الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                صفحة جزء
                                                1550 1551 ص: حدثنا يونس بن عبد الأعلى ، قال: ثنا عبد الله بن وهب ، قال: أخبرني عمرو بن الحارث ، ومالك بن أنس ، أن ابن شهاب، حدثهما عن عروة بن الزبير ، عن عبد الرحمن بن عبد القاري: " ، أنه سمع عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - يعلم الناس التشهد على المنبر وهو يقول: قولوا: التحيات لله، الزاكيات لله، والصلوات لله، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله". .

                                                حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو عاصم، قال: أنا ابن جريج، قال: أنا ابن شهاب ، عن حديث عروة ، عن عبد الرحمن بن عبد القاري ... فذكر مثله.

                                                التالي السابق


                                                ش: هذان إسنادان صحيحان:

                                                أحدهما: عن يونس بن عبد الأعلى شيخ مسلم ، عن عبد الله بن وهب المصري ، عن عمرو بن الحارث بن يعقوب المصري ، ومالك بن أنس المدني، كلاهما عن محمد بن مسلم بن شهاب الزهري ، عن عروة بن الزبير بن العوام ، عن عبد الرحمن بن عبد القاري -بتشديد الياء- نسبة إلى القارة، وهم بنو الهون بن خزيمة، شددت الياء لئلا يلتبس بالقارئ الذي هو اسم فاعل من القراءة، وقد قيل: إن له صحبة.

                                                وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" : ثنا عبد الأعلى ، عن معمر ، عن الزهري ، عن عروة ... إلى آخره، نحوه.

                                                [ ص: 448 ] والآخر: عن أبي بكرة بكار القاضي ، عن أبي عاصم النبيل الضحاك بن مخلد ، عن عبد الملك بن جريج المكي ، عن محمد بن مسلم بن شهاب الزهري ... إلى آخره.

                                                وأخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" : عن ابن جريج ، عن ابن شهاب ، عن عروة ... إلى آخره نحوه.

                                                قوله: "التحيات" جمع تحية وهي السلامة من جميع الآفات، وقيل: البقاء الدائم، وقيل: العظمة، وفي "المحكم": التحية: السلام.

                                                وقال الخطابي: وروي عن أنس في تفسيرها في أسماء الله: السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار الأحد الصمد، قال: التحيات لله بهذه الأسماء، وهي الطيبات لا يحيا بها غيره.

                                                وقال ابن الأثير: التحيات كلمات مخصوصة كانت العرب تحيي بها الملوك كقولهم: أبيت اللعن، وأنعم صباحا، وعم ظلاما، وزي ده هزار سال أي عش عشرة آلاف سنة، وكلها لا يصلح شيء منها للثناء على الله تعالى، فتركت، واستعملت بمعنى التعظيم، فقيل: قولوا: التحيات لله: أي الثناء والعظمة والتمجيد كما يستحقه ويجب له.

                                                قوله: "لله" اللام فيه لام الملك والتخصيص، وهي للأول أبلغ، وللثاني أحسن.

                                                وقال القرطبي: فيه تنبيه على أن الإخلاص في العبادات والأعمال لا يفعل إلا لله تعالى، ويجوز أن يراد بها الاعتراف بأن ملك ذلك كله لله تعالى.

                                                قوله: "الزاكيات" جمع زاكية، وأراد بها الأعمال الزاكيات أي الطاهرات، وأصل الزكاة في اللغة: الطهارة والنماء والبركة والمدح، وكل ذلك قد استعمل في القرآن والحديث.

                                                [ ص: 449 ] قوله: "والصلوات" أراد الصلوات الخمس، وقيل: النوافل. قال ابن الأثير: والأول أولى، وقال الأزهري: العبادات، وقال الشيخ تقي الدين: والصلوات تحتمل أن يراد بها الصلوات المعهودة، ويكون التقدير: أنها واجبة لله، ولا يجوز أن يقصد بها غيره، أو يكون ذلك إخبارا عن قصد إخلاصنا الصلوات له، أي صلواتنا مخلصة له لا لغيره، ويجوز أن يراد بالصلوات: الرحمة، ويكون معنى قوله: "لله" أي المتفضل بها والمعطي هو الله; لأن الرحمة التامة لله تعالى لا لغيره.

                                                قوله: "السلام عليك أيها النبي" قيل: معناه التعوذ باسم الله الذي هو السلام، كما تقول: الله معك، أي الله متوليك وكفيل بك، وقيل: معناه السلامة والنجاة لك، كما في قوله: فسلام لك من أصحاب اليمين

                                                وذكر الفخر الفارسي الخبري: معنى السلام على النبي - عليه السلام -: أي اسم الله عليك، وتأويله: لا خلوت من الخيرات والبركات، وسلمت من المكاره والمذام والآفات، فإذا قلت: اللهم سلم على محمد، إنما تريد: اللهم اكتب لمحمد في دعوته وأمته وذكره السلامة من كل نقص.

                                                وقال الشيخ حافظ الدين: يعني السلام الذي سلمه الله عليك ليلة المعراج، ورفع; ليدل على الثبوت والاستمرار.

                                                وقال ابن الأثير: السلام منكر. أراد: سلام عظيم لا يدرك كنهه ولا يعرف قدره، وأكثر ما جاء في القرآن منكرا، ومن رواه معرفا فلأنه أراد أنه سلام معهود، أو جنس السلام.

                                                قلت: تفسير الشيخ حافظ الدين يقتضي أن تكون الألف واللام فيه للعهد، وهو السلام الذي سلمه الله عليه ليلة المعراج.

                                                قوله: "وبركاته"، جمع بركة، وهي الخير الكثير من كل شيء، واشتقاقه من البرك، وهو الإبل الكثير.

                                                [ ص: 450 ] قوله: "السلام علينا" أراد به الحاضرين من الإمام والمأمومين والملائكة عليهم السلام.

                                                قوله: "وعلى عباد الله الصالحين" الصالح هو القائم بما عليه من حقوق الله وحقوق العباد.

                                                وقال القرطبي: فيه دليل على أن الدعاء يصل من الأحياء إلى الأموات.

                                                قوله: "وأشهد أن محمدا عبده ورسوله" قال أهل اللغة: يقال: رجل محمد ومحمود إذا كثرت خصاله المحمودة.

                                                وقال ابن الفارسي: وبذلك سمي نبينا محمدا - عليه السلام - يعني لعلم الله بكثرة خصاله المحمودة.

                                                قلت: الفرق بين محمد وأحمد: أن محمدا مفعل للتكثير، وأحمد أفعل التفضيل، والمعنى: إذا حمدني أحد فأنت أحمد منهم، وإذا حمدت أحدا فأنت محمد، والعبد الإنسان حرا كان أو رقيقا، وجمعه: أعبد وعبيد وعباد وعبد وعبدان وعبدان وأعابد جمع أعبد، والعبدى والعبوداء والعبدة أسماء الجمع، وجعل بعضهم العباد لله، وغيره من الجمع لله والمخلوقين، وخص بعضهم بالعبدى الذين ولدوا في الملك، والأنثى عبدة، والعبدل: العبد، ولامه زائدة.

                                                وقال أبو علي الدقاق: ليس شيء أشرف من العبودية، ولا اسم أتم للمؤمن من الوصف بالعبودية; ولهذا قال الله تعالى للنبي - عليه السلام - ليلة المعراج- وكانت أشرف أوقاته في الدنيا: سبحان الذي أسرى بعبده وقال في تلك الليلة: فأوحى إلى عبده ما أوحى

                                                ثم اختلف العلماء في التشهد هل هو واجب أم سنة؟

                                                فقال الشافعي وآخرون: التشهد الأول سنة، والأخير واجب، وقال جمهور المحدثين: هما واجبان.

                                                [ ص: 451 ] وقال أحمد: الأول واجب، والثاني فرض.

                                                وقال أبو حنيفة ومالك وجمهور الفقهاء: هما سنتان.

                                                وعن مالك بوجوب الأخير.

                                                وقال ابن بطال: أجمع فقهاء الأمصار: أبو حنيفة ومالك والثوري والشافعي وإسحاق والليث وأبو ثور على أن التشهد الأول ليس بواجب حاشا أحمد; فإنه أوجبه، ونقل ابن الأثير وجوبهما عن أحمد وإسحاق، ونقله ابن المتن أيضا عن الليث وأبي ثور .

                                                وفي "المغني" لابن قدامة: إن كانت الصلاة مغربا أو رباعية فهما واجبان فيهما على إحدى الروايتين، وهو مذهب الليث وإسحاق; لأنه - عليه السلام - فعله وداوم عليه، وأمره به في حديث ابن عباس - رضي الله عنهما - بقوله: "فقولوا التحيات لله ... "، والأخرى: ليس بواجب.

                                                وفي شرح "الهداية": قراءة التشهد في القعدة الأولى واجبة عند أبي حنيفة، وهو المختار والصحيح، وقيل: سنة، وهو الأقيس، ولكنه خلاف ظاهر الرواية.

                                                ثم السنة في التشهد الإخفاء; لما روى الترمذي بإسناده، عن ابن مسعود: "من السنة أن تخفي التشهد" وقال: حسن غريب.

                                                وعند الحاكم عن عبد الله: "من السنة أن تخفي التشهد".

                                                وقال: صحيح على شرط مسلم .

                                                وأخرج ابن خزيمة في "صحيحه" : عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: "نزلت هذه الآية في التشهد: ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها ".

                                                [ ص: 452 ] وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم .




                                                الخدمات العلمية