الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                        معلومات الكتاب

                                                                                        البحر الرائق شرح كنز الدقائق

                                                                                        ابن نجيم - زين الدين بن إبراهيم بن محمد

                                                                                        صفحة جزء
                                                                                        ( قوله ) : ( إن لم أشرب ماء هذا الكوز اليوم فكذا ، ولا ماء فيه أو كان فصب أو أطلق ، ولا ماء فيه لا يحنث ، وإن كان فصب حنث ) بيان لشرط من شروط انعقاد اليمين ، وهو إمكان تصور البر في المستقبل ، وكذا من شرط بقائها ، وهذا عند أبي حنيفة ومحمد ، وقال أبو يوسف لا يشترط ; لأنه يمكن القول بالانعقاد موجبا للبر على وجه يظهر في حق الحلف ، وهو الكفارة ، ولهما أنه لا بد من تصور الأصل لتنعقد في حق الحلف وبهذا لا تنعقد الغموس موجبة للكفارة ، ولا فرق على هذا الخلاف بين اليمين بالله تعالى أو بالطلاق ، ولهذا صورها في المختصر بيمين الطلاق أو العتاق ، وقد ذكر المصنف [ ص: 358 ] مسألة الكوز ، وهي مفرعة على هذا الأصل ، وذكر أنها على أربعة أوجه وجهان في المقيدة ووجهان في المطلقة أما في المقيدة فهي على وجهين إما أن لا يكون فيه ماء أصلا أو كان فيه ماء وقت الحلف ثم صب قبل مضي الوقت ، وفي كل منهما لا يحنث لعدم انعقاد اليمين في الأول ، ولبطلانها عند الصب في الثاني عندهما ، ولا فرق في الوقت بين أن يكون اليوم أو الشهر أو الجمعة .

                                                                                        وأما المطلقة فعلى وجهين إما أن لا يكون فيه ماء أصلا فلا يحنث لعدم انعقاد اليمين أو كان فيه وصب فإنه يحنث لانعقادها لإمكان البر ثم يحنث بالصب ; لأن البر يجب عليه كما فرغ فإذا صب فقد فات البر فيحنث في ذلك الوقت كما لو مات الحالف والماء باق وظاهر كلامهم أنه لا فرق بين أن يكون قد صبه هو أو غيره أو مال الكوز فانصب ما فيه من غير فعل أحد ، وأما عند أبي يوسف فيحنث في الوجوه كلها غير أنه في المؤقت يحنث في آخر الوقت ، وفي المطلق يحنث للحال إن لم يكن فيه ماء ، وإن كان فيه ماء يحنث عند الصب ، وأطلق المصنف في عدم حنثه في المسائل الثلاثة فشمل ما إذا علم الحالف أن فيه ماء أو لا ، وما إذا علم أن لا ماء فيه ، وقيده الإسبيجابي بعدم علمه بأن لا ماء فيه ، وأما إذا علم بأن لا ماء فيه يحنث بالاتفاق . ا هـ .

                                                                                        ; لأنه إذا علم وقعت يمينه على ما يخلق الله تعالى فيه ، وقد تحقق العدم فيحنث وروي عن أبي حنيفة في رواية أخرى أنه قال لا يحنث علم أو لم يعلم ، وهو قول زفر . ا هـ .

                                                                                        وصحح في التبيين هذه الرواية في شرح قوله إن لم أقتل فلانا فكذا ، ولذا أطلق هنا في المختصر وجزم بالإطلاق في فتح القدير ، وقد تفرع على هذا الأصل مسائل : منها ما لو حلف ليقتلن زيدا اليوم فمات زيد قبل مضي اليوم لا يحنث عند هما كما سيأتي بيانه . ومنها لو حلف ليأكلن هذا الرغيف اليوم فأكله غيره قبل الليل . ومنها لو حلف ليقضين فلانا دينه غدا ، وفلان قد مات ، ولا علم له أو مات أحدهما قبل مضي الغد أو قضاه قبله أو أبرأه فلان قبله لم تنعقد ، ومنها ما لو [ ص: 359 ] قال لزيد إن رأيت عمرا فلم أعلمك فعبدي حر فرآه مع زيد فسكت ، ولم يقل شيئا أو قال هو عمرو لا يعتق عندهما . ومنها لو حلف لا يعطيه حتى يأذن فلان فمات فلان ثم أعطاه لم يحنث ، وكذا ليضربنه أو ليكلمنه ، ومنها لو قال رجل لامرأته إن لم تهبي لي صداقك اليوم فأنت طالق ، وقال أبوها إن وهبت له صداقك فأمك طالق فحيلة عدم حنثهما أن تشتري منه بمهرها ثوبا ملفوفا وتقبضه فإذا مضى اليوم لم يحنث أبوها ; لأنها لم تهب صداقها ، ولا الزوج ; لأنها عجزت عن الهبة عند الغروب ; لأن الصداق سقط عن الزوج بالبيع ثم إذا أرادت عود الصداق ردته بخيار الرؤية الكل في فتح القدير ، ومنها ما في الولوالجية من تعليق الطلاق رجل قال إن لم أدخل الليلة البلد ، ولم ألق فلانا فامرأته طالق فدخل ، ولم يصادفه في منزله فلم يلقه حتى أصبح إن كان عالما بأنه غاب عن المنزل وقت الحلف يحنث ، وإن لم يكن عالما لا يحنث . ا هـ .

                                                                                        ومنها ما في المبتغى ، وفي يمينه لامرأته إن لم تصل صلاة الفجر غدا فأنت كذا لا يحنث بحيضها بكرة في الأصح . ا هـ .

                                                                                        ومنها لو قال لامرأته بعدما أصبح إن لم أجامعك هذه الليلة فأنت طالق ، ولم تكن له نية ، وكان يعلم أنه أصبح وقع يمينه على الليلة القابلة ; لأنه حلف نهارا فينصرف إلى الليلة القابلة المستقبلة ، وإن نوى تلك الليلة لا تنعقد اليمين عند أبي حنيفة ومحمد فرعا لمسألة الكوز . ومنها قال إن نمت هذه الليلة في هذه الدار فامرأته كذا ، وقد انفجر الصبح ، وهو لا يعلم لا يحنث في يمينه ; لأن شرط الحنث ، وهو النوم في الليلة الماضية لا يتصور فصار كأنه قال إن صمت أمس فامرأته طالق لا يحنث في يمينه . ومنها ما لو قال إن لم أبت الليلة في هذه الدار والمسألة بحالها فكذلك في قولهما . ومنها لو غاب الرجل عن داره ساعة ثم رجع فظن أن المرأة غائبة عن الدار فقال إن لم آت بامرأتي إلى داري الليلة فهي طالق ثلاثا فلما أصبح قالت المرأة كنت في هذه الدار لم يحنث عند أبي حنيفة ومحمد ; لأن اليمين لم تنعقد ، وإن قالت كنت غائبة فإن صدقها الزوج طلقت ; لأن الزوج أقر بالطلاق ، ومنها ما لو قال إن لم تردي الدينار الذي أخذتيه من كيسي فأنت طالق فإذا الدينار في كيسه لم تطلق ; لأن البر هنا لم يتصور فلم تنعقد اليمين فلا يترتب الحنث بمنزلة مسألة الكوز ، ومنها قوم حلفهم السلطان على أن يؤدوا خراج تلك البلدة إلى وقت معلوم فأدي الخراج كله لكن بعضهم بغير أمر الباقين أو أدى الخراج كله رجل واحد غيرهم بغير أمرهم لم يحنثوا في قول أبي حنيفة ومحمد ; لأنه لما أدى واحد منهم أو غيرهم لم يبق الخراج عليهم فلا يتصور شرط البر فتبطل اليمين عندهما ; لأنها مؤقتة بوقت الكل في الواقعات ، وقد قدمنا شيئا من مسائل هذا النوع في تعلق الطلاق عند قولهم وزوال الملك بعد اليمين لا يبطلها .

                                                                                        التالي السابق


                                                                                        ( قوله : وهو إمكان تصور البر في المستقبل ) قال الرملي ، وأما العجز عن التصور فلا يمنع انعقادها ، ولا بقاءها كما أطبقت عليه أصحاب المتون في مسألة صعود السماء ، وقلب الحجر ذهبا فتأمل ، وكن على بصيرة . ا هـ .

                                                                                        أقول : المراد بإمكان تصور البر تصوره حقيقة أي بأن يكون ممكنا عقلا ، وإن استحال عادة كما في مسألة صعود السماء ، وقلب الحجر ذهبا ، ولذا انعقدت اليمين فيه ، ولم تبطل بالعجز عنه عادة كما يأتي أما هنا فإنه إذا لم يكن في الكوز ماء لا تنعقد اليمين أصلا لعدم إمكان تصور شربه أصلا لا حقيقة ، ولا عادة ، وإذا كان فيه ماء فصب تنعقد اليمين ثم تبطل عند الصب لعروض العجز حقيقة ، وعادة فعلم أن المراد بعدم التصور هنا عدم الإمكان حقيقة ، وعادة .

                                                                                        ( قوله : ولهما أنه لا بد من تصور الأصل إلخ ) توضيحه ما قاله الإمام الحصيري في التحرير شرح الجامع الكبير أن هذه يمين غير معقودة فلا تجب الكفارة كاليمين الغموس ; لأنه ليس هنا معقود عليه موجود ، ولا متوهم الوجود ، وعدم المعقود عليه يمنع انعقاد العقد ، وهذا ; لأن اليمين إنما تنعقد لتحقق البر [ ص: 358 ] فإن من أخبر بخبر أو وعد بوعد يؤكده باليمين لتحقق الصدق فكان المقصود هو البر ثم تجب الكفارة خلفا عنه لرفع حكم الحنث ، وهو الإثم ليصير بالتكفير كالبار فإذا لم يكن البر متصورا لا تنعقد فلا تجب الكفارة خلفا عنه ; لأن الكفارة حكم اليمين وحكم الشيء إنما يثبت بعد انعقاده كسائر العقود بخلاف صعود السماء وتحويل الحجر ذهبا والطيران في الهواء وشرب ماء دجلة ; لأن البر متصور في الجملة لجواز أن يقدر الله تعالى عبدا من عباده على صعود السماء ، ومسها وغيره فتوهم وجوده ألا ترى أنه صعد الأنبياء عليهم السلام والملائكة عليهم السلام تصعد في كل وقت ، وكما أكرم آصف وزير سليمان عليه السلام حيث قال { أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك } ، وأنه خلاف العادة فباعتبار التصور في الجملة انعقدت اليمين وباعتبار العجز الثابت عادة حنث للحال ، وهذا العجز غير العجز المقارن لليمين ; لأن هذا العجز عن البر الواجب باليمين وبهذا لا يتصور مقارنا لليمين ، وإن كان في الكوز ماء وأهرق قبل الليل بطلت اليمين عندهما ، وعند أبي يوسف تبقى وتنعقد .

                                                                                        والحاصل أنها إن كانت مطلقة ، وفيه ماء فما دام الحالف والمحلوف قائمين لا يحنث ، وإذا هلك أحدهما يحنث غير أنه إن هلك المحلوف يحنث ، وقت الهلاك ، وإن هلك الحالف يحنث في آخر جزء من أجزاء حياته ; لأن الحنث بفوات البر في جميع عمره ، وقد تحقق لوقوع اليأس عن الفعل ، وإن كانت مؤقتة إن كان الحالف والمحلوف عليه قائمين ، ومضى الوقت حنث في قولهم لوقوع اليأس عن الفعل في الوقت المشروط ، وإن هلك الحالف والمحلوف عليه قائم ، ومضى الوقت لا يحنث عندهم ; لأنه إنما يحنث في آخر جزء من أجزاء الوقت ; لأن شرط الحنث ترك الفعل في جميع أجزاء الوقت فإذا كان ميتا في آخر الوقت فالميت لا يوصف بالحنث ، ولو هلك المحلوف عليه والوقت باق والحالف قائم بطلت اليمين عندهما ، وعند أبي يوسف يحنث . ا هـ .

                                                                                        باختصار . ( قوله : وأطلق المصنف إلخ ) قال الرملي مقتضى ما اختاره في مسألة إن لم أقتل فلانا من التفصيل بين العلم ، وعدمه أن يحمل إطلاقه هنا على عدم العلم حملا للمطلق على المقيد ليكن ماشيا على وتيرة واحدة .

                                                                                        وإن كان في التبيين صحح رواية الإطلاق لاحتمال اختياره رواية التفصيل كالإسبيجابي فيكون في المسألة اختلاف التصحيح والترجيح كما هو ظاهر لكن الزيلعي فرق بين مسألة الكوز وبين مسألة القتل بأنه إذا كان عالما فقد عقد يمينه على حياة يحدثها الله تعالى ، وهو متصور بخلاف مسألة الكوز فإن ما يحدثه الله تعالى فيه غير المحلوف عليه فيكون ما أطلقه هنا جاريا على إطلاقه تأمل . ا هـ .

                                                                                        أي ; لأن المحلوف عليه هنا ماء مظروف في الكوز وقت الحلف دون الحادث بعده لكن قد يقال إنه إذا كان عالما بأنه لا ماء فيه يكون المراد ماء مظروفا فيه بعد الحلف كما في لأقتلن فلانا فإن القتل إزهاق الروح فإذا كان عالما بموته يراد روح مستحدث . ( قوله : لم تنعقد ) قال الرملي عدم الانعقاد فيما إذا كان ميتا وقت الحلف أما إذا مات أحدهما قبل مضي الغد أو قضاه أو أبرأه قبله تبطل بعد الانعقاد إذ شرط بقاء المؤقتة [ ص: 359 ] إمكان البر ، وقد فات لكن ذكر في الجوهرة في شرح مسألة صعود السماء ، وقلب الحجر ذهبا أن المؤقتة يتعلق انعقادها بآخر الوقت عندهما يعني أبا حنيفة ومحمدا فإذا كان كذلك فقوله لم تنعقد صحيح في الكل والذي يظهر من كلامهم أن في المسألة قولين قيل بالبطلان بعد الانعقاد ، وقيل بعدم الانعقاد إلا في آخر الوقت تأمل .

                                                                                        ( قوله : ومنها لو حلف لا يعطيه حتى يأذن فلان ) كذا في النسخ بدون تقييده باليوم ، وهو كذلك في الفتح وانظر ما الفرق بين هذه وبين مسألة الكوز إذا أطلق ، وكان فيه ماء فصب . ( قوله : ; لأنها عجزت عن الهبة عند الغروب ) قال الرملي أي لم يمكنها ذلك إذ الهبة لا تتصور فيما سقط من المهر فالمراد من العجز هنا هو عدم الإمكان ، وأقول : قد صرحوا بأن هبة الدين كالإبراء منه إلا في مسائل ، وأن الإبراء بعد قضاء الدين صحيح فمقتضاه صحة الهبة بعدما ذكر إلا أن يفرق بين الهبة والبراءة في هذا فيكون مما استثني هنا ، وقد ذكر المصنف في الأشباه بعد قوله الإبراء بعد قضاء الدين صحيح ، وعن هذا لو علق طلاقها بإبرائها عن المهر ثم دفعه لها لا يبطل التعليق فإذا أبرأته براءة إسقاط ، وقع ورجع عليها . ا هـ فتأمل هذا المحل ا هـ .

                                                                                        وقد ذكر المؤلف مثل ذلك في باب التعليق في شرح قوله : وزوال الملك لا يبطل اليمين عند الكلام على المسألتين اللتين كثر وقوعهما فراجعه إن شئت . ( قوله : ومنها ما في الولوالجية إلخ ) قال الرملي التقييد بالعلم في هذه المسألة بناء على تقييد مسألة القتل والكوز به ومسألة الرغيف ، وما شاكلها ، وهو قول الإسبيجابي ، وقد صحح الزيلعي خلافه ، وعليه فلا يحنث مطلقا لعدم إمكان تصور البر في آخر جزء من أجزاء الليلة مع غيبته عن المنزل .

                                                                                        ( قوله : ومنها ما في المبتغى إلخ ) سيأتي عن الظهيرية في باب اليمين في البيع والشراء عند قوله وحنث في لا يصوم بصوم يوم أن الصحيح أنه يحنث ، وذكر فيها قولا ثالثا فراجعه هناك .




                                                                                        الخدمات العلمية