الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                  26 1 - حدثنا أحمد بن يونس، وموسى بن إسماعيل، قالا: حدثنا إبراهيم بن سعد، قال: حدثنا ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل: أي العمل أفضل؟ فقال: إيمان بالله ورسوله. قيل: ثم ماذا؟ قال: الجهاد في سبيل الله. قيل: ثم ماذا؟ قال: حج مبرور.

                                                                                                                                                                                  التالي السابق


                                                                                                                                                                                  مطابقة هذا الحديث للترجمة ظاهرة، وهي إطلاق العمل على الإيمان. وقال ابن بطال: الآية حجة في أن العمل به ينال درجات الآخرة، وأن الإيمان: قول وعمل، ويشهد له الحديث المذكور، وأراد به هذا الحديث، ثم قال: وهو مذهب جماعة أهل السنة. قال أبو عبيدة: وهو قول مالك، والثوري، والأوزاعي، ومن بعدهم، ثم قال: وهو مراد البخاري بالتبويب، وقال أيضا في هذا الحديث: إن النبي صلى الله عليه وسلم جعل الإيمان من العمل، وفرق في أحاديث أخر بين الإيمان والأعمال، وأطلق اسم الإيمان مجردا على التوحيد وعمل القلب، والإسلام على النطق وعمل الجوارح، وحقيقة الإيمان مجرد التصديق المطابق للقول والعقد، وتمامه بتصديق العمل بالجوارح، فلهذا أجمعوا أنه لا يكون مؤمن تام الإيمان إلا باعتقاد، وقول وعمل، وهو الإيمان الذي ينجي رأسا من نار جهنم، ويعصم المال والدم، وعلى هذا يصح إطلاق الإيمان على جميعها، وعلى بعضها من عقد أو قول أو عمل، وعلى هذا لا شك بأن التصديق والتوحيد أفضل الأعمال; إذ هو شرط فيها.

                                                                                                                                                                                  (بيان رجاله)، وهم ستة:

                                                                                                                                                                                  الأول: أحمد بن يونس، هو أحمد بن عبد الله بن يونس بن عبد الله بن قيس اليربوعي التميمي يكنى بأبي عبد الله، واشتهر بأحمد بن يونس منسوبا إلى جده، يقال: إنه مولى الفضيل بن عياض سمع مالكا وابن أبي ذئب، والليث، والفضيل، وخلقا كثيرا، روى عنه أبو زرعة، وأبو حاتم، وإبراهيم الحربي، والبخاري، ومسلم، وأبو داود، وروى البخاري عن يوسف بن موسى عنه، وروى الترمذي، والنسائي، وابن ماجه عن رجل عنه.

                                                                                                                                                                                  قال أبو حاتم: كان ثقة متقنا. وقال أحمد فيه: شيخ الإسلام، توفي في ربيع الآخر سنة سبع وعشرين ومائتين، وهو ابن أربع وتسعين سنة.

                                                                                                                                                                                  الثاني: موسى بن إسماعيل المنقري بكسر الميم، وقد سبق ذكره.

                                                                                                                                                                                  الثالث: إبراهيم بن سعد سبط عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه، وقد سبق ذكره.

                                                                                                                                                                                  الرابع: محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، وقد سبق ذكره.

                                                                                                                                                                                  الخامس: سعيد بن المسيب، بضم الميم، وفتح الياء على المشهور، وقيل: بالكسر، وكان يكره فتحها، وأما غير والد سعيد فبالفتح من غير خلاف كالمسيب بن رافع، وابنه العلاء بن المسيب وغيرهما، والمسيب، هو ابن حزن، بفتح الحاء المهملة، وسكون الزاي المعجمة ابن أبي وهب بن عمرو بن عايذ بالياء آخر الحروف، والذال المعجمة ابن عمران بن مخزوم بن يقظة، بفتح الياء آخر الحروف، والقاف، والظاء المعجمة ابن مرة القرشي المخزومي المدني إمام التابعين، وفقيه الفقهاء، أبوه وجده صحابيان أسلما يوم فتح مكة، ولد لسنتين مضتا من خلافة عمر رضي الله عنه، وقيل: لأربع، سمع عمر، وعثمان، وعليا، وسعد بن أبي وقاص، وأبا هريرة رضي الله عنهم، وهو زوج بنت أبي هريرة، وأعلم الناس بحديثه، وروى عنه خلق من التابعين وغيرهم، واتفقوا على جلالته وإمامته، وتقدمه على أهل عصره في العلم والتقوى، وقال ابن المديني: لا أعلم في التابعين أوسع علما منه. وقال أحمد: سعيد أفضل التابعين؟ فقيل له: فسعيد عن عمر حجة، قال: فإذا لم يقبل سعيد عن عمر، فمن يقبل؟ وقال أبو حاتم: ليس [ ص: 187 ] في التابعين أنبل من سعيد بن المسيب، وهو أثبتهم. وقال النووي في (تهذيب الأسماء): وأما قولهم: إنه أفضل التابعين فمرادهم أفضلهم في علوم الشرع، وإلا ففي صحيح مسلم عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يقول: " إن خير التابعين رجل يقال له: أويس، وبه بياض، فمروه فليستغفر لكم ". وقال أحمد بن عبد الله: كان صالحا فقيها من الفقهاء السبعة بالمدينة، وكان أعور. وقال ابن قتيبة: كان جده حزن أتى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال له: أنت سهل؟ قال: لا، بل أنا حزن، ثلاثا. قال سعيد: فما زلنا نعرف تلك الحزونة فينا، ففي ولده سوء خلق، وكان حج أربعين حجة لا يأخذ العطاء، وكان له بضاعة أربعمائة دينار يتجر بها في الزيت، وكان جابر بن الأسود على المدينة، فدعا سعيدا إلى البيعة لابن الزبير فأبى فضربه ستين سوطا، وطاف به المدينة، وقيل: ضربه هشام بن الوليد أيضا حين امتنع للبيعة للوليد، وحبسه وحلقه، مات سنة ثلاث أو أربع أو خمس وتسعين في خلافة الوليد بن عبد الملك بالمدينة، وكان يقال لهذه السنة: سنة الفقهاء لكثرة من مات فيها منهم. وقال الشيخ قطب الدين في (شرحه)، وفي نسب سعيد هذا: يتفاضل النساب في تحقيقه، فإن في بني مخزوم عابدا بالباء الموحدة، والدال المهملة، وعايذ بالمثناة آخر الحروف، والذال المعجمة، فالأول هو عابد بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم، ومن ولده السائب والمسيب ابنا أبي السائب، واسم أبي السائب صيفي بن عابد بن عبد الله، وولده عبد الله بن السائب شريك النبي صلى الله عليه وسلم، وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال فيه: نعم الشريك. وقيل: الشريك أبوه السائب، وعتيق بن عابد بن عبد الله، وكان على خديجة أم المؤمنين رضي الله عنها قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأما عايذ بن عمران فمن ولده سعيد وأبوه كما تقدم، وفاطمة أم عبد الله والد رسول الله صلى الله عليه وسلم بنت عمرو بن عايذ بن عمران، وهبيرة بن أبي وهيب بن عمرو بن عايذ بن عمران، وهبيرة هذا هو زوج أم هانئ بنت أبي طالب فر من الإسلام يوم فتح مكة، فمات كافرا بنجران، والله أعلم.

                                                                                                                                                                                  السادس: أبو هريرة عبد الرحمن بن صخر رضي الله عنه، وقد مر ذكره.

                                                                                                                                                                                  (بيان لطائف إسناده) منها أن فيه التحديث والعنعنة.

                                                                                                                                                                                  ومنها أن فيه شيخين للبخاري.

                                                                                                                                                                                  ومنها أن فيه أربعة كلهم مدنيون.

                                                                                                                                                                                  (بيان من أخرجه غيره) أخرجه مسلم أيضا في كتاب الإيمان، وأخرجه النسائي أيضا نحوه، وفي رواية للنسائي: " أي الأعمال أفضل؟ قال: الإيمان بالله ورسوله "، ولم يزد، وأخرجه الترمذي أيضا، ولفظه قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي الأعمال خير، وذكر الحديث، وفيه قال: الجهاد سنام العمل.

                                                                                                                                                                                  (بيان اللغات) قوله: " أفضل " ، أي: الأكثر ثوابا عند الله، وهو أفعل التفضيل من فضل يفضل، من باب دخل يدخل، ويقال: فضل يفضل من باب سمع يسمع، حكاها ابن السكيت، وفيه لغة ثالثة فضل بالكسر يفضل بالضم، وهي مركبة شاذة لا نظير لها. قال سيبويه: هذا عند أصحابنا إنما يجيء على لغتين. قال: وكذلك نعم ينعم، ومت تموت، ودمت تدوم، وكدت تكاد، وفي (العباب) فضلته فضلا، أي: غلبته بالفضل، وفضل منه شيء، والفضل والفضيلة خلاف النقص والنقيصة.

                                                                                                                                                                                  قوله: " الجهاد " مصدر جاهد في سبيل الله مجاهدة، وجهادا، وهو من الجهد بالفتح، وهو المشقة، وهو القتال مع الكفار لإعلاء كلمة الله، والسبيل: الطريق، يذكر ويؤنث.

                                                                                                                                                                                  قوله: " حج مبرور " الحج في اللغة القصد، وأصله من قولك: حججت فلانا أحجه حجا إذا عدت إليه مرة بعد أخرى، فقيل: حج البيت; لأن الناس يأتونه في كل سنة، قاله الأزهري، وفي (العباب) رجل محجوج، أي: مقصود، وقد حج بنو فلان فلانا إذا أطالوا الاختلاف إليه. قال المخبل السعدي:


                                                                                                                                                                                  واشهد من عوف حلولا كثيرة يحجون سب الزبرقان المزعفرا

                                                                                                                                                                                  قال ابن السكيت: يقول: يكثرون الاختلاف إليه هذا الأصل، ثم تعورف استعماله في القصد إلى مكة حرسها الله للنسك تقول: حججت البيت أحجه حجا فأنا حاج، ويجمع على حجج مثل بازل وبزل، وعائذ وعوذ، انتهى.

                                                                                                                                                                                  وفي الشرع: الحج قصد زيارة البيت على وجه التعظيم.

                                                                                                                                                                                  وقال الكرماني: الحج قصد الكعبة للنسك بملابسة الوقوف بعرفة. قلت: الحلول، بضم الحاء المهملة، يقال: قوم حلول، أي: نزول، وكذلك حلال بالكسر، والسب بكسر السين المهملة، وتشديد الباء الموحدة [ ص: 188 ] العمامة، والزبرقان بكسر الزاي، وسكون الباء الموحدة، وكسر الراء المهملة، وبالقاف هو لقب، واسمه الحصين. قال ابن السكيت: لقب الزبرقان لصفرة عمامته، والمبرور هو الذي لا يخالطه إثم، ومنه برت يمينه إذا سلم من الحنث، وقيل: هو المقبول، ومن علامات القبول أنه إذا رجع يكون حاله خيرا من الحال الذي قبله، وقيل: هو الذي لا رياء فيه، وقيل: هو الذي لا تتعقبه معصية، وهما داخلان فيما قبلهما، والبر بالكسر الطاعة والقبول، يقال: بر حجك، بضم الباء وفتحها لازمين، وبر الله حجك، وأبر الله، أي قبله فله أربع استعمالات، وقال الأزهري: المبرور المتقبل، يقال: بر الله حجه يبره، أي تقبله، وأصله من البر، وهو اسم لجماع الخير، وبررت فلانا أبره برا إذا وصلته، وكل عمل صالح بر، وجعل لبيد البر التقوى، فقال:


                                                                                                                                                                                  وما البر إلا مضمرات من التقى وما المال إلا معمرات ودائع

                                                                                                                                                                                  قوله: مضمرات، يعني: الخفايا من التقى.

                                                                                                                                                                                  قوله: " وما المال إلا معمرات " أي: المال الذي في أيديكم ودائع مدة عمركم، ثم يصير لغيركم، وأما قول عمرو بن أم مكتوم:


                                                                                                                                                                                  نحز رؤوسهم في غير بر



                                                                                                                                                                                  فمعناه في غير طاعة، وفي (العباب): المبرة والبر خلاف العقوق، وقوله تعالى: أتأمرون الناس بالبر أي: بالاتساع في الإحسان والزيادة منه، وقوله عز وجل: لن تنالوا البر قال السدي: يعني الجنة، والبر أيضا الصلة، تقول: منه بررت، والذي بالكسر، وبررته بالفتح أبره برا، والمبرور الذي لا شبهة فيه، ولا خلابة، وقال أبو العباس: هو الذي لا يدالس فيه، ولا يوالس، يدالس فيه: يظلم فيه، ويوالس: يخون.

                                                                                                                                                                                  (بيان الإعراب): قوله: " سئل " جملة في محل الرفع; لأنها خبر أن، والسائل هو أبو ذر رضي الله عنه، وحديثه في العتق.

                                                                                                                                                                                  قوله: " أي العمل " كلام إضافي مبتدأ، وخبره أفضل، وأي هاهنا استفهامية، ولا تستعمل إلا مضافا إليه إلا في النداء والحكاية، يقال: جاءني رجل، فتقول: أي يا هذا، وجاءني رجلان، فتقول: أيان. ورجال فتقول: أيون. فإن قلت: أفضل أفعل التفضيل، ولا يستعمل إلا بأحد الأوجه الثلاثة، وهي الإضافة واللام، ومن فلا يجوز أن يقال: زيد أفضل. قلت: إذا علم يجوز استعماله مجردا، نحو: الله أكبر، أي: أكبر من كل شيء، ومنه قوله تعالى: أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير وسواء في ذلك كون أفعل خبرا كما في الآية أو غير خبر كما في قوله تعالى: يعلم السر وأخفى وقد يجرد أفعل عن معنى التفضيل، ويستعمل مجردا مؤولا باسم الفاعل، نحو قوله تعالى: هو أعلم بكم إذ أنشأكم من الأرض وقد يؤول بالصفة كما في قوله تعالى: وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه

                                                                                                                                                                                  قوله: " قال" أي النبي عليه السلام، قوله: " إيمان بالله " مرفوع على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي: هو إيمان بالله، والتقدير أفضل الأعمال الإيمان بالله.

                                                                                                                                                                                  قوله: " ورسوله " بالجر تقديره: والإيمان برسوله.

                                                                                                                                                                                  قوله: " قيل " مجهول. قال: وأصله قول، نقلت كسرة الواو إلى القاف بعد سلب حركتها، فصار قول بكسر القاف وسكون الواو، ثم قلبت الواو ياء لسكونها، وانكسار ما قبلها فصار: قيل، والقائل هو السائل في الأول.

                                                                                                                                                                                  قوله: " ثم ماذا " ، كلمة ثم للعطف مع الترتيب الذكري، وما مبتدأ، وذا خبره، وكلمة ما استفهامية، وذا اسم إشارة، والمعنى: ثم أي شيء أفضل بعد الإيمان بالله ورسوله، ويجوز أن تكون الجملة كلها استفهاما على الترتيب.

                                                                                                                                                                                  قوله: " الجهاد " مرفوع على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي: هو الجهاد، والتقدير: أفضل الأعمال بعد الإيمان بالله ورسوله الجهاد، وكذلك الكلام في إعراب قوله: " ثم ماذا؟ قال: حج مبرور ".

                                                                                                                                                                                  (بيان المعاني والبيان) فيه حذف المبتدأ في ثلاث مواضع، الذي هو المسند إليه لكونه معلوما احترازا عن العبث، وفيه تنكير الإيمان والحج، وتعريف الجهاد، وذلك لأن الإيمان والحج لا يتكرر وجوبهما بخلاف الجهاد; فإنه قد يتكرر، فالتنوين للإفراد الشخصي، والتعريف للكمال إذ الجهاد لو أتى به مرة مع الاحتياج إلى التكرار لما كان أفضل، وقال بعضهم: وتعقب عليه بأن التنكير من جملة وجوهه التعظيم، وهو يعطي الكمال، وبأن التعريف من جملة وجوهه العهد، وهو يعطي الإفراد الشخصي فلا يسلم الفرق. قلت: هذا التعقيب فاسد; لأنه لا يلزم من كون التعظيم من جملة وجوه التنكير أن يكون دائما للتعظيم، بل يكون تارة للإفراد، وتارة للنوعية، وتارة للتعظيم، وتارة للتحقير، وتارة للتكثير، وتارة للتقليل، ولا يعرف الفرق، ولا يميز إلا بالقرينة الدالة على واحد منها، وهاهنا دلت القرينة على أن التنكير للإفراد الشخصي، وقوله: وبأن التعريف من وجوهه العهد فاسد عند المحققين; لأن عندهم أصل التعريف للعهد، وفرق كثير بين كونه للعهد، وبين [ ص: 189 ] كون العهد من وجوهه على أنا وإن سلمنا ما قاله، ولكنا لا نسلم كونه للعهد هاهنا; لأن تعريف الاسم تارة يكون لواحد من أفراد الحقيقة الجنسية باعتبار عهديته في الذهن لكونه فردا من أفرادها، وتارة يكون لاستغراق جميع الأفراد، ولا يفرق بينهما إلا بالقرينة على أنا نقول: إن المعهود الذهني في المعنى كالنكرة نحو: رجل، فإن السوق في قولك: ادخل السوق يحتمل كل فرد، فرد من أفراد السوق على البدل، كما أن رجلا يحتمل كل فرد، فرد من ذكور بني آدم على البدل، ولهذا يقدر يسبني في قول الشاعر:


                                                                                                                                                                                  ولقد أمر على اللئيم يسبني فمضيت ثمت قلت لا يعنيني

                                                                                                                                                                                  وصفا للئيم لا حالا لوجوب كون ذي الحال معرفة، واللئيم كالنكرة فافهم. فإن قلت: قد وقع في (مسند الحارث بن أبي أسامة)، عن إبراهيم بن سعد، ثم جهاد بالتنكير، كما وقع إيمان وحج. قلت: يكون التنكير في الجهاد على هذه الرواية للإفراد الشخصي كما في الإيمان، والحج مع قطع النظر عن تكرره عند الاحتياج، أو يكون التنوين في الثلاثة إشارة إلى التعظيم، وبهذا يرد على من يقول: إن التنكير والتعريف فيه من تصرف الرواة; لأن مخرجه واحد، فالإطالة في طلب الفرق في مثل هذا غير طائلة، ولقد صدق القائل: إنباض عن غير توتير.

                                                                                                                                                                                  (بيان استنباط الفوائد) منها الدلالة على نيل الدرجات بالأعمال.

                                                                                                                                                                                  ومنها الدلالة على أن الإيمان قول وعمل.

                                                                                                                                                                                  ومنها الدلالة على أن الأفضل بعد الإيمان الجهاد، وبعده الحج المبرور. فإن قلت: في حديث ابن مسعود رضي الله عنه: أي العمل أفضل؟ قال: الصلاة على وقتها. ثم ذكر بر الوالدين، ثم الجهاد، وفي حديث ابن عمر رضي الله عنهما، أي الإسلام خير؟ قال: تطعم الطعام، وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف. وفي حديث أبي موسى رضي الله عنه: " أي الإسلام أفضل؟ قال: من سلم المسلمون من لسانه ويده. وفي حديث أبي ذر رضي الله عنه: " سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي العمل أفضل؟ قال: الإيمان بالله، والجهاد في سبيله. قلت: فأي الرقاب أفضل؟ قال: أغلاها ثمنا، وأنفسها عند أهلها ". الحديث، ولم يذكر فيه الحج، وكلها في الصحيح. قلت: قد ذكر الإمام الحسين بن الحسن بن محمد بن حكيم الحليمي الشافعي عن القفال الكبير الشافعي الشاشي، واسمه أبو بكر محمد بن علي في كيفية الجمع وجهين، أحدهما: أنه جرى على اختلاف الأحوال والأشخاص كما روي أنه عليه السلام قال: حجة لمن يحج أفضل من أربعين غزوة، وغزوة لمن حج أفضل من أربعين حجة، والآخر أن لفظة من مرادة، والمراد من أفضل الأعمال كذا، كما يقال: فلان أعقل الناس، أي: من أعقلهم، ومنه قوله عليه السلام: " خيركم خيركم لأهله "، ومعلوم أنه لا يصير بذلك خير الناس. قلت: وبالجواب الأول أجاب القاضي عياض، فقال: أعلم كل قوم بما لهم إليه حاجة، وترك ما لم تدعهم إليه حاجة، أو ترك ما تقدم علم السائل إليه أو علمه بما لم يكمله من دعائم الإسلام، ولا بلغه عمله، وقد يكون للمتأهل للجهاد الجهاد في حقه أولى من الصلاة وغيرها، وقد يكون له أبوان لو تركهما لضاعا، فيكون برهما أفضل لقوله عليه السلام: ففيهما فجاهد، وقد يكون الجهاد أفضل من سائر الأعمال عند استيلاء الكفار على بلاد المسلمين. قلت: الحاصل أن اختلاف الأجوبة في هذه الأحاديث لاختلاف الأحوال، ولهذا سقط ذكر الصلاة والزكاة والصيام في هذا الحديث المذكور في هذا الباب، ولا شك أن الثلاث مقدمات على الحج والجهاد، ويقال: إنه قد يقال: خير الأشياء كذا، ولا يراد أنه خير من جميع الوجوه في جميع الأحوال والأشخاص، بل في حال دون حال. (فإن قيل): كيف قدم الجهاد على الحج مع أن الحج من أركان الإسلام، والجهاد فرض كفاية، يقال: إنما قدمه للاحتياج إليه أول الإسلام، ومحاربة الأعداء، ويقال: إن الجهاد قد يتعين كسائر فروض الكفاية، وإذا لم يتعين لم يقع إلا فرض كفاية، وأما الحج فالواجب منه حجة واحدة، وما زاد نفل فإن قابلت واجب الحج بمتعين الجهاد كان الجهاد أفضل لهذا الحديث، ولأنه شارك الحج في الفرضية. وزاد بكونه نفعا متعديا إلى سائر الأمة، وبكونه ذبا عن بيضة الإسلام، وقد قيل: ثم هاهنا للترتيب في الذكر كقوله تعالى: ثم كان من الذين آمنوا وقيل: ثم لا يقتضي ترتيبا، فإن قابلت نفل الحج بغير متعين الجهاد كان الجهاد أفضل لما أنه يقع فرض كفاية، وهو أفضل من النفل بلا شك، وقال إمام الحرمين في كتاب (الغياثى): فرض الكفاية عندي أفضل من فرض العين من حيث إن فعله مسقط للحرج عن الأمة بأسرها، وبتركه يعصي المتمكنون منه كلهم، ولا شك في عظم وقع ما هذه صفته، والله أعلم.




                                                                                                                                                                                  الخدمات العلمية