الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                صفحة جزء
                                                1731 1732 1733 1734 ص: وقد روي عن أبي أيوب ما يدل على أن ذلك قد كان كذلك:

                                                حدثنا أبو غسان ، قال: ثنا يزيد بن هارون، قال: ثنا سفيان بن حسين ، عن الزهري ، عن عطاء بن يزيد الليثي ، عن أبي أيوب الأنصاري ، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " أوتر بخمس، فإن لم تستطع فبثلاث، فإن لم تستطع فبواحدة، فإن لم تستطع فأوم إيماء".

                                                أخبرنا أحمد بن داود ، قال: ثنا سهل بن بكار ، قال: ثنا وهيب بن خالد ، قال: ثنا معمر ، عن الزهري ، عن عطاء بن يزيد ، عن أبي أيوب ، عن النبي - عليه السلام - قال: " الوتر حق، فمن أوتر بخمس فهو حسن، ومن أوتر بثلاث فقد أحسن، ومن أوتر بواحدة فهو حسن، ومن لم يستطع فليوم إيماء". . .

                                                حدثنا فهد ، قال: ثنا يحيى بن عبد الله بن الضحاك ، قال: أنا الأوزاعي ، قال: ثنا الزهري ، عن عطاء بن يزيد ، عن أبي أيوب ، أن النبي - عليه السلام - قال: " الوتر حق، فمن شاء أوتر بخمس، ومن شاء أوتر بثلاث، ومن شاء أوتر بواحدة".

                                                [ ص: 93 ] حدثنا يونس ، قال: ثنا سفيان ، عن الزهري ، عن عطاء بن يزيد الليثي ، عن أبي أيوب ، -قال: ولم يذكر النبي - عليه السلام - قال: "الوتر حق -أو واجب- فمن شاء أوتر بسبع، ومن شاء بخمس، ومن شاء بثلاث، ومن شاء بواحدة، . ومن غلب إلى أن يوم فليوم".

                                                فأخبر في هذا الحديث أنهم كانوا مخيرين في أن يوتروا بما أحبوا لا وقت في ذلك ولا عدد بعد أن يكون ما صلوا وترا، . وقد أجمعت الأمة بعد رسول الله - عليه السلام - على خلاف ذلك وأوتروا وترا لا يجوز لكل من أوتر عنده ترك شيء منه، فدل إجماعهم على نسخ ما قد تقدمه من قول رسول الله; لأن الله تعالى لم يكن ليجمعهم على ضلال.

                                                التالي السابق


                                                ش: لما أجاب عن حديث أم سلمة المذكور آنفا بأنه يجوز أن يكون هذا قبل أن يحكم بالوتر ... إلى آخره شرع يبين ذلك، أي: قد روي عن أبي أيوب خالد بن زيد الأنصاري ما يدل على أن الوتر كان بلا عدد معلوم قبل إحكام أمره، وأنهم كانوا مخيرين في عدده كما ذكرناه، أشار إليه بقوله: "فأخبر في هذا الحديث" أي حديث أبي أيوب الأنصاري "أنهم" أي الصحابة - رضي الله عنهم - "كانوا مخيرين في أن يوتروا بما أحبوا" من سبع أو خمس أو ثلاث "لا وقت في ذلك" أي لا تعيين فيه "ولا عدد" معلوما غير أن لا بد أن يكون وترا، "وقد أجمعت الأمة بعد النبي - عليه السلام - على خلاف ذلك" أي على خلاف الخيار المذكور، وإنما عين كل منهم وترا لا يجوز العدول عنه إلى وتر غيره، مثلا من اختار الوتر بثلاث لم يجوزه بواحدة، ومن اختار الوتر بواحدة لم يجوز الثلاث بتسليمة وقعدتين، ومن اختار الخمس لم يجوز السبع، ومن اختار السبع لم يجوز الخمس، وعلى هذا، غير أنهم كلهم اتفقوا على ترك الخيار وأجمعوا على انتساخ ما كان من قوله - عليه السلام -: "من شاء فليوتر بخمس، ومن شاء فليوتر بثلاث، ومن شاء فليوتر بواحدة"، وإجماع الأمة من أقوى الحجج; لأن أمته عليه السلام لا تجتمع على الضلالة، وقد ذكرنا ما فيه من السؤال والجواب عن قريب; فليعاود إليه.

                                                [ ص: 94 ] ثم إنه أخرج حديث أبي أيوب من أربع طرق، أحدها موقوف كما نذكره.

                                                الأول: عن أبي غسان مالك بن يحيى بن مالك الهمداني المعروف بالسوسي ، عن يزيد بن هارون الواسطي شيخ أحمد روى له الجماعة، عن سفيان بن حسين بن الحسن الواسطي، روى له الجماعة; البخاري مستشهدا، ومسلم في مقدمة كتابه.

                                                عن محمد بن مسلم الزهري ، عن عطاء بن يزيد الليثي روى له الجماعة.

                                                وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" : ثنا يزيد بن هارون ، عن سفيان بن حسين ... إلى آخره نحوه، غير أن في لفظه: قال: "قال لي رسول الله - عليه السلام -".

                                                وأخرجه النسائي ولفظه: "من شاء أوتر بسبع، ومن شاء أوتر بخمس، ومن شاء أوتر بثلاث، ومن شاء أومى إيماء".

                                                الثاني: عن أحمد بن داود المكي ، عن سهل بن بكار ... إلى آخره.

                                                وكلهم ثقات.

                                                وأخرجه أبو داود : ثنا عبد الرحمن بن المبارك، نا قريش بن حيان العجلي، نا بكر بن وائل ، عن الزهري ، عن عطاء بن يزيد الليثي ، عن أبي أيوب الأنصاري قال: قال رسول الله - عليه السلام -: "الوتر حق على كل مسلم، فمن أحب أن يوتر بخمس فليفعل، ومن أحب أن يوتر بثلاث فليفعل، ومن أحب أن يوتر بواحدة فليفعل".

                                                الثالث: عن فهد بن سليمان ، عن يحيى بن عبد الله بن الضحاك بن بابلت البابلتي، قال يحيى بن معين: يحيى بن عبد الله بن الضحاك لم يسمع والله من الأوزاعي شيئا. وقال ابن حبان: يأتي عن الثقات بأشياء معضلات يهم فيها فهو ساقط الاحتجاج فيما انفرد به، وهو يروي عن عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي ، عن محمد بن مسلم الزهري ... إلى آخره.

                                                [ ص: 95 ] وأخرجه ابن ماجه بسند جيد، وقال: ثنا عبد الرحمن بن إبراهيم الدمشقي، نا الفريابي ، عن الأوزاعي ، عن الزهري ، عن عطاء بن يزيد الليثي ، عن أبي أيوب الأنصاري - رضي الله عنه -، أن رسول الله - عليه السلام - قال: "الوتر حق; فمن شاء فليوتر بخمس، ومن شاء فليوتر بثلاث، ومن شاء فليوتر بواحدة".

                                                وأخرجه النسائي أيضا بسند جيد، وقال: أنا العباس بن الوليد بن مزيد، قال: أخبرني أبي، قال: ثنا الأوزاعي، قال: حدثني الزهري، قال: ثنا عطاء بن يزيد ، عن أبي أيوب، أن رسول الله - عليه السلام - قال: "الوتر حق; فمن شاء أوتر بخمس، ومن شاء أوتر بثلاث، ومن شاء أوتر بواحدة".

                                                الرابع: وهو موقوف، عن يونس بن عبد الأعلى ، عن سفيان بن عيينة ، عن محمد بن مسلم الزهري ، عن عطاء ، عن أبي أيوب، ولم يذكر النبي - عليه السلام - ... إلى آخره.

                                                وأخرجه النسائي : أنا الربيع بن سليمان بن داود، قال: ثنا عبد الله بن يوسف، قال: نا الهيثم بن حميد، قال: حدثني أبو معيد ، عن الزهري، قال: حدثني عطاء بن يزيد، أنه سمع أبا أيوب الأنصاري يقول: "الوتر حق; فمن أحب أن يوتر بخمس ركعات فليفعل، ومن أحب أن يوتر بثلاث فليفعل، ومن أحب أن يوتر بواحدة فليفعل".

                                                قال الحارث بن مسكين قراءة عليه وأنا أسمع : عن سفيان ، عن الزهري ، عن عطاء بن يزيد، عن أبي أيوب قال: "من شاء أوتر بسبع، ومن شاء أوتر بخمس، ومن شاء أوتر بثلاث، ومن شاء أومى إيماء".

                                                [ ص: 96 ] ورواه عبد الرزاق أيضا عن معمر موقوفا.

                                                قوله: "الوتر حق" صريح في إيجاب الوتر; لأن الحق هاهنا بمعنى الثابت ولا سيما وقد ذكر في رواية أبي داود بلفظ: "على" التي للإيجاب كما قد ذكرناه آنفا.




                                                الخدمات العلمية