الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                صفحة جزء
                                                1376 1377 1378 1379 ص: قال أبو جعفر -رحمه الله-: فكانت هذه الآثار معارضة للأثر الأول ومعها من التواتر ما ليس معه، فأردنا أن ننظر هل في شيء من الآثار ما يدل على نسخ أحد الأمرين بصاحبه؟ فاعتبرنا ذلك فإذا أبو بكرة قد حدثنا، قال: ثنا أبو الوليد الطيالسي، قال: ثنا شعبة ، عن أبي يعفور، قال: سمعت مصعب بن سعد يقول: "صليت إلى جنب أبي، فجعلت يدي بين ركبتي فضرب يدي وقال: يا بني، إنا كنا نفعل هذا فأمرنا أن نضرب بالأكف على الركبة".

                                                حدثنا الربيع بن سليمان المرادي، قال: ثنا أسد بن موسى، قال: ثنا أبو عوانة ، عن أبي يعفور ... ، فذكر بإسناده مثله.

                                                حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا زهير بن معاوية، قال: ثنا أبو إسحاق ، عن مصعب بن سعد، قال: "صليت مع سعد، فلما أردت الركوع طبقت، فنهاني عنه وقال: كنا نفعله حتى نهينا عنه".

                                                فقد ثبت بما ذكرنا نسخ التطبيق، وأنه كان متقدما لما فعله رسول الله - عليه السلام - من وضع اليدين على الركبتين.

                                                التالي السابق


                                                ش: أي كانت الأحاديث التي فيها وضع اليدين على الركبتين في الركوع معارضة للحديث الأول، وهو الذي فيه التطبيق، و"معها" أي مع تلك الأحاديث "من التواتر" أي من كثرة الرواية وتلقي الأئمة بالقبول والأخذ بها "ما ليس معه" أي مع حديث التطبيق، فإذا كان الأمر كذلك يتعين طلب المخلص وهو على وجوه كما عرف في موضعه منها: طلب المخلص من حيث التاريخ، وهو أن يعلم بالدليل [ ص: 211 ] التاريخ بين النصين المتعارضين، فيكون المتأخر منهما ناسخا للمتقدم، فنظرنا ها هنا، فوجدنا قول سعد بن أبي وقاص يدل على أن حديث التطبيق منسوخ; لأنه صرح بقوله: "إنا كنا نفعل هذا، فأمرنا أن نضرب بالأكف على الركب" وفي لفظة: "كنا نفعله حتى نهينا عنه" وهذا صريح في النسخ، وأما ابن مسعود - رضي الله عنه - فلعله لم يبلغه خبر النسخ، فلذلك لم يترك التطبيق، وأما من عمل به من أصحابه فإنهم اتبعوه في ذلك وتقلدوه.

                                                ثم إنه أخرج حديث سعد من ثلاث طرق صحاح:

                                                الأول: عن أبي بكرة بكار القاضي ، عن أبي الوليد هشام بن عبد الملك الطيالسي شيخ البخاري وأبي داود ، عن شعبة ، عن أبي يعفور واسمه واقد ولقبه وقدان العبدي الكوفي وهو أبو يعفور الكبير روى له الجماعة، عن مصعب بن سعد بن أبي وقاص القرشي الزهري أبي زرارة المدني روى له الجماعة، عن أبيه سعد بن أبي وقاص أحد العشرة المبشرة بالجنة.

                                                وأخرجه الجماعة، فالبخاري : عن أبي الوليد ، عن شعبة ... إلى آخره نحوه، غير أن لفظه: "صليت إلى جنب أبي، فطبقت بين كفي ثم وضعتهما بين فخذي، فنهاني أبي وقال: كنا نفعله فنهينا عنه وأمرنا أن نضع أيدينا على الركب".

                                                ومسلم : عن ابن أبي شيبة ، عن وكيع ، عن إسماعيل بن أبي خالد ، عن الزبير بن عدي ، عن مصعب بن سعد قال: "ركعت فقلت بيدي هكذا يعني طبق بهما ووضعهما بين فخذيه فقال أبي: قد كنا نفعل هذا، ثم أمرنا بالركب".

                                                وأبو داود : عن حفص بن عمر ، عن شعبة ، عن أبي يعفور ، عن مصعب بن سعد قال: "صليت إلى جنب أبي فجعلت يدي بين ركبتي، فنهاني عن ذلك، فعدت [ ص: 212 ] فقال: لا تصنع هذا; فإنا كنا نفعله فنهينا عن ذلك، وأمرنا أن نضع أيدينا على الركب".

                                                والترمذي : عن قتيبة ، عن أبي عوانة ، عن أبي يعفور ، عن مصعب بن سعد ، عن أبيه سعد: "كنا نفعل ذلك فنهينا عنه، وأمرنا أن نضع الأكف على الركب".

                                                والنسائي : عن عمرو بن علي ، عن يحيى بن سعيد ، عن إسماعيل بن أبي خالد ، عن الزبير بن عدي ، عن مصعب بن سعد قال: "ركعت فطبقت، فقال أبي: إن هذا شيء كنا نفعله ثم ارتفعنا إلى الركب".

                                                وابن ماجه : عن محمد بن عبد الله بن نمير ، عن محمد بن بشر ، عن إسماعيل بن أبي خالد ، عن الزبير بن عدي ، عن مصعب بن سعد قال: "ركعت إلى جنب أبي فطبقت فضرب يدي وقال: قد كنا نفعل هذا، ثم أمرنا أن نرفع إلى الركب" انتهى.

                                                وقد علم أن قول الصحابي: كنا نفعل، وأمرنا، ونهينا محمول على أنه أمر لله ولرسوله، ونهي عن الله ورسوله; لأن الصحابي إنما يقصد الاحتجاج به لإثبات شرع وتحليل وتحريم، وحكم يجب كونه مشروعا.

                                                الثاني: عن الربيع بن سليمان المرادي صاحب الشافعي ، عن أسد بن موسى أسد السنة ، عن أبي عوانة الوضاح بن عبد الله اليشكري ... إلى آخره.

                                                وأخرجه مسلم أيضا: ثنا قتيبة بن سعيد وأبو كامل الجحدري -واللفظ لقتيبة- قالا: نا أبو عوانة ، عن أبي يعفور ، عن مصعب بن سعد قال: "صليت إلى جنب أبي، قال: فجعلت يدي بين ركبتي، فقال لي أبي: اضرب [ ص: 213 ] بكفيك على ركبيتك، قال: ثم فعلت ذلك مرة أخرى، فضرب يدي وقال: إنا نهينا عن هذا، وأمرنا أن نضرب بالأكف على الركب".

                                                وأخرجه النسائي أيضا: عن قتيبة ، عن أبي عوانة .. إلى آخره نحوه.

                                                الثالث: عن أبي بكرة بكار القاضي ، عن أبي داود سليمان بن داود الطيالسي ، عن زهير بن معاوية ، عن أبي إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي ... إلى آخره.

                                                وأخرجه البزار في "مسنده" : عن أحمد بن عثمان بن حكيم ، عن عبيد الله بن موسى ، عن إسرائيل ، عن أبي إسحاق ، عن الزبير بن عدي ، عن مصعب ، عن أبيه نحوه.




                                                الخدمات العلمية