الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                صفحة جزء
                                                1872 ص: فقيل لهم: إن هذا الحديث فيه زيادة أنهم قد قضوا وهم مأمومون قبل فراغ الإمام من الصلاة في حديث يزيد بن رومان ، عن صالح بن خوات .

                                                وقد روينا من حديث شعبة، عن عبد الرحمن بن القاسم، ، عن أبيه، عن صالح بن خوات خلافا لذلك; لأن في حديث يزيد بن رومان أنه ثبت بعدما صلى الركعة الأولى قائما وأتموا لأنفسهم ثم انصرفوا، ثم جاءت الأخرى بعد ذلك، وفي حديث شعبة، عن عبد الرحمن، ، عن أبيه، عن صالح بن خوات ، أنه صلى بطائفة منهم ركعة، ثم ذهب هؤلاء إلى مصاف هؤلاء ولم يذكر أنهم صلوا قبل أن ينصرفوا، فقد خالف القاسم يزيد بن رومان .

                                                فإن كان هذا يؤخذ من طريق الإسناد فإن عبد الرحمن، عن أبيه القاسم، ، عن صالح بن خوات، ، عن سهل بن أبي حثمة، ، عن النبي - عليه السلام -، أحسن من يزيد بن رومان، ، عن صالح، ، عمن أخبره، فإن تكافأا تضادا، فإن تضادا لم يكن لأحد الخصمين في أحدهما حجة على خصمه; لأن لخصمه عليه مثل ما له على خصمه.

                                                [ ص: 234 ] فإن قال قائل: فإن يحيى بن سعيد قد روى عن القاسم بن محمد، ، عن صالح بن خوات، ، عن سهل ما يوافق ما روى يزيد بن رومان، 5 ويحيى بن سعيد ليس بدون عبد الرحمن بن القاسم في الضبط والحفظ.

                                                قيل له: يحيى بن سعيد كما ذكرت، ولكن لم يرفع الحديث إلى النبي - عليه السلام - وإنما أوقفه على سهل، ، فقد يجوز أن يكون ما روى عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن صالح هو الذي كان كذلك عند سهل عن النبي - عليه السلام - خاصة، ثم قال: هو من رأيه ما بقي وصار ذلك رأيا منه لا عن النبي - عليه السلام -; ولذلك لم يرفعه يحيى إلى النبي - عليه السلام -.

                                                فلما احتمل ذلك ما ذكرنا ارتفع أن تقوم به حجة أيضا.

                                                والنظر يدفع ذلك; لأنا لم نجد في شيء من الصلوات أن المأموم يصلي شيئا منها قبل الإمام، وإنما يفعله المأموم مع فعل الإمام أو بعد فعل الإمام، وإنما يلتمس علم ما اختلف فيه مما أجمع عليه.

                                                فإن قالوا: قد رأينا تحويل الوجه عن القبلة قد يجوز في هذه الصلاة ولا يجوز في غيرها، فما تنكرون أن يكون قضاء المأموم قبل فراغ الإمام كذلك جوز في هذه الصلاة ولم يجوز في غيرها؟

                                                قيل لهم: إن تحويل الوجه عن القبلة قد رأيناه أبيح في غير هذه الصلاة للعذر، فأبيح في هذه الصلاة كما أبيح في غيرها، وذلك أنهم أجمعوا أن من كان منهزما فحضرت الصلاة أنه يصلي وإن كان على غير القبلة، فلما كان قد يصلي كل الصلاة إلى غير قبلة لعلة العذر ولا يفسد ذلك عليه صلاته، كان انصرافه على غير قبلة في بعض صلاته أحرى أن لا يضره ذلك، فلما وجدنا أصلا في الصلاة إلى غير القبلة مجمعا عليه أنه قد يجوز بالعذر; عطفنا عليه ما اختلف فيه من استدبار القبلة في الانصراف للعدو.

                                                ولما لم نجد لقضاء المأموم قبل أن يفرغ الإمام من الصلاة أصلا فيما أجمع عليه يدل عليه فنعطفه عليه; أبطلنا العمل به، ورجعنا إلى الآثار الأخر التي قدمنا ذكرها التي معها التواتر وشواهد الإجماع.

                                                [ ص: 235 ]

                                                التالي السابق


                                                [ ص: 235 ] ش: أي فقيل لأولئك الذين ذهبوا في صلاة الخوف إلى حديث صالح بن خوات، فهذا جواب عما احتجوا به من هذا الحديث، تقريره: أن في هذا الحديث زيادة وهي أنهم قد قضوا صلاتهم والحال أنهم مأمومون قبل فراغ الإمام من الصلاة; لأنه ذكر في حديث يزيد بن رومان ، عن صالح بن خوات: "ثم ثبت قائما وأتموا لأنفسهم، ثم انصرفوا ... " إلى آخر الحديث، فهذا صريح أنهم أتموا قبل فراغ الإمام، ويخالف هذا حديث شعبة ، عن عبد الرحمن بن القاسم ، عن أبيه، عن صالح بن خوات; لأن فيه "أنه صلى بطائفة منهم ركعة" ولم يذكر فيه أنهم قد صلوا قبل أن ينصرفوا، فوقع بين الروايتين تضاد وتعارض ظاهرا.

                                                ثم لا يخلو إما أن نقول بالتساوي بينهما، أو نذهب إلى الترجيح.

                                                فإن كان الترجيح; فخبر عبد الرحمن ، عن أبيه القاسم ، عن صالح بن خوات ، عن سهل بن أبي حثمة ، عن النبي - عليه السلام - أحسن وأولى وأرجح من خبر يزيد بن رومان ، عن صالح بن خوات عمن أخبره; لأن يزيد بن رومان لا يعادل القاسم.

                                                وإن كان القول بالتساوي فهو عين التضاد بين الخبرين وهو معنى قوله: "فإن تكافأا" أي: فإن تساويا وتنظرا -من الكفؤ وهو النظير- تضادا لعدم المرجح، فإذا تضادا لم يكن لأحد الخصمين حجة; لأن أحدهما إذا احتج على الآخر بأحد الخبرين، يحتج الآخر عليه بالآخر.

                                                قوله: "فإن قال قائل: فإن يحيى بن سعيد ... " إلى آخره، اعتراض من جهة الخصم، تقريره أن يقال: (إن يحيى بن سعيد الأنصاري) قد روى عن القاسم بن محمد ، عن صالح بن خوات ، عن سهل ما يوافق ما روى يزيد بن رومان وهو الذي رواه مالك بن أنس عنه عن القاسم كما مر، ويحيى بن سعيد ليس بأدنى من عبد الرحمن بن القاسم في الضبط والإتقان والحفظ، فحينئذ يرجح خبر يزيد بن رومان .

                                                [ ص: 236 ] وتقرير الجواب أن يقال: سلمنا أن يحيى بن سعيد كما ذكرتم ليس بأدنى من عبد الرحمن، بل هو يفوق عليه، ولكنه لم يرفع الحديث إلى النبي - عليه السلام - وإنما ذكره موقوفا على سهل، ولا شك أن الموقوف لا يعادل المرفوع، ويحتمل أيضا أن يكون ما رواه عبد الرحمن بن القاسم ، عن أبيه القاسم ، عن صالح بن خوات هو الذي كان عند سهل بن أبي حثمة ، عن النبي - عليه السلام - خاصة ثم يكون ما بقي منه قولا بالرأي منه لا عن النبي - عليه السلام - فلذلك لم يرفعه يحيى بن سعيد إلى النبي - عليه السلام -، فلقد كان هذا الاحتمال موجودا، فارتفع أن تقوم به حجة.

                                                وقال أبو بكر الرازي: حديث يزيد بن رومان مضطرب.

                                                وقال صاحب "البدائع": الرواية عن سهل بن أبي حثمة متعارضة; فإن بعضهم روى عنه مثل مذهبنا أيضا فكان الأخذ برواية ابن مسعود وابن عمر وحذيفة أولى; لأن الرواية عن هؤلاء لم تتعارض مع أن في حديث سهل بن أبي حثمة ما يدل على كونه منسوخا; لأن فيه أن الطائفة الثانية يقضون ما سبقوا به قبل فراغ الإمام ثم يسلمون معه، وكان هذا في ابتداء الإسلام أن المسبوق يبدأ بقضاء ما فاته ثم يتابع الإمام، فهذا قد نسخ، ولهذا لم يأخذ أحد من العلماء برواية أبي هريرة - رضي الله عنه -.

                                                قوله: "والنظر يدفع ذلك" أي وجه النظر والقياس يدفع ما ذكره الخصم من كيفية صلاة الخوف; لأن فيما ذكروه أنهم قد قضوا وهم مأمومون قبل فراغ الإمام من الصلاة، ونحن لم نجد في شيء من الصلوات أن المأموم يصلي شيئا من الصلاة قبل الإمام، وإنما الذي يفعله المأموم إما أن يكون مع فعل الإمام أو بعد ما يفرغ الإمام، ولذلك قال صاحب "البدائع": إن ما ذكروه منسوخ لما ذكرناه الآن.

                                                قوله: "وإنما يلتمس علم ما اختلف فيه مما أجمع عليه" أراد بهذا أن الذي يختلف فيه ينبغي أن يكون له نظير مما فيه الإجماع حتى يقاس ذلك المختلف فيه على الأمر المجمع عليه، فهذا الذي ذكروه لا نظير له فيما أجمع عليه، فإذا كان كذلك فقد ظهر فساده.

                                                [ ص: 237 ] فإن قالوا: لا يلزم ذلك، فإنا قد نجد صورة في موضع يجوز فعلها مع أنه لا نظير لها في موضع من المواضع كتحويل الوجه عن القبلة فإنه يجوز ذلك في هذه الصلاة مع أنه لا يجوز في غيرها أصلا، فلم تنكرون أن يكون قضاء المأموم صلاته قبل فراغ الإمام كذلك يكون جائزا في هذه الصلاة مع عدم جوازه في غيرها من الصلوات؟

                                                والجواب عنه ما ذكره بقوله: "قيل لهم ... " إلى آخره، تقريره أن يقال: لا نسلم اختصاص جواز تحويل الوجه عن القبلة بهذه الصلاة، بل قد أبيح ذلك في غير هذه الصلاة أيضا لأجل العذر وذلك أنهم أجمعوا أن من كان منهزما فحضرت الصلاة أنه يصلي وإن كان على غير القبلة، فظهر من ذلك أن جميع الصلاة تصلى إلى غير جهة القبلة لأجل العذر ولا يفسد ذلك عليه صلاته، فإذا كان هذا لا يفسد في جميع الصلاة ولا يضره ذلك ففي بعض الصلاة وهي صلاة الخوف بالطريق الأولى أن لا يفسدها ولا يضره ذلك، فلما وجدنا هذا الأصل وهو جواز الصلاة إلى غير جهة القبلة لأجل العذر مجمعا عليه; عطفنا عليه ما اختلف فيه من استدبار القبلة في الانصراف لأجل العذر; لأنا قد ذكرنا أن علم ما اختلف فيه إنما يلتمس مما أجمع عليه، ولما لم نجد لما ذكروه -وهو قضاء المأموم صلاته قبل فراغ الإمام- منها أصلا أبطلنا العمل به ورجعنا إلى الأحاديث التي معها التواتر وشواهد الإجماع، وأراد بالتواتر التكاثر والتوارد، ولم يرد به التواتر المصطلح عليه في الأصول، وأراد بشواهد الإجماع: وجود الأصل الصحيح المجمع عليه ليقاس عليه المختلف فيه.

                                                قوله: "يدل عليه" جملة وقعت صفة لقوله: "أصلا" فأصلا منصوب على أنه مفعول لقوله: "ولما لم نجد".

                                                قوله: "فنعطفه" بنصب الفاء بتقدير "أن".

                                                وقوله: "أبطلنا العمل به" جواب لقوله: "ولما لم نجد".




                                                الخدمات العلمية