الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                        معلومات الكتاب

                                                                                        البحر الرائق شرح كنز الدقائق

                                                                                        ابن نجيم - زين الدين بن إبراهيم بن محمد

                                                                                        صفحة جزء
                                                                                        ( فروع ) في الخلاصة معزيا إلى الأصل يتوضأ من الحوض الذي يخاف فيه قذرا ولا يتيقنه ولا يجب أن يسأل إلى للحاجة إليه عند عدم الدليل والأصل دليل يطلق الاستعمال وقال عمر رضي الله عنه حين سأل عمرو بن العاص صاحب الحوض أترده السباع يا صاحب الحوض لا تخبرنا ذكره في الموطإ وكذا إذا وجده متغير اللون والريح ما لم يعلم أنه من نجاسة ; لأن التغير قد يكون بظاهر وقد ينتن الماء للمكث وكذا البئر الذي يدلي فيها الدلاء والجرار الدنسة يحملها الصغار والعبيد ولا يعلمون الأحكام ويمسها الرستاقيون بالأيدي الدنسة ما لم تعلم يقينا النجاسة ، ولو ظن الماء نجسا فتوضأ ثم ظهر أنه طاهر جاز وذكر السراج الهندي عن الفقيه أبي الليث أن عدم وجوب السؤال من طريق الحكم ، وإن سأل كان أحوط لدينه وعلى هذا الضيف إذا قدم إليه طعام ليس له أن يسأل عنه وفي فوائد الرستغفني التوضؤ بماء الحوض أفضل من النهر ; لأن المعتزلة لا يجيزونه ، من الحياض فنرغمهم بالوضوء منها ا هـ .

                                                                                        وهذا إنما يفيد الأفضلية لهذا العارض ففي مكان لا يتحقق النهر أفضل كذا في فتح القدير وفي معراج الدراية [ ص: 92 ] قيل مسألة الحوض بناء على الجزء الذي لا يتجزأ فإنه عند أهل السنة موجود في الخارج فتتصل أجزاء النجاسة إلى جزء لا يمكن تجزئته فيكون باقي الحوض طاهرا أو عند المعتزلة والفلاسفة هو معدوم ، فيكون كل الماء مجاورا للنجاسة ، فيكون الحوض نجسا عندهم وقيل في هذا التقرير نظر ا هـ .

                                                                                        قالوا ولا بأس بالتوضؤ من حب يوضع كوزه في نواحي الدار ويشرب منه ما لم يعلم به قذر ويكره للرجل أن يستخلص لنفسه إناء يتوضأ منه ولا يتوضأ منه غيره وفي فتاوى قاضي خان واختلفوا في كراهية البول في الماء الجاري والأصح هو الكراهة .

                                                                                        وأما البول في الماء الراكد فقد نقل الشيخ جلال الدين الخبازي في حاشية الهداية عن أبي الليث أنه ليس بحرام إجماعا بل مكروه ونقل غيره أنه حرام ويحمل على كراهة التحريم ; لأنه غاية ما يفيده الحديث كراهة التحريم فينبغي هذا أن يكون البول في الماء الجاري مكروها كراهة تنزيه فرقا بينه وبين البول في الماء الراكد ، وفي فتاوى قاضي خان إذا ورد الرجل ماء فأخبره مسلم أنه نجس لا يجوز له أن يتوضأ بذلك الماء قالوا هذا إذا كان عدلا ، فإن كان فاسقا لا يصدق وفي المستور روايتان ا هـ .

                                                                                        وفي المبتغى بالغين المعجمة وبرؤية أثر أقدام الوحوش عند الماء القليل لا يتوضأ به سبع مر بالركية وغلب على ظنه شربه منها تنجس وإلا فلا ا هـ .

                                                                                        وينبغي أن يحمل الأول على ما إذا غلب على ظنه أن الوحوش شربت منه بدليل الفرع الثاني ، وإلا فمجرد الشك لا يمنع الوضوء به بدليل ما قدمنا نقله عن الأصل أنه يتوضأ من الحوض الذي يخاف فيه قذرا ولا يتيقنه وينبغي أن يحمل التيقن المذكور في الأصل من قوله ولا يتيقنه على غلبة الظن والخوف على الشك أو الوهم كما لا يخفى .

                                                                                        وفي التجنيس من دخل الحمام واغتسل وخرج من غير نعل لم يكن به بأس لما فيه من الضرورة والبلوى ا هـ .

                                                                                        وسيأتي بقية هذا إن شاء الله تعالى في بحث المستعمل

                                                                                        التالي السابق


                                                                                        ( قوله : قيل فيه مسألة الحوض بناء على الجزء الذي لا يتجزأ إلخ ) بيان ذلك كما في شرح الهداية لسيدنا الأستاذ عبد الغني أن الأجسام المركبة كالماء والحجر ونحوهما هم يقولون إنها مركبة من الهيولى ، وهي المادة الكلية ومن الصورة ، وهي التعين الجزئي فقط فيلزم على هذا أن يكون ماء الحوض كله على مذهبهم متصلا واحدا فلو توضأ فيه صار جميعه مستعملا عندهم لكونه شيئا واحدا ، وهو باطل ، فإن مذهب أهل السنة والجماعة نصر الله تعالى كلمتهم إلى قيام الساعة أن الأجسام كلها مركبة من الجزء الذي لا يتجزأ لا وهما ولا فرضا كما قرر في موضعه من علم الكلام ، وهو أربعة أنواع في كل جسم مركب أي جسم كان نوع من النار ونوع من الهواء ونوع من الماء ونوع من التراب ، فإذا أراد الله تركيب جسم من الأجسام جمع بيد قدرته من كل نوع من هذه الأنواع الأربعة أجزاء صغارا متلاصقة وضم بعضها إلى بعض بتدبير إلهي خاص فتكون جسما ثم إذا أراد إعدام ذلك الجسم فرق بين أنواعه فيذهب كل نوع من تلك الأجزاء إلى جنسه ثم إذا كان يوم القيامة أعاد تلك الأجزاء إلى ما كانت عليه من التركيب ، وهذا هو البعث الذي وردت به النصوص القطعية ثم إن كل نوع من هذه الأنواع الأربعة مركب أيضا من أجزاء صغار لا يحتمل القسمة متلاصقة يشبه بعضها بعضا بحيث تظهر كالشيء الواحد فتتصل وتنقطع لشدة مناسبة بعضها لبعض ولكن لا تشبه أجزاء هذا النوع أجزاء النوع الآخر فالماء أجزاء صغار متلاصقة متناسبة يتصل بعضها ببعض وينفصل بعضها عن بعض وكذلك الهواء والنار والتراب فلو توضأ أحد بالماء حتى صار بعض تلك الأجزاء مستعملا لا يلزم أن تصير بقية الأجزاء مستعملة كذلك ; لأن الماء عندنا ليس شيئا واحدا إلا بحسب ظاهر الصورة التركيبية الحاصلة من اجتماع الأجزاء الصغار التي لا تتجزأ ، وإنما هو مركب من أجزاء متناهية تنفصل وتتصل فلا يلزم استعمال الجميع بل البعض والحق أن الأجزاء في كل مركب متناهية كما هو مذهب أهل السنة والإلزام أن يدخل ما لا نهاية له في الوجود ، وهو باطل بإجماع العقلاء كما ثبت بذلك بطلان التسلسل والله تعالى أعلم بالصواب ا هـ .

                                                                                        ( قوله : وفي هذا التقرير نظر ) أي في تقرير ابتناء هذه المسألة على الجزء الذي لا يتجزأ ولعل وجه النظر من حيث التعبير بالنجاسة ، فإنا إذا قلنا بنجاسة الماء المستعمل ، فإن كان الحوض صغيرا يحكم بنجاسته عندنا أيضا ، وإن كان غديرا يلزم أن لا يكون له حكم الجاري عند المعتزلة وأنه لو وقعت فيه قطرة بول يكون الحوض نجسا لمجاورة الماء للنجاسة ، وهل هم يقولون بذلك فلينظر هذا ما ظهر لي والله تعالى أعلم .




                                                                                        الخدمات العلمية