الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                صفحة جزء
                                قال البخاري - رحمه الله-:

                                1171 1228 - ثنا عبد الله بن يوسف، أنا مالك، عن أيوب السختياني، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- انصرف من اثنتين فقال له ذو اليدين: أقصرت الصلاة أم نسيت يا رسول الله؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم-: " أصدق [ ص: 479 ] ذو اليدين؟ " فقال الناس: نعم، فقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم- فصلى اثنتين أخريين، ثم سلم، ثم كبر، فسجد مثل سجوده أو أطول، ثم رفع.

                                حدثنا سليمان بن حرب، ثنا حماد، عن سلمة بن علقمة، قلت لمحمد: في سجدتي السهو تشهد؟ قال: ليس في حديث أبي هريرة.

                                التالي السابق


                                رواية ابن سيرين عن أبي هريرة ، إنما فيها ذكر السجدتين، كل سجدة ورفع منها بتكبير.

                                وقد خرجه البخاري كذلك بتمامه في الباب الآتي، من حديث يزيد بن إبراهيم التستري ، عن ابن سيرين .

                                وكذلك خرجه مسلم ، من حديث ابن عيينة وحماد بن زيد ، عن أيوب ، عن ابن سيرين .

                                وكذلك هو في " الموطأ" عن أيوب بتمامه.

                                وكذلك خرجه الترمذي من طريق مالك .

                                وفي رواية مسلم ، قال - يعني: ابن سيرين -: وأخبرت عن عمران بن حصين ، أنه قال: " ثم سلم".

                                وهكذا خرجه البخاري في " باب: تشبيك الأصابع في المسجد" من طريق ابن عون ، عن ابن سيرين ، بسياق تام، وفي آخره: " فربما سألوه: ثم [ ص: 480 ] سلم؟ فيقول: نبئت عن عمران بن حصين ، قال: ثم سلم".

                                وهذا يدل على أن ذكر السلام ليس - أيضا- في حديث أبي هريرة ، إنما هو في حديث عمران بن حصين .

                                وإنما رواه ابن سيرين ، عن خالد الحذاء ، عن أبي قلابة ، عن أبي المهلب ، عن عمران ، قاله الإمام أحمد .

                                ورواه كذلك عن يحيى القطان ، عن أشعث ، عن ابن سيرين .

                                وخرج الطبراني ، من رواية معاوية بن عبد الكريم الضال ، عن ابن سيرين ، عن أبي هريرة ، حديث السهو بطوله، وفيه: فقام فصلى الركعتين، ثم سجد سجدتين وهو جالس، ثم سلم .

                                هذه الزيادة غير محفوظة في حديث أبي هريرة ، إنما ذكرها ابن سيرين بعد حديث أبي هريرة بلاغا عن عمران بن حصين .

                                وخرجه مسلم من طريق الثقفي وابن علية ، عن خالد الحذاء ، عن أبي قلابة ، عن أبي المهلب ، عن عمران بن حصين ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم.

                                وروى محمد بن عبد الله الأنصاري : حدثنا أشعث ، عن ابن سيرين ، عن خالد ، عن أبي قلابة ، عن أبي المهلب ، عن عمران بن حصين ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم- صلى بهم فسها، فسجد سجدتين، ثم تشهد، ثم سلم .

                                خرجه أبو داود ، والترمذي وقال: حديث حسن غريب، وابن حبان في " صحيحه"، والحاكم وقال: صحيح على شرطهما.

                                وضعفه آخرون، وقالوا: ذكر التشهد فيه غير محفوظ، منهم: محمد بن [ ص: 481 ] يحيى الذهلي والبيهقي ، ونسبا الوهم إلى أشعث .

                                وأشعث، هو: ابن عبد الملك الحمراني ، ثقة.

                                وعندي; أن نسبة الوهم إلى الأنصاري فيه أقرب، وليس هو بذاك المتقن جدا في حفظه، وقد غمزه ابن معين وغيره.

                                ويدل على هذا: أن يحيى القطان رواه عن أشعث ، عن ابن سيرين ، عن خالد ، عن أبي قلابة ، عن أبي المهلب ، عن عمران في السلام خاصة، كما رواه عنه الإمام أحمد ، ذكره ابنه عبد الله ، عنه في " مسائله".

                                فهذه رواية يحيى القطان - مع جلالته وحفظه وإتقانه- عن أشعث ، إنما فيها ذكر السلام فقط.

                                وخرجه النسائي ، عن محمد بن يحيى بن عبد الله ، عن الأنصاري ، عن أشعث ، ولم يذكر التشهد.

                                فإما أن يكون الأنصاري اختلف عليه في ذكره، وهو دليل على أنه لم يضبطه، وإما أن يكون النسائي ترك ذكر التشهد من عمد; لأنه استنكره.

                                وقد روى معتمر بن سليمان ، وهشيم ، عن خالد الحذاء حديث عمران بن حصين ، وذكرا فيه: أن النبي - صلى الله عليه وسلم- صلى ركعة، ثم تشهد وسلم، ثم سجد سجدتي السهو، ثم سلم .

                                فهذا هو الصحيح في حديث عمران ، ذكر التشهد في الركعة المقضية، لا في سجدتي السهو.

                                [ ص: 482 ] وأشار إلى ذلك البيهقي .

                                وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم- التشهد في سجود السهو، من حديث ابن مسعود ، وله طرق:

                                أجودها: رواية خصيف عن أبي عبيدة ، عنه، مع الاختلاف في رفع الحديث، ووقفه أشبه، أو مع الاختلاف في ذكر السجود قبل السلام وبعده.

                                وروي من وجوه أخر، لا يثبت منها شيء.

                                وروي - أيضا- من حديث عائشة مرفوعا.

                                خرجه الطبراني .

                                وإسناده ساقط.

                                وقال الجوزجاني : لا نعلم في شيء من فعل الرسول صلى الله عليه وسلم في سجدتي السهو قبل السلام وبعده، أنه يتشهد بعدهما.

                                وقال - أيضا-: ليس في التشهد في سجود السهو سنة قائمة تتبع.

                                وقال ابن المنذر : السلام في سجود السهو ثابت عن النبي - صلى الله عليه وسلم- من غير وجه، وثبت عنه أنه كبر فيهما أربع تكبيرات.

                                وفي ثبوت التشهد عن النبي - صلى الله عليه وسلم- فيهما نظر.

                                [ ص: 483 ] وخرج أبو داود في " سننه" من حديث سلمة بن علقمة ، عن محمد ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم- بحديث السهو، وفي آخره: قلت لمحمد : يعني التشهد؟ قال: لم أسمع في التشهد، وأحب إلي أن يتشهد .

                                وهذه الرواية تدل على أن رواية أشعث عنه في التشهد لا أصل لها; لأن ابن سيرين أنكر أن يكون سمع في التشهد شيئا.

                                والرواية التي ساقها البخاري من رواية سلمة بن علقمة ، عن ابن سيرين ، إنما فيها أنه قال: " ليس في حديث أبي هريرة " يعني: التشهد.

                                وقد بقي من فوائد حديث أبي هريرة أحكام، لم يتقدم ذكرها:

                                فمنها: أن الإمام إذا سها ، ولم يتيقن سهوه، فذكره المأمومون، فإن ذكر سهوه عمل بذكره، بغير خلاف بين العلماء.

                                وقد قال صلى الله عليه وسلم: " إنما أنا بشر، أنسى كما تنسون، فإذا نسيت فذكروني".

                                وأما إن لم يذكر سهوه حين ذكروه، فظاهر حديث أبي هريرة يدل على أنه يرجع إلى قول المأمومين، إذا لم يتيقن أنه على الصواب يقينا، وكذلك حديث عمران بن حصين ، وحديث معاوية بن حديج .

                                وقد بوب البخاري على ذلك في أبواب الإمامة: " باب: هل يأخذ الإمام إذا شك بقول الناس؟ ".

                                وخرج فيه حديث أبي هريرة ، من طريق ابن سيرين ، ومن طريق أبي سلمة .

                                [ ص: 484 ] وبهذا قال جمهور أهل العلم، وهو قول عطاء وأبي حنيفة والثوري ومالك - في رواية- وأحمد وغيرهم.

                                واختلفوا: هل يجب الرجوع إلى قولهم، أم يستحب؟

                                فقال أبو حنيفة : يجب.

                                وهو ظاهر مذهب أحمد ، وروي عنه، أنه يستحب الرجوع إليهم، وله أن يبني على يقين نفسه، أو يتحرى، كما لو كان منفردا.

                                وقال ابن عقيل من أصحابنا: إنما يرجع إلى قول المأمومين، إذا قلنا: إن الإمام يتحرى، ولا يعمل بيقين نفسه; فإن أكثر ما يفيد قولهم غلبة الظن، فيكون الرجوع إليهم من باب التحري، فأما إذا قلنا: يعمل باليقين، لم يلتفت إليهم.

                                وجمهور أصحابنا على خلاف هذا، وأنه يرجع إليهم على كلا القولين; فإن قول اثنين فصاعدا من المأمومين حجة شرعية، فيجب العمل بها، وإن لم يوجب العلم، كسائر الحجج الشرعية التي يجب العمل بها من البينات وغيرها، وإنما محل الخلاف في التحري بالأمارات المجردة عن حجة شرعية.

                                وقال الشافعية ومالك - في رواية أخرى-: لا يرجع الإمام إلى قول المأمومين، إذا لم يذكر ما ذكروه به، بل يبني على يقين نفسه.

                                ولأصحابهما قول آخر: أنه يرجع إليهم، إذا كثروا; لبعد اتفاقهم على الخطأ، فأما الواحد والاثنان، فلا.

                                وذهب أبو حنيفة إلى أنه يجب الرجوع إلى قول واحد من المأمومين; لأنه خبر ديني، فهو كالإخبار بالقبلة ونحوها.

                                [ ص: 485 ] وكذا قال إسحاق : يرجع إلى قول واحد.

                                ومذهب مالك وأحمد : لا يرجع إلى قول واحد من المأمومين، بل إلى ما زاد على الواحد; لحديث أبي هريرة ، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم- لم يكتف بقول ذي اليدين حتى سأل غيره، فلما أخبروه عمل بقولهم، ولأن انفراد الواحد من بين المأمومين بالتنبيه على السهو، مع اشتراكهم جميعا في الصلاة يوجب ريبة، فلذلك احتاج إلى قول آخر يعضده.

                                وقد تقدم القول في هذا بأبسط من هذا الكلام في " باب: هل يأخذ الإمام إذا شك بقول الناس؟ ".

                                ومنها: أن النبي - صلى الله عليه وسلم- كان قد وقع منه في هذه الصلاة سلام من نقص وقيام ومشي وكلام، وكل واحد من هذه سبب يقتضي السجود بانفراده، ولم يسجد إلا سجدتين.

                                وكذلك حديث ابن بحينة ، فإن فيه أن النبي - صلى الله عليه وسلم- ترك التشهد الأول والجلوس له، ويقتضي ذلك ترك التكبيرة للقيام منه، وقد سجد سجدتين.

                                فدل على أن السهو إذا تعدد ، لم يوجب أكثر من سجدتين.

                                وهذا قول جمهور العلماء، إذا كان من جنس واحد، وإنما خالف فيه الأوزاعي .

                                ويدل على الاكتفاء بسجود واحد، وإن تعدد السهو: أنه شرع تأخر السجود إلى آخر الصلاة، فدل على أنه يكتفى به لجميع ما يتجدد في الصلاة من السهو، إذ لو كان لكل سهو سجود، لشرع السجود عقب كل سهو عنده.

                                ومنها: أنه سجد للسهو بعد السلام، وسنذكر هذه المسألة مستوفاة فيما بعد إن شاء الله تعالى.



                                الخدمات العلمية