الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                  896 61 - حدثنا سعيد بن أبي مريم ، قال : حدثنا أبو غسان ، قال : حدثني أبو حازم ، عن سهل بن سعد قال : كانت فينا امرأة تجعل على أربعاء في مزرعة لها سلقا ، فكانت إذا كان يوم جمعة تنزع أصول السلق فتجعله في قدر ، ثم تجعل عليه قبضة من شعير تطحنها ، فتكون أصول السلق عرقه ، وكنا ننصرف من صلاة الجمعة فنسلم عليها ، فتقرب ذلك الطعام إلينا ، فنلعقه ، وكنا نتمنى يوم الجمعة لطعامها ذلك .

                                                                                                                                                                                  التالي السابق


                                                                                                                                                                                  مطابقته للترجمة التي هي آية من القرآن الكريم من حيث إن في الآية الانتشار بعد الفراغ من الصلاة ، وهو الانصراف منها ، وفي الحديث أيضا كانوا ينصرفون بعد فراغهم من صلاة الجمعة ، وفي الآية الابتغاء من فضل الله الذي هو الرزق .

                                                                                                                                                                                  [ ص: 252 ] وفي الحديث أيضا : كانوا بعد انصرافهم منها يبتغون ما كانت تلك المرأة تهيؤه من أصول السلق ، وهو أيضا رزق ساقه الله إليهم .

                                                                                                                                                                                  ذكر رجاله ، وهم أربعة ، الأول : سعيد بن أبي مريم ، وهو سعيد بن محمد بن الحكم بن أبي مريم الجمحي مولاهم البصري ، الثاني : أبو غسان بفتح الغين المعجمة ، وتشديد السين المهملة هو محمد بن مطرف المدني ، الثالث : أبو حازم بالحاء المهملة ، وبالزاي هو سلمة بن دينار ، الرابع : سهيل بن سعيد بن مالك الأنصاري الساعدي .

                                                                                                                                                                                  ذكر لطائف إسناده : فيه التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع ، وفيه العنعنة في موضع واحد ، وفيه القول في ثلاثة مواضع ، وفيه راويان مذكوران بالكنية ، وفيه أن رجاله مدنيون ما خلا شيخ البخاري فإنه مصري .

                                                                                                                                                                                  ذكر معناه ، قوله : “ امرأة " لم يعلم اسمها ، قوله : “ تجعل " بالجيم والعين المهملة ، وفي رواية الكشميهني تحقل بالحاء المهملة والقاف ، أي : تزرع .

                                                                                                                                                                                  وقال الجوهري : الحقل الزرع إذا تشعب ورقه قبل أن يغلظ سوقه ، تقول منه أحقل الزرع ، ومنه المحاقلة ، وهو بيع الزرع ، وهو في سنبله ، قوله : “ على أربعاء " جمع ربيع كأنصباء جمع نصيب ، وهو الجداول ، وذكر ابن سيده أن الربيع هو الساقية الصغيرة تجري إلى النخل مجاريه .

                                                                                                                                                                                  وقال ابن التين : هي الساقية ، وقيل : النهر الصغير .

                                                                                                                                                                                  وقال عبد الملك : هو حافات الأحواض ، ومجاري المياه ، الجداول جمع جدول ، وهو النهر الصغير قاله الجوهري ، قوله : “ في مزرعة " بفتح الراء ، وحكى ابن مالك جواز تثليثها ، قوله : “ سلقا " بكسر السين ، وهو معروف ، وانتصابه على أنه مفعول " تجعل " أو " تحقل " على الروايتين .

                                                                                                                                                                                  وقال الكرماني : وسلق بالرفع مبتدأ خبره لها أو مفعول ما لم يسم فاعله على تقدير أن يجعل بلفظ المجهول ، وبالنصب إن كان بلفظ المعروف ، وحينئذ الأصل فيه أن يكتب بالألف لكن جاز على اللغة الربيعية أن يسكن بدون الألف ; لأنهم يقفون على المنصوب المنون بالسكون ، فلا يحتاج الكاتب على لغتهم إلى الألف ، ومثله كثير في هذا الصحيح نحو سمعت أنس ، ورأيت سالم ، انتهى .

                                                                                                                                                                                  قلت : تصرفه في إعراب سلقا تعسف مع عدم مجيء الرواية على الرفع ، وهو منصوب قطعا على ما ذكرنا ، قوله : “ تطحنها " من الطحن ، ومحله النصب على الحال من شعير قاله الكرماني ، وليس كذلك ; لأن شرط ذي الحال أن يكون معرفة ، والجملة بعد النكرة صفة ، وفي رواية المستملي تطبخها من الطبخ ، قوله : “ عرقه " بفتح العين وسكون الراء المهملتين ، وفتح القاف بعدها هاء الضمير ، أي : عرق الطعام الذي تطبخه المرأة من أصول السلق .

                                                                                                                                                                                  وقال بعضهم : أي : عرق الطعام ، وليس بشيء ; لأنه لم يمض ذكره ، ولفظ الطعام قد ذكر فيما بعده ، والعرق اللحم الذي على العظم ، يقال : عرقت العظم عرقا إذا أكلت ما عليه من اللحم ، والمراد أن أصول السلق كانت عوضا عن اللحم ، وفي رواية الكشميهني غرقة بفتح الغين المعجمة ، وكسر الراء ، وبعد القاف هاء تأنيث بمعنى مغروقة يعني السلق يغرق في المرقة لشدة نضجه ، قوله : “ فنلعقه " من لعق يلعق من باب علم يعلم ، واختيار ثعلب في الفصيح هكذا بكسر العين في الماضي ، وفتحها في المستقبل .

                                                                                                                                                                                  ذكر ما يستفاد منه : فيه جواز السلام على النسوة الأجانب ، واستحباب التقرب بالخير ، ولو بالشيء الحقير ، وفيه قناعة الصحابة رضي الله تعالى عنهم ، وشدة العيش ، وعدم حرصهم على الدنيا ولذاتها ، وفيه المبادرة إلى الطاعة .




                                                                                                                                                                                  الخدمات العلمية