الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                صفحة جزء
                                                3568 3569 3570 3571 3572 ص: فقالوا : أما حديث يعلى فلا حجة فيه لمن خالفنا ، وذلك أن ذلك الطيب الذي كان على ذلك الرجل إنما كان صفرة وهو خلوق فذلك مكروه للرجل لا للإحرام ، ولكنه لأنه مكروه في نفسه في حال الإحلال وفي حال الإحرام وإنما أبيح من الطيب عند الإحرام ما هو حلال في حال الإحلال ، وقد روي عن يعلى ما بين أن ذلك الذي أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - ذلك الرجل بغسله كان خلوقا .

                                                حدثنا ابن أبي داود ، قال : ثنا محمد بن المنهال ، قال : ثنا يزيد بن زريع ، قال : ثنا سعيد بن أبي عروبة ، عن مطر الوراق ، عن عطاء ، عن يعلى بن منية : "أن رسول الله - عليه السلام - رأى رجلا لبى بعمرة وعليه جبة وشي من خلوق ، فأمره أن ينزع الجبة ويمسح خلوقه ويصنع في عمرته ما يصنع في حجته" . .

                                                حدثنا يونس ، قال : ثنا ابن وهب ، قال : ثنا الليث ، [ أن] عطاء بن أبي رباح حدثه ، عن ابن يعلى بن منية ، عن أبيه ، عن النبي - عليه السلام - مثله .

                                                حدثنا ابن مرزوق ، قال : ثنا حسان بن هلال ، قال : ثنا همام ، قال : ثنا عطاء ، عن صفوان بن يعلى بن أمية ، عن أبيه ، عن النبي - عليه السلام - نحوه ، غير أنه قال : " واغسل عنك أثر الخلوق والصفرة" .

                                                [ ص: 88 ] حدثنا صالح بن عبد الرحمن ، قال : ثنا سعيد بن منصور ، قال : ثنا هشيم ، قال : ثنا عبد الملك ومنصور وابن أبي ليلى ، عن عطاء ، عن يعلى بن أمية : " أن رجلا جاء إلى رسول الله - عليه السلام - فقال : يا رسول الله ، إني أحرمت وعلي جبتي هذه وعلى جبته ردوع من خلوق ، والناس يسخرون مني فأطرق عنه ساعة ثم قال : اخلع عنك هذه الجبة ، واغسل عنك هذا الزعفران واصنع في عمرتك ما كنت صانعا في حجتك" .

                                                فبينت لنا هذه الآثار أن ذلك الطيب الذي أمره النبي - عليه السلام - بغسله كان خلوقا ، وذلك منهي عنه في حال الإحلال وحال الإحرام ، فيجوز أن يكون النبي - عليه السلام - أراد بأمره إياه بغسله لما كان من نهيه أن يتزعفر الرجل ، لا لأنه طيب تطيب به قبل الإحرام ثم حرمه عليه الإحرام .

                                                التالي السابق


                                                ش: أي قال الآخرون في الجواب عما احتجت به أهل المقالة الأولى من حديث يعلى : بيانه أن يقال : إن حديث يعلى لا حجة لكم فيه ؛ لأن ذلك الطيب الذي كان على ذلك الرجل وأمره - عليه السلام - بغسله إنما كان صفرة وهو خلوق ، والخلوق مكروه للرجل في كل الأحوال سواء كان في حالة الإحرام أو في حالة الإحلال ولا يباح من الطيب عند الإحرام إلا ما هو حلال في حالة الإحلال ، والدليل على ذلك : أن حديث يعلى بن أمية الذي روي بطرق مختلفة قد بين ذلك وأوضح أن ذلك الطيب الذي أمره - عليه السلام - بغسله كان خلوقا ، وهو منهي عنه في كل الأحوال .

                                                وقال ابن حزم في "المحلى" لا حجة لهم في هذا الخبر لأنه كان في الجعرانة كما ذكر في الحديث ، وعمرة الجعرانة كانت إثر فتح مكة متصلة به في ذي القعدة ، لأن فتح مكة كان في شهر رمضان ، وكانت حينئذ متصلة به ، ثم عمرة الجعرانة منصرفه - عليه السلام - من حنين ثم حج تلك السنة عتاب بن أسيد ثم كان عام قابل فحج بالناس أبو بكر ، ثم كانت حجة الوداع في العام الثالث ، وكان تطيب النبي - عليه السلام - وأزواجه معه في حجة الوداع بعد حديث هذا الرجل بأزيد من عامين ، فممن أعجب ؟ ممن يعارض آخر فعله - عليه السلام - بأول فعله - هذا يوضح أن حديث يعلى بن أمية فيه نهي [ ص: 89 ] عن الطيب للمحرم - وهذا لا يصح لهم لأن هذا الخبر رواه من هو أحفظ من ابن جريج وأجل منه ، فبين أن ذلك الطيب إنما كان خلوقا ، ثم روى الحديث المذكور بطرقه ، كما رواه الطحاوي ، ثم قال : فاتفق عمرو بن دينار وهمام بن يحيى وقيس بن سعد كلهم ، عن عطاء في هذه القصة نفسها ، عن صفوان ابن يعلى ، عن أبيه أنه كان متضمخا بخلوق وهو الصفرة نفسها ، وهو الزعفران بلا خلاف ، وهو محرم على الرجال عامة في كل حال ، وعلى المحرم أيضا بخلاف سائر الطيب ، ثم قال : فبطل تشغيبهم بهذا الخبر جملة ؛ لأنه إنما فيه نهي عن الصفرة لا عن سائر الطيب ، ولأنه لو كان فيه نهي عن الطيب - وليس ذلك فيه - لكان منسوخا بآخر فعله - عليه السلام - في حجة الوداع . انتهى .

                                                ثم إنه أخرج حديث يعلى بن أمية من أربع طرق صحاح :

                                                الأول : عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي ، عن محمد بن المنهال . . . إلى آخره .

                                                وأخرجه البيهقي في "سننه" من حديث شعبة ، عن قتادة ، عن عطاء ، عن يعلى بن منية : "أن النبي - عليه السلام - رأى رجلا عليه جبة عليها أثر خلوق أو صفرة ، فقال : اخلعها عنك واجعل في عمرتك ما تجعل في حجك" .

                                                قوله : "عن يعلى بن منية " وفي بعض الروايات "عن يعلى بن أمية " وكلاهما صحيح لأن منية أمه وأمية أبوه ، فتارة يذكر يعلى بانتسابه إلى أمه ، وتارة بانتسابه إلى أبيه .

                                                قوله : "جبة وشي من خلوق" قال الجوهري : الوشي من الثياب معروف ، والخلوق - بفتح الخاء - طيب معروف مركب يتخذ من الزعفران وغيره من أنواع الطيب ، وتغلب عليه الحمرة والصفرة ، وقال الجوهري : "الخلوق" ضرب من الطيب ، وقد خلقته أي طيبته بالخلوق فتخلق به ، وفي "المطالع" : الخلوق : طيب يخلط بالزعفران .

                                                [ ص: 90 ] الثاني : عن يونس بن عبد الأعلى ، عن عبد الله بن وهب ، عن الليث بن سعد ، عن عطاء بن أبي رباح ، عن ابن يعلى بن منية ، عن أبيه ، عن النبي - عليه السلام - ، هكذا هو في غالب النسخ عن عطاء عن ابن يعلى بن منية عن أبيه ، وفي بعضها عن عطاء عن يعلى بن منية عن النبي - عليه السلام - ، ورأيت في بعض المواضع : قال الطحاوي : كذا يقول الليث : عن يعلى بن منية عن أبيه ، وإنما هو ابن يعلى بن منية عن أبيه .

                                                قلت : وكذا في رواية أبي داود : عن يزيد بن خالد ، عن الليث ، عن عطاء بن أبي رباح ، عن ابن يعلى بن منية ، عن أبيه ، بهذا الخبر ، قال فيه : "وأمره رسول الله - عليه السلام - أن ينزعها ، ويغتسل مرتين أو ثلاثا" .

                                                وفي "التكميل" : قال ابن كثير : ابن يعلى بن أمية قال شيخنا : إن لم يكن صفوان بن يعلى بن أمية فلا أدري من هو .

                                                الثالث : عن إبراهيم بن مرزوق ، عن حبان - بفتح الحاء - بن هلال الباهلي ، عن همام بن يحيى ، عن عطاء بن أبي رباح ، عن صفوان بن يعلى بن أمية ، عن أبيه .

                                                وأخرجه مسلم : عن شيبان بن فروخ ، عن همام ، عن عطاء ، عن صفوان بن يعلى بن منية ، عن أبيه قال : "جاء رجل إلى النبي - عليه السلام - وهو بالجعرانة عليه جبة وعليها خلوق - أو قال : أثر صفرة - فقال : وكيف تأمرني أن أصنع في عمرتي . . إلى أن قال : أين السائل عن العمرة ؟ اغسل عنك أثر الصفرة - أو قال أثر الخلوق - واخلع عنك جبتك ، واصنع في عمرتك ما أنت صانع في حجتك" .

                                                وأخرجه أبو داود : عن محمد بن كثير ، عن همام ، عن عطاء . . إلى آخره نحوه .

                                                وأخرجه أبو يعلى في "مسنده" عن شيبان بن فروخ نحو مسلم .

                                                [ ص: 91 ] الرابع : عن صالح بن عبد الرحمن عن سعيد بن منصور الخراساني شيخ مسلم وأبي داود عن هشيم بن بشير عن عبد الملك بن جريج ومنصور بن زادان ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى ثلاثتهم عن عطاء بن أبي رباح عن يعلى بن منية إلى آخره .

                                                وأخرجه أبو يعلى في "مسنده" : ثنا زكريا بن يحيى الواسطي ، نا هشيم ، عن منصور ، عن عطاء ، عن يعلى بن أمية قال : "جاء رجل أعرابي إلى رسول الله - عليه السلام - وعليه جبة عليها ردع من خلوق ، فقال : يا رسول الله ، إني أحرمت فيما ترى ، وإن الناس يسخرون مني ، فأطرق عنه هنيهة ، ثم قال : اغسل عنك أثر الزعفران ، واخلع جبتك واصنع في عمرتك ما كنت صانعا في حجتك" .

                                                وأخرجه أبو علي الطوسي نحوه .

                                                قوله : "وعلى جبته ردوع من خلوق" الردوع جمع ردع - بفتح الراء وسكون الدال وبالعين المهملات - وهو الشيء اليسير من الخلوق ، يقال : ثوب به ردع من الزعفران أي لطخ لم يعمه كله وفي "الموعب" : الردع أثر الخلوق والطيب في الجسد ، وعن أبي عمرو : هو اللطخ ، وقد ردعته وارتدع هو ، وقال ابن سيده بالثوب ردع من زعفران أي شيء يسير في مواضع شتى ، وقميص رادع ومردوع ومردع : فيه أثر الطيب .

                                                وفي بعض النسخ : "ردع" بالإفراد ، وهذه هي الأصح والله أعلم .

                                                قوله : "فيجوز أن يكون النبي - عليه السلام - أراد بأمره . . . إلى آخره" جواب ثان عن الحديث المذكور ، بيانه أن يقال : يجوز أن يكون المراد من قوله : "واغسل عنك الصفرة" في حديث يعلى المذكور في أول الباب أمرا لما كان من نهيه أن يتزعفر الرجل ، وليس لأجل أنه طيب تطيب به قبل الإحرام ، ثم حرم عليه بسبب الإحرام ، ثم شرع في بيان النهي عن تزعفر الرجل بقوله :




                                                الخدمات العلمية