الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                صفحة جزء
                                                1294 1295 1296 1297 1298 ص: حدثنا أحمد بن عبد الرحمن، قال: ثنا عمي عبد الله بن وهب، قال: أخبرني الليث بن سعد ، عن يعقوب ، عن النعمان -وهو أبو حنيفة- عن موسى بن أبي عائشة ، عن عبد الله بن شداد ، عن جابر بن عبد الله - رضي الله عنه -، أن النبي - عليه السلام - قال: " من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة". .

                                                حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا سفيان الثوري ، عن موسى بن أبي عائشة ، عن عبد الله بن شداد ، عن النبي - عليه السلام - مثله، ولم يذكر جابرا .

                                                حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا إسرائيل ، عن موسى بن أبي عائشة ، عن عبد الله بن شداد ، عن رجل من أهل البصرة، عن النبي - عليه السلام - نحوه.

                                                حدثنا أبو أمية، قال: ثنا إسحاق بن منصور السلولي، قال: ثنا الحسن بن صالح ، عن جابر وليث ، عن أبي الزبير ، عن جابر ، عن النبي - عليه السلام - مثله.

                                                [ ص: 103 ] حدثنا ابن أبي داود وفهد ، قالا: ثنا أحمد بن عبد الله بن يونس ، قال: ثنا الحسن بن صالح ، عن جابر -يعني الجعفي- عن أبي الزبير ، عن جابر ، عن النبي - عليه السلام - مثله.

                                                التالي السابق


                                                ش: هذه خمس طرق:

                                                الأول: مسند صحيح ورجاله ثقات، وأحمد بن عبد الرحمن بن وهب أبو عبد الله المصري ، بحشل ابن أخي عبد الله بن وهب، شيخ مسلم ، وأبي حاتم ، وابن خزيمة ، وابن جرير الطبري وغيرهم، وعمه عبد الله بن وهب روى له الجماعة، والليث بن سعد المصري روى له الجماعة، ويعقوب هو أبو يوسف القاضي أكبر أصحاب أبي حنيفة، قال ابن معين: كان ثقة عدلا صدوقا، وقال ابن المديني: كان صدوقا، وذكره ابن حبان في "الثقات".

                                                والنعمان هو ابن ثابت الكوفي الإمام الأعظم أبو حنيفة صاحب المذهب.

                                                وموسى بن أبي عائشة الهمداني الكوفي روى له الجماعة، وعبد الله بن شداد بن الهاد أبو الوليد المدني روى له الجماعة.

                                                فإن قلت: كيف تقول مسند صحيح وقد قال الدارقطني : ثنا علي بن عبد الله بن مبشر، ثنا محمد بن حرب الواسطي، ثنا إسحاق الأزرق ، عن أبي حنيفة ، عن موسى بن أبي عائشة ، عن عبد الله بن شداد ، عن جابر قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة" لم يسنده عن موسى بن أبي عائشة غير أبي حنيفة والحسن بن عمارة، وهما ضعيفان.

                                                وقال أيضا : حدثنا أحمد بن محمد بن سعيد، ثنا يوسف بن يعقوب بن أبي الأزهر التيمي، ثنا عبيد بن يعيش، ثنا يونس بن بكير، ثنا أبو حنيفة والحسن بن عمارة بهذا، الحسن بن عمارة متروك الحديث، وروى هذا الحديث سفيان [ ص: 104 ] الثوري ، وشعبة ، وإسرائيل ، وشريك ، وأبو خالد الدالاني ، وأبو الأحوص ، وسفيان بن عيينة ، وجرير بن عبد الحميد، وغيرهم عن موسى بن أبي عائشة ، عن عبد الله بن شداد مرسلا عن النبي - عليه السلام -، وهو الصواب.

                                                قلت: قد ظهر لك من هذا تحامل الدارقطني على أبي حنيفة وتعصبه الفاسد فمن أين له ولأمثاله تضعيف إمام قد بلغ علمه حيث ما بلغ الإسلام، وانتشر مذهبه في الآفاق، وأطبقت الخاصة والعامة من السلف والخلف على زهده وورعه وقوة تمكنه في الدين، وقد تقلد مذهبه وأثنى عليه من هو أكبر منه ومن أمثاله عند الله تعالى وعند الناس كسفيان الثوري ، وعبد الله بن المبارك ، ووكيع ، والليث بن سعد ، ويحيى القطان، وأضرابهم، ووثقه من هم أعرف بهذا الشأن وأتقن في الحفظ والضبط والتبيان كيحيى بن معين ، وابن عيينة ، وشعبة ، وعبد الرزاق ، والشافعي ، ومالك ، وأحمد، وغيرهم من الأئمة الأجلاء الأثبات، والأكابر الثقات، ولكن صدق الشاعر حيث يقول:


                                                حسدوا الفتى إذ لم ينالوا شأوه ... والقوم أعداء له وخصوم



                                                وفي المثل السائر: البحر لا يكدره وقوع الذباب، ولا ينجسه ولوغ الكلاب. على أن حديث جابر هذا له طرق متعددة، وإن كان بعضها مدخولا ولكن يشد بعضها بعضا.

                                                وقد أخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" بسند صحيح وقال: ثنا مالك بن إسماعيل ، عن حسن بن صالح ، عن أبي الزبير ، عن جابر - رضي الله عنه -، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "كل من كان له إمام فقراءته له قراءة". وهذا سند صحيح يؤكد صحة رواية أبي حنيفة مسندا، وكذا رواه أبو نعيم: عن الحسن بن صالح ، عن أبي الزبير كذا في أطراف المزي .

                                                [ ص: 105 ] فإن قيل: هذا منقطع; لأن جابرا الجعفي بين الحسن وأبي الزبير .

                                                قلت: أبو الزبير محمد بن مسلم توفي سنة ثمان وعشرين ومائة، قاله الترمذي وغيره، والحسن بن صالح ولد سنة مائة وتوفي سنة تسعة وستين ومائة وسماعه من أبي الزبير ممكن، ومذهب الجمهور أن من أمكن لقاؤه لشخص وروى عنه فروايته محمولة على الاتصال، فيحمل على أن الحسن سمعه من أبي الزبير مرة بلا واسطة، ومرة أخرى بواسطة الجعفي فافهم.

                                                الثاني: مرسل، عن أبي بكرة بكار القاضي ، عن أبي أحمد محمد بن عبد الله بن الزبير الأسدي الكوفي ، عن سفيان الثوري ، عن موسى بن أبي عائشة الكوفي ، عن عبد الله بن شداد بن الهاد المدني التابعي ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -.

                                                وأخرجه عبد الرزاق : عن الثوري ، عن موسى بن أبي عائشة ، عن عبد الله بن شداد بن الهاد الليثي قال: "صلى النبي - صلى الله عليه وسلم - الظهر -أو العصر- فجعل رجل يقرأ خلف النبي - صلى الله عليه وسلم -، ورجل ينهاه، فلما صلى قال: يا رسول الله، كنت أقرأ وكان هذا ينهاني، فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "من كان له إمام فإن قراءة الأمام له قراءة".

                                                وأخرجه ابن أبي شيبة أيضا في "مصنفه" : عن شريك وجرير ، عن موسى بن أبي عائشة ، عن عبد الله بن شداد، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "من كان له إمام فقراءته له قراءة".

                                                الثالث: فيه مجهول، عن أبي بكرة بكار أيضا، عن أبي أحمد محمد بن عبد الله بن الزبير ، عن إسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي ، عن موسى بن أبي عائشة ، عن عبد الله بن شداد ، عن رجل من أهل البصرة، عن النبي - عليه السلام - قال: "من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة". وقد ذكر الدارقطني أن إسرائيل أيضا روى هذا الحديث عن موسى بن أبي عائشة ، عن عبد الله بن شداد، مرسلا.

                                                [ ص: 106 ] الرابع: مسند صحيح، عن أبي أمية محمد بن إبراهيم بن مسلم الطرسوسي ، عن إسحاق بن منصور السلولي أبي عبد الرحمن الكوفي ، عن الحسن بن صالح ، عن جابر بن يزيد الجعفي ، وليث بن أبي سليم ، عن أبي الزبير محمد بن مسلم بن تدرس المكي ، عن جابر بن عبد الله الأنصاري - رضي الله عنه -.

                                                فإن قيل: كيف تقول: هذا صحيح.

                                                وقد قال الدارقطني : ثنا محمد بن مخلد، قال: ثنا محمد بن سعد العوفي، ثنا إسحاق بن منصور ويحيى بن أبي بكير ، عن الحسن بن صالح ، عن ليث بن أبي سليم وجابر ، عن أبي الزبير ، عن جابر، أن النبي - عليه السلام - قال: "من كان له إمام فقراءته له قراءة". جابر وليث ضعيفان؟

                                                قلت: ليث هذا روى عنه الأئمة الكبار كالثوري وشريك وشعبة وفضيل بن عياض وحفص بن غياث والإمام أبي حنيفة، واستشهد به البخاري في الصحيح وروى له مسلم مقرونا بغيره، واحتجت به الأربعة، وجابر بن يزيد وإن كان ضعيفا فيما زعمه فقد ذكر متابعة، على أنا قد ذكرنا أن هذا روي من طريق الحسن بن صالح بإسناد صحيح.

                                                الخامس: مسند أيضا، وفيه جابر بن يزيد الجعفي وهو مختلف فيه، عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي ، وفهد بن سليمان الكوفي كلاهما، عن أحمد بن عبد الله بن يونس الكوفي شيخ البخاري ومسلم وأبي داود ، عن الحسن بن صالح ، عن جابر بن يزيد الجعفي ، عن أبي الزبير محمد بن مسلم المكي ، عن جابر بن عبد الله ، عن النبي - عليه السلام -.

                                                وأخرجه الدارقطني : ثنا محمد بن مخلد، ثنا العباس بن محمد، ثنا أبو نعيم، ثنا الحسن بن صالح ، عن جابر ، عن أبي الزبير ، عن جابر ، عن النبي - عليه السلام - مثله.

                                                [ ص: 107 ] وأخرجه البيهقي أيضا.

                                                قلت: هذا الطريق ينبغي أن يكون صحيحا; لأنا قد ذكرنا أن الحسن بن صالح قد روى عن أبي الزبير من غير واسطة جابر الجعفي .

                                                كما مر في رواية ابن أبي شيبة ; فحينئذ لا يبقى كلام في صحة هذا الحديث، وإسناده على ما لا يخفى، ولهذا المعنى ذكره الطحاوي بطرق مختلفة.




                                                الخدمات العلمية