الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                صفحة جزء
                                                5109 5110 ص: حدثنا فهد ، قال: ثنا أبو غسان (ح).

                                                وحدثنا سليمان بن شعيب ، قال: ثنا علي بن معبد، قالا: ثنا أبو بكر بن عياش، قال: ثنا عاصم بن بهدلة، قال: حدثني أبو وائل ، قال: حدثني ابن معيز السعدي ، قال: "خرجت أسقد فرسا لي بالسحر، فمررت على مسجد من مساجد بني حنيفة ، فسمعتهم يشهدون أن مسيلمة رسول الله، قال: فرجعت إلى عبد الله بن مسعود ، -رضي الله عنه- فذكرت له أمرهم، فبعث الشرط، فأخذوهم، فجيء بهم إليه، فتابوا ورجعوا عما قالوا، وقالوا: لا نعود، فخلى سبيلهم، وقدم رجلا منهم يقال له: عبد الله بن] النواحة فضرب عنقه، فقال الناس: أخذت قوما في أمر واحد فخليت سبيل بعضهم وقتلت بعضهم؟! فقال: كنت عند رسول الله -عليه السلام- جالسا فجاء ابن النواحة ، ورجل معه يقال له: حجر بن وثال، وافد من عند

                                                [ ص: 168 ] مسيلمة، فقال لهما رسول الله -عليه السلام-: أتشهدان أني رسول الله؟ فقالا: أتشهد أنت أن مسيلمة رسول الله؟ فقال لهما: أمنت بالله وبرسوله، لو كنت قاتلا وفدا لقتلتكما. فلذلك قتلت هذا".


                                                فهذا عبد الله بن مسعود قد قتل ابن النواحة ، ولم يقبل توبته؛ إذ علم أنه هكذا خلقه ، يظهر التوبة إذ ظفر ثم يعود إلى ما كان عليه إذا خلي.

                                                التالي السابق


                                                ش: هذان طريقان:

                                                الأول: عن فهد بن سليمان ، عن أبي غسان مالك بن إسماعيل النهدي شيخ البخاري ، عن أبي بكر بن عياش - بالياء آخر الحروف والشين المعجمة - بن سالم الحناط الكوفي المقرئ روى له الجماعة، مسلم في مقدمة كتابه.

                                                عن عاصم بن بهدلة الكوفي أبي بكر المقرئ روى له الشيخان مقرونا بغيره.

                                                عن أبي وائل شقيق بن سلمة روى له الجماعة، عن ابن معيز - بضم الميم وفتح العين وسكون الياء آخر الحروف وفي آخره زاي معجمة - أدرك النبي -عليه السلام- ولم يره.

                                                ذكره ابن الأثير في "الصحابة".

                                                وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه": من وجه آخر قال: ثنا أبو معاوية، ثنا الأعمش ، عن أبي إسحاق ، عن حارثة بن مضرب قال: "خرج رجل يطرق فرسا له، فمر بمسجد بني حنيفة فصلى فيه، فقرأ إمامهم بكلام مسيلمة الكذاب، فأتى ابن مسعود -رضي الله عنه- فأخبره، فبعث إليهم، فجاء بهم فاستتابهم فتابوا إلا عبد الله بن النواحة فإنه قال له: يا عبد الله، لولا أني سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: لولا أنك رسول لضربت عنقك، فأما اليوم فلست برسول؛ يا خرشة قم فاضرب عنقه، فقام فضرب عنقه".

                                                ثنا وكيع، قال: ثنا إسماعيل بن أبي خالد ، عن قيس قال: "جاء رجل إلى ابن [ ص: 169 ] مسعود فقال: إني مررت بمسجد بني حنيفة فسمعت إمامهم يقرأ بقراءة ما أنزلها الله على محمد -عليه السلام- فسمعته يقول: الطاحنات طحنا فالعاجنات عجنا فالخابزات خبزا فالثاردات ثردا فاللاقمات لقما، قال: فأرسل عبد الله فأتي بهم سبعين ومائة رجل على دين مسيلمة، إمامهم عبد الله بن النواحة، فأمر به فقتل، ثم نظر إلى بقيتهم فقال: ما نحن بمحرري الشيطان، هؤلاء سائر القوم رحلوهم إلى الشام، لعل الله أن يفنيهم بالطاعون".

                                                الثاني: عن سليمان بن شعيب الكيساني ، عن علي بن معبد بن شداد الرقي أحد أصحاب محمد بن الحسن، عن أبي بكر بن عياش ... إلى آخره.

                                                وأخرجه البيهقي في "سننه": من حديث أبي عوانة ، عن أبي إسحاق ، عن حارثة بن مضرب قال: "صليت الغداة مع ابن مسعود -رضي الله عنه-، فقام رجل فأخبر أنه انتهى إلى مسجد بني حنيفة مسجد عبد الله بن النواحة فسمع مؤذنهم يشهد أن لا إله إلا الله وأن مسيلمة رسول الله، وأنه سمع أهل المسجد على ذلك، فقال عبد الله: من ها هنا؟ فوثب نفر، فقال: علي بابن النواحة وأصحابه، فجيء بهم وأنا جالس، فقال لابن النواحة: أين ما كنت تقرأ من القرآن؟ قال: كنت أتقيكم به، قال: فتب، فأبى، فأمر قرظة بن كعب الأنصاري فأخرجه إلى السوق فضرب رأسه، فسمعت عبد الله يقول: من سره أن ينظر إلى ابن النواحة قتيلا فليخرج، فكنت فيمن خرج، فإذا هو قد جرد، ثم إن ابن مسعود قد استشار الناس في أولئك النفر فأشار عليه عدي بن حاتم بقتلهم، فقام جرير والأشعث فقالا: بل استتبهم وكفلهم عشائرهم، فاستتابهم فتابوا، وكفلهم عشائرهم".

                                                قوله: "أسقد فرسا لي" أي: أضمره، يقال: أسقد فرسه وسقده، قال ابن الأثير: هكذا أخرجه الزمخشري عن ابن السعدي، وأخرجه الهروي عن أبي وائل، ويروى

                                                [ ص: 170 ] بالفاء والراء من التسفير ومعناه: أنه خرج يدمنه على السير ويروضه ليقوى على السفر، وقيل: من سفرت البعير إذا رعيته السفير وهو أسافل الزرع.

                                                قوله: "فبعث الشرط" بفتح الشين والراء، قال ابن الأثير: شرط السلطان نخبة أصحابه الذين يقدمهم على غيرهم من جنده، قال ابن الأعرابي: هم الشرط والنسبة إليهم شرطي، والشرطة والنسبة إليهم شرطي.

                                                وقال الجوهري: قال الأصمعي: ومنه سمي الشرط؛ لأنهم جعلوا لأنفسهم علامة يعرفون بها، الواحد شرطة وشرطي، وقال أبو عبيدة: سموا شرطا لأنهم أعدوا.




                                                الخدمات العلمية