الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

مسانيد المكثرين مسند أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه -

التالي السابق


هو أكثر المكثرين المذكورين هاهنا حديثا، بل أكثر الصحابة على الإطلاق. ففي "الإصابة ": أجمع أهل الحديث على أنه أكثر الصحابة حديثا. وذكر أبو محمد بن حزم: أن مسند بقي بن مخلد احتوى من حديث أبي هريرة على خمسة آلاف وثلاث مئة حديث وكسر. وقد اختلف في اسمه واسم أبيه بعد الاتفاق على أنه دوسي، إما لكونه منهم، أو لأنه كان وسيطا فيهم اختلافا كثيرا جدا، وأحسن ما قيل في اسمه: إنه عبد الله، أو عبد الرحمن. قال ابن إسحاق : قال لي بعض أصحابنا عن أبي هريرة : كان اسمي في الجاهلية عبد شمس بن صخر، فسماني رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الرحمن، وكنيت أبا هريرة ; لأني وجدت هريرة، فحملتها في كمي، فقيل لي: أبو هريرة . وهكذا أخرجه أبو أحمد الحاكم في "الكنى" من طريق يونس بن بكير عن ابن إسحاق . وأخرجه ابن منده من هذا الوجه مطولا. وأخرج الترمذي بسند حسن عن عبيد الله بن أبي رافع، قال: قلت لأبي هريرة: لم اكتنيت بأبي هريرة؟ قال: كنت أرعى غنم أهلي، وكانت لي هرة صغيرة، فكنت أضعها بالليل في شجرة، فإذا كان النهار، ذهبت بها معي، فلعبت بها، فكنوني أبا هريرة، انتهى. وقال أبو معشر المدائني: عن محمد بن قيس، قال: كان أبو هريرة يقول:لا تكنوني أبا هريرة ; فإن النبي صلى الله عليه وسلم كناني أبا هر، والذكر خير من الأنثى. وقال أبو نعيم: كان أحفظ الصحابة لأخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ودعا له بأن يحببه إلى المؤمنين، وكان إسلامه بين الحديبية وخيبر، قدم المدينة مهاجرا، وسكن الصفة. وقال الشافعي: أبو هريرة أحفظ من روى الحديث في دهره. وجاء أن مروان أرسل إلى أبي هريرة، فجعل يحدثه، وأجلس رجلا خلف السرير، فكتب ما حدث به، ثم أرسل إليه في رأس الحول، فسأله، وأمر الرجل أن ينظر، فما غير حرفا عن حرف. وأخرج ابن سعد بسند جيد عن سعيد بن عمرو، قال: قالت عائشة لأبي هريرة : إنك لتحدث بشيء ما سمعته، فقال: يا أمه! شغلك عنه المكحلة والمرودة، وما كان يشغلني عنها شيء. والأخبار في سعة حفظه وكثرة أحاديثه كثيرة شهيرة في الكتب. وعن كعب أنه قال: ما رأيت رجلا لم يقرأ التوراة أعلم بما في التوراة من أبي هريرة . وعن أبي هريرة قال: بلغ عمر حديثي، فقال لي: كنت معنا يوم كنا في بيت فلان؟ قلت: نعم، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يومئذ: "من كذب علي" الحديث، قال: فاذهب الآن فحدث، أخرجه مسدد في "مسنده". وأخرج أحمد في "الزهد" بسند صحيح عن أبي عثمان النهدي، قال: تضيفت أبا هريرة سبعا، فكان هو وامرأته وخادمه يعتقبون الليل أثلاثا، يصلي هذا، ثم يوقظ هذا. وجاء بسند صحيح: أنه كان يسبح كل يوم اثنتي عشرة ألف تسبيحة. واستعمله عمير على البحرين، فقدم بعشرة آلاف، فقال له: من أين لك؟ قال: خيل نتجت، وأعطية تتابعت، وخراج رقيق لي، فنظر فوجدها كما قال، ثم دعاه ليستعمله، فأبى، فقال: طلب العمل من كان خيرا منك، قال: إنه يوسف نبي الله ابن نبي الله، وأنا أبو هريرة بن أمية أخشى ثلاثا: أن أقول بغير علم، أو أقضي بغير حكم، وأن يضرب ظهري، ويشتم عرضي، وينزع مالي. وأخرج ابن أبي الدنيا في "كتاب المزاح ": أن رجلا قال لأبي هريرة : إني أصبحت صائما، فجئت أبي، فوجدت عنده خبزا ولحما، فأكلت حتى شبعت، ونسيت أني صائم، فقال أبو هريرة : الله أطعمك، قال: فخرجت حتى أتيت فلانا، فوجدت عنده لقحة تحلب، فشربت من لبنها حتى رويت؟ قال: الله سقاك، قال: ثم رجعت إلى أهلي فقلت، فلما استيقظت، دعوت بماء فشربته، فقال: يا بن أخي! أنت لم تعود الصيام. وجاء أنه دخل مروان على أبي هريرة في مرضه الذي مات فيه، فقال أبو هريرة : اللهم إني أحب لقاءك، فأحب لقائي، فما بلغ مروان وسط السوق حتى مات. وكتب الوليد إلى معاوية يخبره بموته، فكتب إليه: انظر من ترك، فادفع إلى ورثته عشرة آلاف درهم، وأحسن جوارهم; فإنه كان ممن نصر عثمان يوم الدار. قال أبو سليمان بن زبر في "تاريخه ": عاش أبو هريرة ثمانيا وسبعين سنة، والله تعالى أعلم .

* * *

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث