الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                  2769 138 - حدثنا أبو النعمان ، قال : حدثنا جرير بن حازم ، قال : سمعت الحسن يقول : حدثنا عمرو بن تغلب قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : إن من أشراط الساعة أن تقاتلوا قوما ينتعلون نعال الشعر ، وإن من أشراط الساعة أن تقاتلوا قوما عراض الوجوه كأن وجوههم المجان المطرقة .

                                                                                                                                                                                  التالي السابق


                                                                                                                                                                                  مطابقته للترجمة تؤخذ من معنى الحديث ، لأن قوله : ( عراض الوجوه ) إلى آخره صفة الترك .

                                                                                                                                                                                  وأبو النعمان محمد بن الفضل السدوسي ، وجرير بن حازم بالحاء المهملة والزاي ، والحسن هو البصري ، وعمرو بالفتح ابن تغلب بفتح التاء المثناة من فوق وسكون الغين المعجمة وكسر اللام وبالباء الموحدة العبدي من عبد القيس يقال : إنه من النمر بن قاسط يعد في أهل البصرة .

                                                                                                                                                                                  ورجال الإسناد كلهم بصريون .

                                                                                                                                                                                  والحديث أخرجه البخاري أيضا في علامات النبوة عن سليمان بن حرب ، وأخرجه ابن ماجه في الفتن عن أبي بكر بن أبي شيبة .

                                                                                                                                                                                  ( ذكر معناه ) قوله : ( إن من أشراط الساعة ) أي من علامات يوم القيامة ، والأشراط جمع شرط بفتح الراء ، وقال أبو عبيد وبه سميت شرط السلطان لأنهم جعلوا لأنفسهم علامات يعرفون بها ، قوله : ( ينتعلون بنعال الشعر ) معناه أنهم يصنعون من الشعر حبلا ويصنعون منها نعالا ويقال معناه أن شعورهم كثيفة طويلة فهي إذا أسدلوها كاللباس تصل إلى أرجلهم كالنعال ، وإنما كانت نعالهم من الشعر أو من جلود مشعرة لما في بلادهم من الثلج العظيم الذي لا يكون في غيرها ويكون من جلد الذئب وغيره ، وذكر البكري في أخبار الترك : كأن أعينهم حدق الجراد يتخذون الدرق يربطون خيولهم بالحبل ، وفي لفظ : " حتى يقاتل المسلمون الترك يلبسون الشعر " انتهى ، وهذه إشارة إلى الشرابيش التي تدار عليها بالقندس ، والقندس كلب الماء وهو من ذوات الشعر ، والنعال جمع نعل ، والشعر بفتح العين وكسرها ، وقال بعضهم : هذا الحديث والذي بعده ظاهر في أن الذين ينتعلون نعال الشعر غير الترك ، وقد وقع في رواية الإسماعيلي من طريق محمد بن عباد قال : بلغني أن أصحاب بابك كانت نعالهم الشعر ، قلت : هذا الذي قاله غير صحيح ولا احتجاج بهذه الرواية لأن كون نعال أصحاب بابك من الشعر لا ينافي كونها للترك أيضا ولا يفهم من ذلك الخصوصية بذلك لأصحاب بابك على أنه يجوز أن يكون أصحاب بابك أيضا من الترك لأن الترك أجناس كثيرة وخبر البكري يصرح بالرد على هذا القائل وأصرح من هذا ما رواه أبو داود من حديث بريدة : " يقاتلكم قوم صغار الأعين " يعني الترك ، الحديث .

                                                                                                                                                                                  ومع هذا على ما ذكره لا تبقى مطابقة بين الترجمة والحديث أصلا لأن الترجمة بلفظ الترك وإذا كان الذين ينتعلون نعال الشعر غير الترك يكون بين الترجمة [ ص: 201 ] والحديث بون عظيم ، على أن الأوصاف المذكورة فيه وفي الحديث الذي بعده كلها أوصاف الترك ، فإذا كان الترك أجناسا كثيرة لا يلزم أن ينتعل كلهم نعال الشعر وأما بابك الذي ذكره فهو بباءين موحدتين مفتوحتين وفي آخره كاف يقال له بابك الخرمي بضم الخاء المعجمة وتشديد الراء المفتوحة وكان قد أظهر الزندقة وتبعه طائفة فقويت شوكته في أيام المأمون وغلبوا على بلاد كثيرة من بلاد العجم إلى أن قتل في أيام المعتصم في سنة اثنتين وعشرين ومائتين وكان خروجه في سنة إحدى ومائتين ، قوله : ( عراض الوجوه ) قال ابن قرقول : أي سعتها . قوله : ( المجان ) بفتح الميم وتشديد النون جمع مجن بكسر الميم وهو الترس ، قوله : ( المطرقة ) بضم الميم وسكون الطاء المهملة وفتح الراء ، قال الخطابي : هي التي ألبست الأطرقة من الجلود وهي الأغشية منها ، شبه عرض وجوههم ونتوء وجناتهم بظهور الترس والأطرقة جمع طراق وهو جلدة تقدر على قدر الدرقة وتلصق عليها ، وقال القاضي البيضاوي : شبه وجوههم بالترس لبسطها وتدويرها وبالمطرقة لغلظها وكثرة لحمها . وقال الهروي : المجان المطرقة هي التي أطرقت بالعصب ، أي ألبست به . وقيل : المطرقة هي التي ألبست الطراق وهو الجلد الذي يغشاه ويعمل هذا حتى يبقى كأنه ترس على ترس ، وقال ابن قرقول : قال بعضهم : الأصوب فيه المطرقة بتشديد الراء وهو ما ركب بعضه فوق بعض .

                                                                                                                                                                                  فإن قلت : هذا الخبر من جملة معجزات النبي صلى الله عليه وسلم حيث أخبر عن أمر سيكون فهل وقع هذا أم سيقع ؟ قلت : قد وقع بعض ذلك على ما أخبر به رسول الله صلى الله عليه وسلم في سنة سبع عشرة وستمائة وقد خرج جيش عظيم من الترك فقتلوا أهل ما وراء النهر وما دونه من جميع بلاد خراسان ولم ينج منهم إلا من اختفى في المغارات والكهوف فهتكوا في بلاد الإسلام إلى أن وصلوا إلى بلاد قهستان فخربوا مدينة الري وقزوين وأبهر وزنجان وأردبيل ومراغة كرسي بلاد أذربيجان واستأصلوا شأفة من في هذه البلاد من سائر الطوائف واستباحوا النساء وذبحوا الأولاد ثم وصلوا إلى العراق الثاني وأعظم مدنه مدينة أصفهان وقتلوا فيها من الخلائق ما لا يحصى وربطوا خيولهم إلى سواري المساجد والجوامع ، كما جاء في الحديث .

                                                                                                                                                                                  وروى أبو داود الطيالسي من حديث عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لينزلن طائفة من أمتي أرضا يقال لها البصرة فيجيء بنو قنطورا عراض الوجوه صغار العيون حتى ينزلوا على جسر لهم يقال له دجلة فيفترق المسلمون ثلاث فرق ، أما فرقة فتأخذ بأذناب الإبل فتلحق بالبادية فهلكت وأما فرقة فتأخذ على أنفسها فكفرت فهذه وذلك سواء وأما فرقة فيجعلون عيالاتهم خلف ظهورهم ويقاتلون فقتلاهم شهيد ويفتح الله على بقيتهم " .

                                                                                                                                                                                  وروى البيهقي من حديث بريدة : " إن أمتي يسوقها قوم عراض الوجوه كأن وجوههم الجحف ، ثلاث مرات ، حتى يلحقوهم بجزيرة العرب ، قالوا : يا نبي الله ، من هم ؟ قال : الترك ، والذي نفسي بيده ليربطن خيولهم إلى سواري مساجد المسلمين " .




                                                                                                                                                                                  الخدمات العلمية