الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                صفحة جزء
                                                2755 2756 2757 2758 2759 2760 ص: ثم رجعنا إلى ما روي في هذا الباب من الآثار ، هل فيه شيء يبيح المشي خلف الجنازة ؟ فإذا ربيع الجيزي ، وابن أبي داود ، قد حدثانا ، قالا : ثنا أبو زرعة ، قال : أنا يونس بن يزيد ، عن ابن شهاب ، عن أنس بن مالك : " أن رسول الله - عليه السلام - وأبا بكر وعمر - رضي الله عنهما - كانوا يمشون أمام الجنازة وخلفها " .

                                                حدثنا ابن أبي داود ، قال : ثنا محمد بن بشار ، قال : ثنا محمد بكر البرساني ، عن يونس بن يزيد . . ثم ذكر بإسناده مثله .

                                                ففي هذا الحديث أن رسول الله - عليه السلام - كان يمشي خلف الجنازة كما كان يمشي أمامها ، فإن كان مشي رسول الله - عليه السلام - وأبي بكر وعمر أمام الجنازة حجة لكم أن ذلك أفضل من المشي خلفها ، فكذلك مشي رسول الله - عليه السلام - وأبي بكر وعمر خلفها حجة لمخالفكم عليكم أن ذلك أفضل من المشي أمامها ، فقد استوى خصمكم وأنتم في هذا الباب ، فلا حجة لكم فيه عليه .

                                                وقد حدثنا أبو بكرة ، وابن مرزوق ، قالا : ثنا عثمان بن عمر بن فارس ، قال : ثنا سعيد بن عبيد الله ، عن زياد بن جبير ، عن أبيه ، عن المغيرة بن شعبة ، قال : قال رسول الله - عليه السلام - : " الراكب خلف الجنازة ، والماشي حيث شاء منها " .

                                                فأباح في هذا الحديث أيضا رسول الله - عليه السلام - المشي خلف الجنازة كما أباح المشي أمامها ، وليس في شيء مما ذكرنا ما يدل على الأفضل من ذلك ما هو ؟ .

                                                وقد روي عن أنس بن مالك ما معناه قريب من معنى حديث المغيرة ، ولم يذكر عن النبي - عليه السلام - .

                                                حدثنا روح بن الفرج ، قال : ثنا يوسف بن عدي ، قال : ثنا أبو بكر بن عياش ، عن حميد الطويل ، عن أنس بن مالك في الرجل يتبع الجنازة قال : "إنما أنتم مشيعون لها ، فامشوا بين يديها ، وخلفها ، وعن يمينها ، وعن شمالها " . [ ص: 251 ] حدثنا روح الفرج ، قال : ثنا ابن غفير ، قال : حدثني يحيى بن أيوب ، عن حميد ، عن أنس بن مالك ، مثله .

                                                وقد روي عن رسول الله - عليه السلام - في ذلك أيضا ما حدثنا عبد الغني بن رفاعة اللخمي ، قال : ثنا عبد الرحمن بن زياد ، قال : ثنا شعبة ، عن أشعث بن سليم ، قال : سمعت معاوية بن سويد بن مقرن ، قال : سمعت البراء بن عازب يقول : " أمرنا رسول الله - عليه السلام - باتباع الجنازة " . ففي هذا الحديث أنه أمرهم باتباع الجنازة ، والمتبع للشيء هو المتأخر عنه لا المتقدم أمامه ، ففيما ذكرنا ما قد دل على فساد قول الزهري : "إن المشي خلف الجنازة من خطأ السنة " .

                                                التالي السابق


                                                ش: لما احتجت أهل المقالة الأولى في جملة احتجاجهم بما رووه عن الزهري من أن المشي خلف الجنازة من خطأ السنة ، أورد ها هنا أحاديث وآثارا تدل على أن المشي خلف الجنازة مباح ، وكذا عن يمينها وشمالها وعلى أنا أمرنا باتباع الجنازة ، والمتبع للشيء هو المتأخر عنه بلا شك ، فهذا كله يدل على فساد ما رووه عن الزهري .

                                                ثم إنه أخرج في ذلك عن أنس بن مالك والمغيرة بن شعبة والبراء بن عازب - رضي الله عنهم - .

                                                أما عن أنس فأخرجه من أربع طرق .

                                                الأول : عن ربيع بن سليمان الجيزي شيخ أبي داود والنسائي ، وعن إبراهيم بن أبي داود البرلسي ، كلاهما عن أبي زرعة وهب الله بن راشد الحجري المصري المؤذن ، عن يونس بن يزيد الأيلي ، عن محمد بن مسلم بن شهاب الزهري ، عن أنس بن مالك .

                                                وهذا إسناد حسن جيد لأن رجاله ثقات .

                                                فإن قيل : كان النسائي لا يرضى أبا زرعة هذا ، وغمزه سعيد بن أبي مريم .

                                                قلت : قال أبو حاتم : محله الصدق ، وذكر ابن يونس أن القضاة كانت تقبله . [ ص: 252 ] الثاني : عن إبراهيم بن أبي داود ، عن محمد بن بشار البصري بندار شيخ الجماعة ، عن محمد بن بكر بن عثمان البرساني البصري ، وبرسان -بضم الباء الموحدة- من الأزد عن يونس بن يزيد الأيلي ، عن ابن شهاب ، عن أنس .

                                                وهذا إسناد صحيح .

                                                وأخرجه الترمذي : عن محمد بن المثنى ، عن محمد بن بكر ، عن يونس بن يزيد ، نحوه ، وليس فيه : "وخلفها " .

                                                الثالث موقوف وإسناده صحيح : عن روح بن الفرج القطان المصري ، عن يوسف بن عدي بن زريق الكوفي شيخ البخاري ، عن أبي بكر بن عياش بن سالم الأسدي الكوفي الحناط -بالنون- المقرئ روى له الجماعة ، عن حميد بن أبي حميد الطويل روى له الجماعة ، عن أنس .

                                                الرابع أيضا موقوف وإسناده صحيح : عن روح أيضا ، عن سعيد بن كثير بن عفير المصري ، عن يحيى بن أيوب الغافقي المصري ، عن حميد ، عن أنس .

                                                وأخرجه عبد الرزاق في "مصنفه " : عن أبي جعفر الرازي ، عن حميد الطويل قال : "سمعت العيزار يسأل أنس بن مالك عن المشي أمام الجنازة ، فقال له أنس : إنما أنت مشيع ، فامش إن شئت أمامها ، وإن شئت خلفها ، وإن شئت عن يمينها ، وإن شئت عن يسارها " .

                                                وأما عن المغيرة بن شعبة - رضي الله عنه - فأخرجه بإسناد صحيح .

                                                عن أبي بكرة بكار القاضي وإبراهيم بن مرزوق ، كلاهما عن عثمان بن عمر بن فارس بن لقيط البصري روى له الجماعة ، عن سعيد بن عبيد الله بن جبير بن حية الثقفي الجبيري البصري ، روى له البخاري ، والترمذي ، والنسائي ، وابن ماجه ، عن زياد بن جبير بن حية الثقفي البصري ، روى له الجماعة ، عن أبيه جبير بن [ ص: 253 ] حية بن مسعود الثقفي البصري ، روى له الجماعة سوى مسلم ، وجبير -بضم الجيم وفتح الباء الموحدة- وحية -بفتح الحاء المهملة وتشديد الياء آخر الحروف- .

                                                والحديث أخرجه الأربعة .

                                                فقال أبو داود : ثنا وهب بن بقية ، عن خالد ، عن يونس ، عن زياد بن جبير ، عن أبيه ، عن المغيرة - قال : وأحسب أن أهل زياد أخبروني أنه رفعه إلى النبي - عليه السلام - قال : "قال : الراكب يسير خلف الجنازة ، والماشي يمشي خلفها وأمامها وعن يمينها وعن يسارها قريبا منها ، والسقط يصلى عليه ، ويدعى لوالديه بالمغفرة والرحمة " .

                                                وقال الترمذي : ثنا بشر بن آدم ، قال : ثنا إسماعيل بن سعيد بن عبيد الله قال : نا أبي ، عن زياد بن جبير بن حية ، عن أبيه ، عن المغيرة بن شعبة ، أن النبي - عليه السلام - قال : "الراكب خلف الجنازة ، والماشي حيث شاء ، والطفل يصلى عليه " .

                                                وقال النسائي : أنا إسماعيل بن مسعود ، قال : أنا خالد ، قال : أنا سعيد بن عبيد الله قال : سمعت زياد بن جبير يحدث ، عن أبيه ، عن المغيرة بن شعبة ، أنه ذكر أن رسول الله - عليه السلام - قال : "الراكب خلف الجنازة ، والماشي حيث شاء منها ، والطفل يصلى عليه " .

                                                وأخرجه ابن ماجه مقتصرا على الصلاة على الطفل .

                                                ولما رواه الترمذي قال : هذا حديث حسن صحيح .

                                                وأخرجه الحاكم في "مستدركه " وقال : صحيح على شرط البخاري . [ ص: 254 ] فإن قيل : هذا الحديث في سنده اضطراب ، وفي متنه أيضا ; لأن في رواية أبي داود وأحسب أن أهل زياد أخبروني أنه رفعه ، وفي رواية غيره : عن زياد بن جبير ، عن أبيه ، عن المغيرة .

                                                وفي رواية ابن ماجه : عن زياد بن جبير ، سمع المغيرة . وليس فيه عن أبيه .

                                                وقال البيهقي : هذا حديث مشكوك في رفعه ، وكان يونس يقفه على زياد .

                                                قلت : لا نسلم أنه مضطرب ; لأن الطحاوي وأحمد بن حنبل وأبا داود والنسائي والترمذي أخرجوه عن زياد بن جبير ، عن أبيه ، عن المغيرة كما ذكرناه ، وأخرجوه مرفوعا ، وصححه الترمذي والحاكم ، فسقط ما قيل فيه فافهم .

                                                وأما عن البراء بن عازب - رضي الله عنه - فأخرجه بإسناد صحيح : عن عبد الغني بن رفاعة بن عبد الملك الجمحي المصري ، شيخ أبي داود ، عن عبد الرحمن بن زياد الرصاصي الثقفي ، وثقه ابن حبان وأبو حاتم ، عن شعبة بن الحجاج ، عن أشعث بن سليم أبي الشعثاء المحاربي الكوفي روى له الجماعة ، عن معاوية بن سويد بن مقرن المزني الكوفي ابن أخي النعمان بن مقرن روى له الجماعة ، عن البراء بن عازب - رضي الله عنه - .

                                                وأخرجه البخاري بأتم منه في عشرة مواضع من "صحيحه " : ثنا أبو الوليد ، نا شعبة ، عن الأشعث ، قال : سمعت معاوية بن مقرن ، عن البراء قال : "أمرنا رسول الله - عليه السلام - بسبع ، ونهانا عن سبع ، أمرنا باتباع الجنائز ، وعيادة المريض ، وإجابة الداعي ، ونصر المظلوم ، وإبرار القسم -أو المقسم- وتشميت العاطس ، ونهانا عن آنية الفضة ، وخاتم الذهب ، وعن المياثر والحرير والديباج والقسي والإستبرق [وإنشاد الضال] " . [ ص: 255 ] وفي لفظ وعن الشرب في آنية الفضة ، فإنه من شرب فيها في الدنيا ، لم يشرب فيها في الآخرة .

                                                وأخرجه مسلم أيضا .

                                                قوله : "أمرنا رسول الله - عليه السلام - باتباع الجنازة " قد ذكرنا أن المتبع للشيء هو المتأخر عنه ، والذي يتقدم عليه لا يسمى متبعا ، وهذا دليل صريح قاطع لأصحابنا فيما ذهبوا إليه .

                                                وقال الداودي : اتباع الجنائز يحمله بعض الناس عن بعض وهو واجب على ذي القرابة الحاضر ، والجار ، وكذا في عيادة المريض .

                                                وقال ابن التين : لا أعلم أحدا من الفقهاء ذكر هذه التفرقة إلا أن يريد بقوله واجب التأكيد ، والذي يقوله غيره : إنه أمر ندب ، وعند الجمهور من فروض الكفاية .

                                                وقال ابن قدامة : هو على ثلاثة أضرب :

                                                أحدها : أن يصلي عليها ثم ينصرف ، قال زيد بن ثابت : إذا صليت فقد قضيت الذي عليك ، وقال أبو داود : رأيت أحمد ما لا أحصي يصلي على الجنازة ولم يتبعها إلى القبر ولم يستأذن .

                                                الثاني : يتبعها إلى القبر ثم يقف حتى تدفن .

                                                الثالث : أن يقف بعد الدفن فيستغفر له ، ويسأل له التثبيت ، ويدعو له بالرحمة ، كذا روى عنه - عليه السلام - فيما ذكره أبو داود ، وروي عن ابن عمر - رضي الله عنهما - "أنه كان يقرأ عنده بعد الدفن أول البقرة وخاتمتها " انتهى .

                                                ثم اعلم أن حديث أنس صرح فيه أن رسول الله - عليه السلام - وأبا بكر وعمر كانوا يمشون خلف الجنازة ، وحديث المغيرة يخبر بأن المشي خلف الجنازة ، يباح كما هو [ ص: 256 ] كذلك في المشي أمامها ، وحديث البراء يخبر باتباع الجنازة ، والاتباع لا يكون إلا إذا كان خلف الجنازة ، فكل ذلك يدل على فساد قول الزهري المذكور ، وقال ابن شاهين : هذا باب بن مشكل عن القطع فيه بشيء ، فيجوز أن يكون مشي النبي - عليه السلام - بين يدي الجنازة لعلة ، وخلفها لعلة ، كما كان إذا صلى سلم واحدة فلما كثر الناس عن يمينه وخلا اليسار سلم عن يمينه ويساره ، ثم جاءت الرخصة منه بأنه يمشي حيث شاء ، وقد جاء في المشي خلفها من الفضل ما لم يجئ في المشي أمامها .




                                                الخدمات العلمية