الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                  1833 ويذكر عن أبي هريرة رفعه من أفطر يوما من رمضان من غير عذر ولا مرض لم يقضه صيام الدهر وإن صامه .

                                                                                                                                                                                  التالي السابق


                                                                                                                                                                                  أشار بقوله : " يذكر " على صيغة المجهول التي هي صيغة التمريض إلى أن حديث أبي هريرة هذا ليس على شرطه ونبينه الآن . قوله : " رفعه " أي رفع أبو هريرة حديث من أفطر يوما ومراده أنه ليس بموقوف عليه ، بل هو مرفوع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإن قلت : كيف يرجع الضمير المنصوب في رفعه إلى شيء متأخر عنه ؟ قلت : رفعه جملة حالية متأخرة رتبة عن مفعول ما لم يسم فاعله لقوله يذكر وهو قوله من أفطر قال الكرماني : وفي بعض الرواية رفعه بلفظ الاسم مرفوعا بأنه مفعول يذكر ، وحينئذ يكون الحديث يعني قوله : " من أفطر يوما " بدلا عن الضمير يعني الضمير الذي أضيف إليه لفظ الرفع كما في قوله : " ما متعت به سمعي وبصري إلا بدعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم " فإن السمع بدل عن الضمير، جوز النحاة مثله . قوله : " وإن صامه " أي وإن صام الدهر وهو معطوف على مقدر تقديره إن لم يصمه وإن صامه .

                                                                                                                                                                                  ثم هذا التعليق رواه أصحاب السنن الأربعة فقال أبو داود : حدثنا سليمان بن حرب ، حدثنا محمد بن كثير ، قال : أخبرنا شعبة ، عن حبيب بن أبي ثابت ، عن عمارة بن عمير ، عن ابن مطوس ، عن أبيه قال ابن كثير ، عن أبي المطوس ، عن أبيه ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم : " من أفطر يوما في رمضان في غير رخصة رخصها الله له لم يقض عنه صيام الدهر " وقال : حدثنا أحمد بن حنبل قال : حدثنا يحيى بن سعيد ، عن سفيان قال : حدثنا حبيب ، عن عمارة ، عن ابن المطوس قال : فلقيت ابن المطوس فحدثني عن أبيه ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر مثل حديث ابن كثير وسليمان .

                                                                                                                                                                                  قال أبو داود : اختلف على سفيان وشعبة عنهما ابن المطوس وأبو المطوس وقال الترمذي : حدثنا بندار ، حدثنا يحيى بن سعيد وعبد الرحمن بن مهدي قالا : حدثنا سفيان ، عن حبيب بن أبي ثابت ، حدثنا أبو المطوس ، عن أبيه ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " من أفطر يوما من رمضان من غير رخصة ولا مرض لم يقض عنه صوم الدهر كله وإن صامه " وقال النسائي : أخبرنا عمرو بن منصور قال : حدثنا أبو نعيم قال : حدثنا سفيان ، عن حبيب بن أبي ثابت ، عن أبي المطوس ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " من أفطر يوما من رمضان من غير مرض ولا رخصة لم يقضه صيام الدهر كله وإن صامه " وقال : أخبرنا محمد بن بشار قال : حدثنا يحيى وعبد الرحمن قالا : حدثنا سفيان ثم ذكر كلمة معناها ، عن حبيب قال : حدثنا أبو المطوس ، عن أبيه ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " من أفطر يوما من رمضان من غير رخصة ولا مرض لم يقض عنه صيام الدهر وإن صامه " ، ثم رواه النسائي من طرق كثيرة ، وقال ابن ماجه : حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، وعلي بن محمد قالا : حدثنا وكيع ، عن سفيان ، عن حبيب بن أبي ثابت ، عن ابن المطوس ، عن أبيه المطوس ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من أفطر يوما من رمضان من غير رخصة لم يجزه صيام الدهر .

                                                                                                                                                                                  [ ص: 23 ] ذكر بيان حال هذا الحديث، قال أبو داود : اختلف على سفيان وشعبة ابن المطوس وأبو المطوس قال الترمذي : حديث أبي هريرة لا نعرفه إلا من هذا الوجه ، وقال شيخنا يريد الحديث المرفوع ، ومع هذا فقد روي مرفوعا من غير طريق أبي المطوس رواه الدارقطني قال : حدثنا الحسن بن أحمد بن سعيد الرهاوي ، حدثنا العباس بن عبيد الله ، حدثنا عمار بن مطر ، حدثنا قيس ، عن عمرو بن مرة ، عن عبد الله بن الحارث ، عن عبد الله بن مالك ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم " من أفطر يوما من رمضان من غير مرض ولا رخصة لم يقض عنه صيام وإن صام الدهر كله " . قلت : عمار بن مطر هالك . قال أبو حاتم : كان يكذب ، وقال ابن عدي : أحاديثه بواطيل ، وقال الدارقطني ضعيف وقد روي موقوفا على أبي هريرة من غير طريق أبي المطوس ، ورواه النسائي ، عن زكريا بن يحيى ، عن عمرو بن محمد بن الحسن ، عن أبيه ، عن شريك ، عن العلاء بن عبد الرحمن ، عن أبيه ، عن أبي هريرة قال : " من أفطر يوما من رمضان لم يقضه يوم من أيام الدنيا " ورواه أيضا عن هلال ابن العلاء ، عن أبيه ، عن عبيد الله بن عمرو ، عن زيد بن أبي أنيسة ، عن حبيب بن أبي ثابت ، عن علي بن حسين " عن أبي هريرة أن رجلا أفطر في شهر رمضان فأتى أبا هريرة فقال : لا يقبل منك صوم سنة " وقال الترمذي : سألت محمدا يعني البخاري عن هذا الحديث فقال : أبو المطوس اسمه يزيد بن المطوس لا أعرف له غير هذا الحديث ، وقال البخاري في التاريخ : تفرد أبو المطوس بهذا الحديث ولا أدري سمع أبوه من أبي هريرة أم لا . قلت : أبو المطوس بضم الميم وفتح الطاء المهملة وتشديد الواو المفتوحة وآخره سين مهملة من أفراد الكنى ، وكذلك أبوه المطوس من أفراد الأسماء ، وقد اختلف في اسم أبي المطوس فقال البخاري وأبو حاتم الرازي وابن حبان : اسمه يزيد ، وقال يحيى بن معين : اسمه عبد الله وأبو داود قال : لا يسمى ، وقد اختلف فيه فقال ابن معين : ثقة وقال ابن حبان : يروى عن أبيه ما لا يتابع عليه لا يجوز الاحتجاج بأفراده ، وقال صاحب الميزان : ضعيف قال : ولا يعرف هو ولا أبوه . قلت : ومع هذا صحح ابن خزيمة هذا الحديث ، ورواه من طريق سفيان الثوري وشعبة كلاهما عن حبيب بن أبي ثابت ، عن عمارة بن عمير ، عن أبي المطوس ، عن أبيه ، عن أبي هريرة الحديث ، وقال مهنا: سألت أحمد عن هذا الحديث فقال : يقولون عن ابن المطوس وعن أبي المطوس وبعضهم يقول : عن حبيب ، عن عمارة بن عمير ، عن أبي المطوس قال : لا أعرف المطوس ولا ابن المطوس . قلت : أتعرف الحديث من غير هذا الوجه ؟ قال : لا وكذا قاله أبو علي الطوسي ، وقال ابن عبد البر : يحمل أن يكون لو صح على التغليظ وهو حديث ضعيف لا يحتج به .

                                                                                                                                                                                  ذكر ما روي عن غير أبي هريرة في هذا الباب : فروي عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " من أفطر يوما من رمضان متعمدا في غير سبيل خرج من الحسنات كيوم ولدته أمه " وأخرجه ابن عدي في الكامل وفي سنده محمد بن الحارث قال ابن معين : ليس هو بشيء ، وقال مرة ليس بثقة ، وعن الفلاس إنه متروك الحديث ، وفيه محمد بن عبد الرحمن بن البيلماني ، قال ابن معين ليس بشيء ، وروي عن مصاد بن عقبة ، عن مقاتل بن حبان ، عن عمرو بن مرة ، عن عبد الوارث الأنصاري قال : سمعت أنس بن مالك يقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من أفطر يوما من شهر رمضان من غير رخصة ولا عذر كان عليه أن يصوم ثلاثين يوما ، ومن أفطر يومين كان عليه أن يصوم ستين يوما ، ومن أفطر ثلاثة أيام كان عليه تسعين يوما " أخرجه الدارقطني وقال : لا يثبت هذا الإسناد ولا يصح عن عمرو بن مرة ، وأعله ابن القطان بعبد الوارث ، وعن ابن معين إنه مجهول ، وروي عن جابر رضي الله تعالى عنه أخرجه الدارقطني من رواية الحارث بن عبيدة الكلاعي ، عن مقاتل بن سليمان ، عن عطاء بن أبي رباح ، عن جابر بن عبد الله ، عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قال : " من أفطر يوما من شهر رمضان في الحضر فليهد بدنة فإن لم يجد فليطعم ثلاثين صاعا " قال الدارقطني الحارث بن عبيدة ومقاتل ضعيفان .

                                                                                                                                                                                  قوله : " من غير عذر ولا مرض " من ذكر الخاص بعد العام لأن المرض داخل في العذر ، وفي رواية الترمذي : "من غير رخصة ولا مرض " وهو أيضا من هذا القبيل؛ لأن المرض داخل في الرخصة ، ثم إنه أطلق الإفطار فلا يخلو إما [ ص: 24 ] أن يكون بجماع أو غيره ناسيا أو عامدا ، ولكن المراد منه الإفطار في الأكل أو الشرب عامدا وإما ناسيا ، فقد ذكره فيما مضى ، وأما بالجماع فسيأتي بيان ذلك إن شاء الله تعالى .




                                                                                                                                                                                  الخدمات العلمية