جهة الحكم أي من حيث إنه يقسم كالإرث على الفريضة الشرعية : ما دام الموقوف عليه حيا ، وإلا ففي الحقيقة الثلث وقف والباقي ملك ( قوله : فلا خلل في عبارته ) أي عبارة البزازي ، وهذا جواب عن قول البحر هي عبارة غير صحيحة لما مر عن الظهيرية أن الثلثين ملك والثلث وقف ، وأن غلة الثلث تقسم على الورثة ما دام الموقوف عليه حيا . ا هـ .

قلت : والظاهر أن الاعتراض على عبارة البزازي من وجهين : الأول ما مر من قوله : فهي إرث وجوابه ما علمت من أنها إرث حكما : أي حصة الوقف فقط . والثاني قوله : فإذا مات صار كلها للنسل ، فإنه غير صحيح أيضا لأن الذي يصير للنسل هو الثلث الموقوف ، أما الثلثان فهم ملك للورثة حيث لم يجبروا . والذي يظهر في الجواب عن الوجهين أن الضمير في قوله فهي إرث راجع إلى غلة الثلث الموقوف ، وكذا ضمير قوله صار كلها للنسل ، أو يقال مراده ما إذا كانت الأرض كلها تخرج من الثلث فإنها حينئذ تصير كلها وقفا وحيث لم يجيزوا تقسم غلتها كالإرث ثم بعد موت الابن تصير كلها للنسل يؤيد ما قلنا ما في البزازية أيضا : وقف أرضه في مرضه على بعض ورثته فإن أجاز الورثة فهو كما قالوا في الوصية لبعض ورثته ، وإلا فإن كانت تخرج من الثلث صارت الأرض وقفا وإلا فمقدار ما خرج من الثلث يصير وقفا تقسم جميع غلة الوقف ما جاز فيه الوقف ، وما لم يجز على فرائض الله تعالى ما دام الموقوف عليه أو أحدهم في الأحياء ، فإذا انقرضوا كلهم تصرف غلة الأرض إلى الفقراء إن لم يوص الواقف إلى واحد من ورثته ، ولو مات أحد من الموقوف عليهم من الورثة وبقي الآخرون فإن الميت في قسمة الغلة ما دام الموقوف عليهم أحياء كأنه حي ، فيقسم ثم يجعل سهمه ميراثا لورثته الذين لا حصة لهم من الوقف . ا هـ .

بقي لو وقفها في مرضه ثم مات عن زوجة ولم تجز ففي البحر : ينبغي أن يكون لها السدس والباقي وقف ، لما في وصايا البزازية لو مات عن زوجة وأوصى بكل ماله لرجل ، فإن أجازت فالكل له ، وإلا فالسدس لها وخمسة الأسداس له لأن الموصى له يأخذ الثلث أولا بقي أربعة تأخذ الربع والثلاثة الباقية له فحصل له خمسة من ستة ا هـ . ولا شك أن الوقف في مرض الموت وصية ا هـ ( قوله : فاعتبروا الوارث إلخ ) قال في البحر : والحاصل : أن المريض إذا وقف على بعض ورثته على أولادهن ثم على الفقراء فإن أجاز الوارث الآخر كان الكل وقفا واتبع الشرط وإلا كان الثلثان ملكا بين الورثة والثلث وقفا مع أن الوصية للبعض لا تنفذ في شيء ; لأنه لم يتمحض للوارث لأنه بعده لغيره فاعتبر الغير بالنظر إلى ثلث واعتبر الوارث بالنظر إلى غلة الثلث الذي صار وقفا فلا يتبع الشرط ما دام الوارث حيا وإنما تقسم غلة هذا الثلث على فرائض الله تعالى ، فإذا انقرض الوارث الموقوف عليه اعتبر شرطه في غلة الثلث . ا هـ . ( قوله : بالنظر للغلة ) ولهذا الاعتبار قسموها كالثلثين . ا هـ . ح ( قوله : والوصية ) بالنصب عطفا على قوله الوارث أي واعتبروا الوصية بالنظر للغير وكان حق العبارة أن يقول : واعتبروا الغير بالنظر إلى الوصية أي إلى لزومها ط ( قوله : وإن ردوا ) أي الورثة أي بقيتهم ط ، وكذا لو رد كلهم كما قدمناه عن الظهيرية .

( قوله : وإن لم تنفذ لوارثه ) الأوضح أن يقول : لعدم نفاذها للوارث ، ويكون علة لقوله ، والوصية بالنظر للغير يعني إنما اعتبر الغير في لزوم الوصية لعدم نفاذها للوارث ط ( قوله : لأنها لم تتمحض له ) غلة لقوله واعتبروا الوصية ح ( قوله : فافهم ) أمر بالفهم لدقة المقام . [ ص: 347 ] ثم اعلم أن ما ذكره الشارح من قوله قلت : إلى هنا ليس هذا محله ; لأن خروج الملك بالقضاء أو بالتعليق بالموت تفريع على قول الإمام أو بيان لمسألة إجماعية كما يأتي عن النهر ، وما ذكره هنا مصور في مسألة الوقف في المرض فكان عليه أن يذكره آخر الباب عند الكلام على وقف المريض ; لأن ذكره هنا يوهم أن الوقف في المرض يلزم عند الإمام نظير التعليق الموت وليس كذلك . ففي البحر عن الهداية ولو وقف في مرض موته قال الطحاوي : هو بمنزلة الوصية بعد الموت والصحيح أنه لا يلزم عند أبي حنيفة وعندهما يلزم إلا أنه يعتبر من الثلث والوقف في الصحة من جميع المال . ا هـ .

والحاصل : أن ما ذكره الشارح صحيح من حيث الحكم لكنه على قولهما وظاهر كلامهم اعتماده ، أما على قول الإمام الذي الكلام فيه فلا في الصحيح كما علمته من عبارة البحر . والعجب ممن نقل صدر عبارة البحر المذكورة ولم ينظر تمامها فافهم ، ثم هذا بخلاف ما إذا أوصى أن تكون وقفا بعد وفاته فإن له الرجوع لأنه وصية بعد الموت والذي نجزه في مرضه يصير وقف الصحة إذا برئ من مرضه فافترقا كما في الخصاف .




الخدمات العلمية