الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                        معلومات الكتاب

                                                                                        البحر الرائق شرح كنز الدقائق

                                                                                        ابن نجيم - زين الدين بن إبراهيم بن محمد

                                                                                        صفحة جزء
                                                                                        ( قوله وهي أحق بعدها ما لم تطلب زيادة ) أي الأم أحق بإرضاع ولدها من الأجنبية بعد انقضاء العدة ما لم تطلب أجرة زائدة على أجرة الأجنبية للإرضاع ، فحينئذ لا تكون أحق وإنما جاز لها أخذ الأجرة بعد انقضاء عدتها ; لأن النكاح قد زال بالكلية وصارت كالأجنبية فإن قلت إن وجوب الإرضاع عليها هو المانع من أخذ الأجرة وهو بعينه موجود بعد انقضائها ، فليست كالأجنبية قلت إن الوجوب عليها مقيد بإيجاب رزقها على الأب بقوله تعالى { : وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن } . ففي حال الزوجية والعدة هو قائم برزقها وفيما بعد العدة لا يقوم بشيء فتقوم الأجرة مقامه كما في فتح القدير وإنما كانت أحق ; لأنها أشفق فكان نظرا للصبي في الدفع إليها وإن التمست زيادة لم يجبر الزوج عليها دفعا للضرر عنه وإليه الإشارة بقوله تعالى { : لا تضار والدة بولدها ولا مولود له بولده } . أي بإلزامه لها أكثر من أجرة الأجنبية وفي الذخيرة لو صالحت المرأة زوجها عن أجر الرضاع على شيء إن كان الصلح حال قيام النكاح أو في العدة عن طلاق رجعي لا يجوز وإن كان عن طلاق بائن واحدة أو ثلاثا جاز على إحدى الروايتين ; لأن الصلح على أن يعطيها شيئا لترضع ولدها استئجار لها ، وإذا جاز الصلح فهو كما لو استأجرها على عمل آخر من الأعمال على دراهم وصالحها عن تلك الدراهم على شيء بعينه جاز وإن صالح عنها على شيء بغير عينه لا يجوز إلا أن يدفع ذلك في المجلس حتى لا يكون بيع دين بدين وفي كل موضع جاز الاستئجار ووجبت النفقة لا تسقط بموت الزوج ; لأنها أجرة وليست بنفقة ا هـ .

                                                                                        وكذا ذكر في الولوالجية لا تسقط هذه الأجرة بموته ، بل تكون أسوة الغرماء ا هـ .

                                                                                        فالحاصل أنه أجرة فلذا لا تتوقف على القضاء وظاهر المتون أن الأم لو طلبت الأجرة أي أجرة المثل ، والأجنبية متبرعة بالإرضاع فالأم أولى ; لأنهم جعلوا الأم أحق في سائر الأحوال إلا في حالة طلب الزيادة على أجرة الأجنبية والمصرح به بخلافه كما في التبيين وغيره أن الأجنبية أولى لكن هي أولى في الإرضاع أما في الحضانة ففي الولوالجية وغيرها رجل طلق امرأته وبينهما صبي وللصبي عمة أرادت أن تربيه وتمسكه من غير أجر من غير أن تمنع الأم عنه ، والأم تأبى ذلك وتطالب الأب بالأجر ونفقة الولد فالأم أحق بالولد وإنما يبطل حق الأم إذا [ ص: 222 ] تحكمت الأم في أجرة الإرضاع بأكثر من أجرة مثلها والصحيح أنه يقال للوالدة إما أن تمسكي الولد بغير أجر وإما أن تدفعيه إلى العمة ا هـ .

                                                                                        ولم أر من صرح بأن الأجنبية كالعمة في أن الصغير يدفع إليها إذا كانت متبرعة والأم تريد الأجرة على الحضانة ولا تقاس على العمة ; لأنها حاضنة في الجملة ، وقد كثر السؤال عن هذه المسألة في زماننا وهو أن الأب يأتي بأجنبية متبرعة بالحضانة فهل يقال للأم كما يقال لو تبرعت العمة وظاهر المتون أن الأم تأخذ بأجرة المثل ولا تكون الأجنبية أولى بخلاف العمة على الصحيح إلا أن يوجد نقل صريح في أن الأجنبية كالعمة والظاهر أن العمة ليست قيدا ، بل كل حاضنة كذلك ، بل الخالة كذلك بالأولى ; لأنها من قرابة الأم ، ثم اعلم أن ظاهر الولوالجية أن أجرة الرضاع غير نفقة الولد وهو للمغايرة فإذا استأجر الأم للإرضاع لا يكفي عن نفقة الولد ; لأن الولد لا يكفيه اللبن ، بل يحتاج معه إلى شيء آخر كما هو المشاهد خصوصا الكسوة فيقرر القاضي له نفقة غير أجرة الإرضاع وغير أجرة الحضانة فعلى هذا تجب على الأب ثلاثة أجرة الرضاع وأجرة الحضانة ونفقة الولد أما أجرة الرضاع فقد صرحوا بها هنا ، وأما أجرة الحضانة فصرح به قارئ الهداية في فتاواه ، وأما نفقة الولد فقد صرحوا بها في الإجارات في إجارة الظئر قال الزيلعي فيها والطعام والثياب على الوالد وما ذكره محمد في الدهن والريحان على الظئر فهو على عادة أهل الكوفة ا هـ .

                                                                                        فالحاصل أن الأم ليس عليها إلا الإرضاع وإصلاح طعامه وغسل ثيابه لكن في الخانية وبعد الفطام يفرض القاضي نفقة الصغير على طاقة الأب ويدفع إلى الأم حتى تنفق على الأولاد ا هـ .

                                                                                        إلا أن يقال إن مراده النفقة الكاملة بخلافها في زمن الرضاع فإنها قليلة وفي المجتبى ، وإذا كان للصبي مال فمؤنة الرضاع ونفقته بعد الفطام في مال الصغير ومدة الرضاع ثلاثة أوقات أدنى وهو حول ونصف وأوسط وهو حولان ونصف حتى لو نقص عن الحولين لا يكون شططا ، ولو زاد لا يكون تعديا فلو استغنى الولد دون الحولين ففطمته في حول ونصف بالإجماع ولا تأثم ، ولو لم يستغن بحولين حل لها أن ترضعه بعدهما عند عامة المشايخ إلا عند خلف بن أيوب ، وأما الكلام في استحقاق الأجرة فمنهم من قال إنه على الخلاف حتى أن المبانة تستحق إلى الحولين ونصف عنده ، وعندهما إلى حولين فقط وأكثر المشايخ على أن [ ص: 223 ] مدة الرضاع في حق الأجرة حولان عند الكل حتى لا تستحق بعد الحولين إجماعا وتستحق في الحولين إجماعا ، وظاهر كلامهم أن وجوب أجرة الرضاع لا تتوقف على عقد إجارة مع الأم ، بل تستحقه بالإرضاع مطلقا في المدة المذكورة ، وقد قدمنا أنه ليس بفقه وفي الظهيرية ، وإذا أقرت المعتدة أنها قبضت نفقة أولادها الصغار لخمسة أشهر ، ثم قالت إنها قبضت عشرين درهما ، ونفقة خمسة أشهر مائة درهم لم تصدق على ذلك وإن قالت ضاعت النفقة فإنها ترجع على أبيهم بنفقتهم دون حصتها ا هـ .

                                                                                        التالي السابق


                                                                                        ( قوله : قلت إن الوجوب إلخ ) مقتضى ذلك أنه لو وجب عليها إرضاعه بعد العدة لعدم أخذه ثدي غيرها أنه لا تستحق أجرة وهي خلاف إطلاق المصنف من أنها أحق إلا في حال طلب الزيادة فإنه يدل على أنها أحق في كل حالة إلا في حال طلب الزيادة ويدل عليه ما مر من غاية البيان من إجبار الظئر على الإرضاع فإنه ظاهر في أن الإجبار بالأجرة وقدمنا التصريح به عن الهندية .

                                                                                        ( قوله : وفي كل موضع جاز الاستئجار ) أي كما إذا كان بعد انقضاء العدة أو كان في عدة البائن على إحدى الروايتين ، وقوله ووجبت النفقة الظاهر أنه عطف مرادف والمراد به نفقة المرضعة بالأجرة التي تأخذها بقرينة التعليل أي أن ما تأخذه من والد الرضيع لتنفقه على نفسها بمقابلة الإرضاع هو أجرة لا نفقة فإذا مات لا تسقط هذه الأجرة بموته ، ولو كان نفقة لسقط كما تسقط بالموت نفقة الزوجة والقريب ، ولو بعد القضاء ما لم تكن مستدانة بأمر القاضي .

                                                                                        ( قوله : والمصرح به بخلافه كما في التبيين وغيره ) أي بخلاف ما هو ظاهر المتون قال في التبيين وإن رضيت الأجنبية أن ترضعه بغير أجر أو بدون أجر المثل والأم بأجر المثل فالأجنبية أولى . ا هـ .

                                                                                        وقال في البدائع : وأما إذا انقضت عدتها فالتمست أجرة الرضاع ، وقال الأب أجد من ترضع من غير أجر أو بأقل من ذلك فذلك له لقوله تعالى { وإن تعاسرتم فسترضع له أخرى } ; ولأن في إلزام الأب ما تلمسه ضررا بالأب ، وقد قال الله تعالى { : ولا مولود له بولده } أي لا يضار الأب بإلزام الزيادة على ما تلتمسه الأجنبية كذا ذكر في بعض التأويلات ، ولكن توضع عند الأم ولا يفرق بينهما لما فيه من إلحاق الضرر بالأم ا هـ .

                                                                                        ( قوله : وتطالب الأب بالأجر ونفقة الولد ) أراد بالأجر أجرة الرضاع سواء أرضعته بنفسها أو أرضعته غيرها وأراد بالنفقة ما يكون بعد الفطام والظاهر أن وضع المسألة في مطلقة مضت عدتها فإن طلب الأجرة من الأب من جهة أم الصبي إنما هو في هذه الصورة كما سبق آنفا وإنما قلنا أراد بالأجرة أجرة الرضاع إذ لا يجب على الأب أجرة على الحضانة زائدة على هذه الأجرة حتى تطالبه المرأة به كما صرح به في جواهر الفتاوى نقلا عن قاضي خان وتحقيقه أن أجرة الرضاع بمنزلة الرضاع والرضاع من النفقة كما صرحوا به والنفقة [ ص: 222 ] إنما تجب على الأب بخلاف الحضانة فإنها ليست عليه على ما قرره بعض العلماء كذا في حاشية عزمي زاده على الدرر والغرر والظاهر أن المراد أجرة الحضانة كما فهمه المؤلف بدليل قوله وإما أن تدفعيه إلى العمة إذ لو كان المراد أجرة الرضاع لم تؤمر بالدفع إلى العمة لما قدمناه آنفا عن البدائع أنها ترضع عند الأم فعلم أنه عند عدم استحقاقها لأجرة الرضاع لا ينزع الولد منها بخلاف ما لو لم تستحق أجرة الحضانة لوجود المتبرع فإنه ينزع منها .

                                                                                        ( قوله : والصحيح أنه يقال للأم إلخ ) قال الرملي قيده في الخانية والبزازية والخلاصة والظهيرية وكثير من الكتب بكون الأب معسرا فظاهره تخلف الحكم المذكور مع يساره فليحرره وأنت خبير بأن المفهوم في التصانيف حجة يعمل به تأمل .

                                                                                        ( قوله : ولا تقاس على العمة إلخ ) جواب عما قد يقال إنها مثل العمة بجامع التبرع من كل فتلحق بها فأجاب بالفرق وهو أن العمة حاضنة في الجملة فلها استحقاق بخلاف الأجنبية وأيضا فإن العمة أشفق عليه من الأجنبية فلا تقاس عليها .

                                                                                        ( قوله : وقد كثر السؤال عن هذه المسألة ) قال الرملي : وقد سئلت عن صغيرة لها أم وبنت ابن عم تطلب الأم زيادة عن أجرة المثل وبنت ابن العم تريد حضانتها مجانا فأجبت بأنها تدفع إلى الأم لكن بأجر المثل لا بالزيادة ; لأن بنت ابن العم كالأجنبية لا حق لها في الحضانة أصلا فلا يعتبر تبرعها على ما ظهر لهذا الشارح وهو تفقه حسن صحيح ; لأن في دفع الصغير للمتبرعة الأجنبية ضررا به لقصور شفقتها عليه فلا يعتبر معه الضرر في المال ; لأن حرمته دون حرمته ولذلك اختلف الحكم في نحو العمة والخالة مع اليسار والإعسار ، فإذا كان موسرا لا يدفع إليها كما يفيده تقييد أكثر الكتب إذ لا ضرر على الموسر في دفع الأجرة وبه تتحرر هذه المسألة فافهم هذا التحرير واغتنمه فقد قل من تفطن له والله تعالى الموفق ، هذا وقد تقدم في الحضانة في شرح قوله ، ثم العمات أنه لا حق لبنات الأعمام والأخوال ; لأنهن غير محرم .

                                                                                        ( قوله : فصرح به قارئ الهداية في فتاواه ) حيث قال سئل هل تستحق المطلقة أجرة بسبب حضانة ولدها خاصة من غير إرضاع له أم لا أجاب نعم تستحق أجرة على الحضانة ، وكذا إن احتاج الصغير إلى خادم يلزم الأب به . ا هـ .

                                                                                        ويدل عليه أيضا ما مر من أن التقييد بإعسار الأب يفيد أنه لو كان موسرا لا يدفع إلى العمة أي بل يؤمر الأب بدفع الأجرة للأم .

                                                                                        ( قوله : وأوسط وهو حولان ونصف ) كذا في عامة النسخ وفيه سقط وعبارة المجتبى وأوسط وهو حولان وأقصى وهو حولان ونصف ، وقد وجد كذلك في نسخة مصلحا [ ص: 223 ]

                                                                                        ( قوله : وقد قدمنا أنه ليس بنفقة ) الظاهر أن النسخة ليس بنفقة ; لأنه الذي قدمه عن الذخيرة في هذه القولة حيث قال لا تسقط بموت الزوج ; لأنها أجرة وليست بنفقة .




                                                                                        الخدمات العلمية