الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب

                                                                                                                                                                                  التالي السابق


                                                                                                                                                                                  أي قال عبد الله بن عمر بن الخطاب وسلمة بن الأكوع وهو سلمة بن عمرو بن الأكوع أبو إياس الأسلمي المدني . قوله : " نسختها " أي نسخت آية وعلى الذين يطيقونه آية شهر رمضان أما حديث ابن عمر فوصله في آخر الباب عن عياش بتشديد الياء آخر الحروف والشين المعجمة ، وقد أخرجه عنه أيضا في التفسير ، وأما حديث أم سلمة فوصله في تفسير البقرة بلفظ " لما نزلت وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين كان من أراد أن يفطر أفطر وافتدى ، حتى نزلت الآية التي بعدها فنسختها .

                                                                                                                                                                                  وقد اختلف السلف في قوله عز وجل وعلى الذين يطيقونه فقال قوم : إنها منسوخة واستدلوا بحديث سلمة وابن عمر ومعاذ وهو قول علقمة والنخعي والحسن والشعبي وابن شهاب ، وعلى هذا تكون قراءتهم وعلى الذين يطيقونه بضم الياء وكسر الطاء وسكون الياء الثانية ، وعند ابن عباس هي محكمة وعليه قراءة ( يطوقونه ) بالواو المشددة ، وروي عنه ( يطيقونه ) بضم الطاء والياء المشددتين .

                                                                                                                                                                                  ثم إن الشيخ الكبير والعجوز إذا كان الصوم يجهدهما ويشق عليهما مشقة شديدة فلهما أن يفطرا ويطعما لكل يوم مسكينا ، وهذا قول علي وابن عباس وأبي هريرة وأنس وسعيد بن جبير وطاوس وأبي حنيفة والثوري والأوزاعي وأحمد بن حنبل ، وقال مالك : لا يجب عليه شيء لأنه لو ترك الصوم لعجزه لم تجب فدية كما تركه لمرض اتصل به الموت ، وهو مروي عن ربيعة وأبي ثور وداود ، واختاره الطحاوي وابن المنذر ، وللشافعي قولان كالمذهبين أحدهما : لا تجب الفدية عليهما لعدم وجوب الصوم عليهما ، والثاني : وهو الجديد تجب الفدية [ ص: 52 ] لكل يوم مد من طعام ، وقال البويطي : هي مستحبة ولو أحدث الله تعالى للشيخ الفاني قوة حتى قدر على الصوم بعد الفدية يبطل حكم الفدية ، وفي كتب أصحابنا : فإن أخر القضاء حتى دخل رمضان آخر صام الثاني؛ لأنه في وقته وقضى الأول بعده لأنه وقت القضاء ، ولا فدية عليه ، وقال سعيد بن جبير وقتادة : يطعم ولا يقضي .

                                                                                                                                                                                  وقضاء رمضان إن شاء فرقه وإن شاء تابعه ، وإليه ذهب الشافعي ومالك ، وفي شرح المهذب : فلو قضاه غير مرتب أو مفرقا جاز عندنا وعند الجمهور لأن اسم الصوم يقع على الجميع ، وفي تفسير ابن أبي حاتم وروي عن أبي عبيدة بن الجراح ومعاذ بن جبل وأبي هريرة ورافع بن خديج وأنس بن مالك وعمرو بن العاص وعبيدة السلماني والقاسم وعبيد بن عمير وسعيد بن المسيب وأبي سلمة بن عبد الرحمن وأبي جعفر محمد بن علي بن الحسين وسالم وعطاء وأبي ميسرة وطاوس ومجاهد وعبد الرحمن بن الأسود وسعيد بن جبير والحسن وأبي قلابة وإبراهيم النخعي والحاكم وعكرمة وعطاء بن يسار وأبي الزناد وزيد بن أسلم وقتادة وربيعة ومكحول والثوري ومالك والأوزاعي والحسن بن صالح والشافعي وأحمد وإسحاق أنهم قالوا : يقضي مفرقا ، وروي عن علي وابن عمر وعروة والشعبي ونافع بن جبير بن مطعم ومحمد بن سيرين أنه يقضي متتابعا ، وإلى هذا ذهب أهل الظاهر ، وقال ابن حزم : المتابعة في قضاء رمضان واجبة لقوله تعالى وسارعوا إلى مغفرة من ربكم فإن لم يفعل يقضيها متفرقة لقوله تعالى فعدة من أيام أخر ولم يجد لذلك وقتا يبطل القضاء بخروجه ، وفي الاستذكار عن مالك ، عن نافع ، عن ابن عمر أنه كان يقول : يصوم قضاء رمضان متتابعا من أفطره من مرض أو سفر ، وعن ابن شهاب أن ابن عباس وأبا هريرة اختلفا فقال أحدهما : يفرق ، وقال الآخر : لا يفرق ، وعن يحيى بن سعيد سمع ابن المسيب يقول : أحب أن لا يفرق قضاء رمضان وإن تواتر ، قال أبو عمر : صح عندنا عن ابن عباس وأبي هريرة أنهما أجازا أن يفرقا قضاء رمضان ، وصحح الدارقطني إسناد حديث عائشة نزلت: فعدة من أيام أخر متتابعات ، فسقطت متتابعات ، وقال ابن قدامة : لم تثبت عندنا صحته ، ولو صح حملناه على الاستحباب والأفضلية ، وقيل : ولو ثبتت كانت منسوخة لفظا وحكما ، ولهذا لم يقرأ بها أحد من قراء الشواذ . قلت : وفي المنافع قرأ بها أبي ولم يشتهر فكانت كخبر واحد غير مشهور ، فلا يجوز الزيادة على الكتاب بمثله ، بخلاف قراءة ابن مسعود في كفارة اليمين ، فإنها قراءة مشهورة غير متواترة .

                                                                                                                                                                                  وقال عياض : اختلف السلف في قوله تعالى وعلى الذين يطيقونه هل هي محكمة أو مخصوصة أو منسوخة كلها أو بعضها ، فقال الجمهور : إنها منسوخة ثم اختلفوا هل بقي منها ما لم ينسخ فروي عن ابن عمر والجمهور أن حكم الإطعام باق على من لم يطق الصوم لكبره ، وقال جماعة من السلف ومالك وأبو ثور وداود : جميع الإطعام منسوخ وليس على الكبير إذا لم يطق الصوم إطعام واستحبه له مالك ، وقال قتادة : كانت الرخصة لمن يقدر على الصوم ، ثم نسخ فيه وبقي فيمن لا يطيق ، وقال ابن عباس وغيره نزلت في الكبير والمريض اللذين لا يقدران على الصوم ، فهي عنده محكمة ، لكن المريض يقضي إذا برأ ، وأكثر العلماء على أنه لا إطعام على المريض ، وقال زيد بن أسلم والزهري ومالك هي محكمة ونزلت في المريض يفطر ثم يبرأ فلا يقضي حتى يدخل رمضان آخر ، فيلزمه صومه ثم يقضي بعدما أفطر ويطعم عن كل يوم مدا من حنطة ، فأما من اتصل مرضه برمضان آخر فليس عليه إطعام بل عليه القضاء فقط ، وقال الحسن وغيره : الضمير في يطوقونه عائد على الإطعام لا على الصوم ، ثم نسخ ذلك فهي عنده عامة .




                                                                                                                                                                                  الخدمات العلمية