الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                صفحة جزء
                                                557 ص: وخالفهم في ذلك آخرون فقالوا: لا بأس أن يذكر الله في الأحوال كلها من الجنابة وغيرها، ويقرأ القرآن في ذلك إلا في الجنابة والحيض؛فإنه لا ينبغي لصاحبهما أن يقرأ القرآن.

                                                التالي السابق


                                                ش: أي خالف أهل المقالتين جميعا جماعة آخرون، وأراد بهم: الثوري ، والنخعي ، وأبا حنيفة ، والشافعي ، ومالكا ، وأحمد ، وإسحاق، وأصحابهم، فإنهم قالوا: لا بأس للرجل أن يذكر الله في كل الأحوال سواء كان طاهرا، أو محدثا، أو جنبا، أو حائضا، أو نفساء، وكذا قراءة القرآن إلا في حالة الجنابة والحيض [1\ق143-أ] ، وستجيء الدلائل على ذلك كله.

                                                ثم اعلم أن هذا الحكم فيما يرجع إلى حال الرجل، وأما الحكم فيما يرجع إلى المكان فعلى أنواع:

                                                الأول: بيت الخلاء، فعن ابن عباس كراهة الذكر فيه، وهو قول عطاء ومجاهد أيضا، وقال ابن سيرين والنخعي: لا بأس به.

                                                وفي "المغني" : إذا عطس حمد الله بقلبه، وقال ابن عقيل: هل يحمد الله بلسانه أم بقلبه؟ روايتان.

                                                وعن الشعبي يحمد الله.

                                                قال ابن أبي شيبة : نا ابن إدريس ، عن حصين ، عن الشعبي: "في الرجل يعطس على الخلاء، قال: يحمد الله".

                                                [ ص: 208 ] نا ابن إدريس ، عن أبيه، عن منصور ، عن إبراهيم قال: "يحمد الله فإنه يصعد".

                                                نا ابن إدريس ، عن هشام ، عن الحسن قال: "يحمد الله في نفسه".

                                                نا ابن علية ، عن ابن عون ، عن محمد: "سئل عن الرجل يعطس في الخلاء، قال: لا أعلم بأسا بذكر الله".

                                                نا ابن علية ، عن شعبة ، عن أبي إسحاق: "في الرجل يعطس في الخلاء" قال: قال أبو ميسرة: ما أحب أن أذكر الله إلا في مكان طيب قال: قال منصور: قال إبراهيم: يحمد الله".

                                                وأما إذا. دخل الخلاء ومعه الدراهم، فعن مجاهد أنه مكروه، وعن الحسن لا بأس به.

                                                وقال ابن أبي شيبة : نا ابن علية قال: "سألت ابن أبي نجيح عن الرجل يدخل الخلاء ومعه الدراهم البيض، فقال: كان مجاهد يكرهه".

                                                نا ابن إدريس ، عن هشام ، عن الحسن قال: "كان لا يرى بأسا أن يدخل الرجل الخلاء ومعه الدراهم البيض، قال: وكان القاسم بن محمد يكرهه، ولا يرى بالبيع والشراء بها بأسا".

                                                وأما إذا دخل الخلاء وعليه الخاتم، فعن عطاء أنه لا بأس به، وعن ابن عباس ينزعه.

                                                [ ص: 209 ] وقال ابن أبي شيبة : حدثنا ابن إدريس ، عن عثمان بن الأسود ، عن عطاء: "أنه كان لا يرى بأسا أن يلبس الرجل الخاتم ويدخل به الخلاء، ويجامع فيه، ويكون فيه اسم".

                                                نا عبد الرحمن بن مهدي ، عن زمعة ، عن سلمة [بن] وهرام ، عن عكرمة قال: "كان ابن عباس إذا دخل الخلاء ناولني خاتمه".

                                                نا يزيد بن هارون ، عن هشام ، عن الحسن وابن سيرين: "في الرجل يدخل المخرج وفي يده خاتم فيه اسم الله، قالا: لا بأس به".

                                                نا حفص ، عن ابن أبي رواد عن عكرمة قال: "كان يقول إذا دخل الرجل الخلاء وعليه خاتم فيه ذكر الله تعالى جعل الخاتم مما يلي بطن كفه، ثم عقد عليه بإصبعه".

                                                نا أبو معاوية، قال: نا الأعمش ، عن المنهال ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال: "كان سليمان بن داود عليهما السلام إذا دخل الخلاء نزع خاتمه فأعطاه امرأته".

                                                نا يحيى بن أبي كثير، قال: نا إبراهيم بن نافع ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد: "أنه كان يكره للإنسان أن يدخل الكنيف وعليه خاتم فيه اسم الله".

                                                وأما المحدث إذا مس الدراهم فعن إبراهيم أنه مكروه، وعن الحسن لا بأس به.

                                                [ ص: 210 ] وقال ابن أبي شيبة : نا أبو أسامة ، عن الأعمش ، عن إبراهيم: "أنه كان يكره الدرهم الأبيض وهو على غير وضوء".

                                                نا أبو أسامة ، عن هشام ، عن القاسم: "أنه كان لا يرى بأسا بمس الدرهم الأبيض وهو على غير وضوء".

                                                نا وكيع، قال: نا سفيان ، عن هشام ، عن الحسن قال: "لا بأس أن يمسها على غير وضوء".

                                                نا وكيع ، عن ربيع قال: "كرهه ابن سيرين" .

                                                النوع الثاني: الحمام، وفي "المغني": ولا بأس بذكر الله في الحمام، وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - "أنه كان يذكر الله على كل أحيانه".

                                                فأما قراءة القرآن، فقال أحمد: لم يبن لهذا، وكره قراءة القرآن فيه أبو وائل ، والشعبي ، والحسن ، ومكحول ، وقبيصة بن ذؤيب، ولم يكرهه النخعي ، ومالك .

                                                وأما التسليم فيه فقال أحمد: لا أعلم أني سمعت فيه [شيئا] والأولى جوازه لدخوله في عموم قوله - صلى الله عليه وسلم -: "أفشوا السلام بينكم".

                                                النوع الثالث: المقبرة، وكره بعض الناس القراءة فيها، وكذا الصلاة لظاهر قوله - صلى الله عليه وسلم -: "الأرض كلها مسجد إلا الحمام، والمقبرة". رواه أبو داود ، والترمذي ، وابن ماجه .

                                                [ ص: 211 ] والأصح أنه لا تكره القراءة فيها ولا الصلاة، وعن الشافعي: إذا كانت المقبرة مختلطة التراب بلحوم الموتى [1\ق143-ب]، وصديدهم، وما يخرج منهم لم تجز الصلاة فيها؛ للنجاسة، فإن صلى رجل في مكان طاهر منها أجزأته صلاته، وكذلك الحمام إذا صلى في موضع نظيف منه فلا إعادة عليه، وهذا أيضا قول أصحابنا، ورخص عبد الله بن عمر في الصلاة في المقبرة، وحكي عن الحسن البصري أنه صلى في المقابر، وعن مالك: لا بأس بالصلاة في المقبرة، وقال أبو ثور : لا يصلى في حمام ولا مقبرة لظاهر الحديث، وكان أحمد وإسحاق يكرهان ذلك.




                                                الخدمات العلمية