الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                            صفحة جزء
                                                            باب الغنيمة والنفل عن همام عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لم تحل الغنائم لمن قبلنا ذلك بأن الله عز وجل رأى ضعفنا وعجزنا فطيبها لنا وعنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم غزا نبي من الأنبياء فقال لقومه لا يتبعني رجل قد ملك بضع امرأة ، وهو يريد أن يبني بها ، ولما يبن ولا آخر قد بنى بنيانا ، ولما يرفع سقفها ، ولا آخر قد اشترى غنما أو خلفات ، وهو ينتظر أولادها فغزا فدنا من القرية حين صلى العصر أو قريبا من ذلك ، فقال للشمس أنت مأمورة ، وأنا مأمور اللهم احتبسها علي شيئا فحبست عليه حتى فتح الله عليه فجمعوا ما غنموا فأقبلت النار لتأكله فأبت أن تطعمه فقال فيكم غلول فليبايعني من كل قبيلة رجل فبايعوه فلصقت يد رجل بيده فقال فيكم الغلول فلتبايعني قبيلتك فبايعته قبيلته . قال فلصق يد رجلين أو ثلاثة بيده فقال منكم الغلول أنتم غللتم . فأخرجوا له مثل رأس بقرة من ذهب ، قال فوضعوه في المال ، وهو بالصعيد فأقبلت النار فأكلته فلم تحل الغنائم لأحد من قبلنا ذلك بأن الله رأى عجزنا وضعفنا فطيبها لنا

                                                            التالي السابق


                                                            [ ص: 244 ] باب الغنيمة والنفل .

                                                            (الحديث الأول) عن

                                                            همام عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لم تحل الغنائم لمن قبلنا ذلك بأن الله عز وجل رأى ضعفنا وعجزنا فطيبها لنا ، وعنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم غزا نبي من الأنبياء فقال لقومه لا يتبعني رجل قد ملك بضع امرأة ، وهو يريد أن يبني بها ، ولما يبن ولا آخر قد بنى بنيانا ، ولما يرفع سقفها ، ولا آخر قد اشترى غنما أو خلفات ، وهو ينتظر أولادها فغزا فدنا من القرية حين صلى العصر أو قريبا من ذلك فقال للشمس أنت مأمورة ، وأنا مأمور اللهم احبسها علي شيئا فحبست عليه حتى فتح الله عليه فجمعوا وغنموا فأقبلت النار لتأكله فأبت أن تطعمه قال فيكم غلول فليبايعني من كل قبيلة رجل فبايعوه فلصقت يد رجل بيده فقال فيكم الغلول فلتبايعني قبيلتك فبايعته قبيلته قال فلصق يد رجلين أو ثلاثة بيده فقال فيكم الغلول أنتم غللتم فأخرجوا له مثل رأس بقرة من ذهب قال فوضعوه في المال وهو بالصعيد فأقبلت النار فأكلته فلم تحل [ ص: 245 ] الغنائم لأحد من قبل ذلك بأن الله رأى عجزنا وضعفنا فطيبها لنا . (فيه) فوائد :

                                                            (الأولى) الحديث الأول قطعة من الثاني ، وقد أخرج الثاني بطوله البخاري من طريق عبد الله بن المبارك ، ومسلم من طريق ابن المبارك أيضا كلاهما عن معمر عن همام عن أبي هريرة .

                                                            (الثانية) قوله غزا نبي من الأنبياء قيل إنه يوشع بن نون حكاه القاضي عياض .

                                                            (الثالثة) البضع بضم الباء ، وإسكان الضاد المعجمة كناية عن الفرج ذكره القاضي عياض ، والنووي ، ويطلق على معان أخر (أحدها) الجماع (الثاني) ملك الولي للمرأة .

                                                            (الثالث) مهر المرأة .

                                                            (الرابع) الطلاق .

                                                            (الخامس) النكاح ذكر الثلاثة الأولى صاحب المشارق ، وذكرها مع الرابع صاحب المحكم ، وذكر الخامس صاحبا الصحاح ، والنهاية ، وفي النهاية البضع يطلق على عقد النكاح والجماع معا ، وعلى الفرج انتهى .

                                                            ولا يتعين ما ذكره القاضي من أن المراد هنا الفرج فقد يراد النكاح أو الجماع ، وكلام الجوهري يقتضي [ ص: 246 ] إرادة النكاح لأنه بعد ذكره عن ابن السكيت أن البضع النكاح قال يقال ملك فلانة بضع فلانة قال المهلب شارح البخاري : فيه دليل على أن فتن الدنيا تدعو النفس إلى الهلع والجبن لأن من ملك بضع امرأة ، ولم يبن بها أو بنى بها فكان على طراوة منها فإن قلبه متعلق بالرجوع إليها ، ويشغله الشيطان عما هو عليه من الطاعة فيرمي في قلبه الجزع ، وكذلك ما في الدنيا من متاعها وفتنها انتهى .

                                                            وبوب عليه البخاري في النكاح من صحيحه باب من أحب البناء قبل الغزو ، انتهى .

                                                            وفي تعبيره بلما في قوله ، ولما يبن بها دون لم إشارة إلى أن البناء بها متوقع ، وقد قال الزمخشري في قوله تعالى ولما يدخل الإيمان في قلوبكم ما في لما في معنى التوقع دال على أن هؤلاء قد آمنوا فيما بعد انتهى .

                                                            (الرابعة) قوله بنى بنيانا ، ولم يرفع سقفها كذا ضبطنا في هذا الكتاب ، وفي صحيح مسلم قوله سقفها ، ومسند أحمد قوله سقفها مؤنثا مع أن المتقدم بنيان لا تأنيث فيه ، ولا جمع ، وذلك بتقدير تأويله بجمع كأبنية أو دور وعوده عليها ، وهو بضم السين والقاف جمع سقف كذا رويناه ، وإن لم يمكن سقفها بفتح السين وإسكان القاف لما بينا من عود الضمير على جمع بالتقدير ، ولفظ البخاري بنى بيوتا ، ولم يرفع سقوفها ، وهو شاهد لما قررنا من تقدير البنيان بجمع ، ومن أن السقف بضمتين بلفظ الجمع ، والله أعلم .

                                                            (الخامسة) الخلفات بفتح الخاء المعجمة وكسر اللام جمع خلفة ، وهي الحامل من النوق فإطلاق النووي تبعا للإكمال أنها الحوامل بغير قيد ، وقد صرح بتقييدها بالنوق أصحاب الصحاح والمحكم والمشارق والنهاية فقوله اشترى غنما أي حوامل أيضا بدليل الوصف المذكور بعده في قوله أو خلفات فحذف الوصف من الأول لدلالة الثاني عليه ، ويحتمل أن يكون قوله أو غنما على إطلاقه ، ولا يتقيد بأن تكون حوامل لأنها قليلة الصبر فيخشى ضياعها بخلاف النوق تتقيد بأن تكون حوامل ، وقوله ينتظر أولادها كذا هو في روايتنا ، وهو في الصحيحين بلفظ ولادها بكسر الواو ، والمراد به المصدر يقال ولدت ولادا وولادة ، والذي في روايتنا صحيح من حيث المعنى أيضا لأن الذي ينتظر الولاد ينتظر الأولاد أيضا .

                                                            (السادسة) فيه أن الأمور المهمة ينبغي أن لا تفوض إلا إلى أولي الحزم وفراغ [ ص: 247 ] البال لها ، ولا تفوض إلى متعلق القلب بغيرها لأن ذلك يضعف عزمه ، ويفوت كمال بذل وسعه فيه .

                                                            (السابعة) قوله فدنا من القرية كذا في روايتنا ، ورواية البخاري ، وفي رواية مسلم فأدنى للقرية بهمزة قطع حكاه القاضي عياض ، والنووي عن جميع النسخ قالا فإما أن يكون تعدية لدنا أي قرب فمعناه أدنى جيوشه وجموعه للقرية ، وإما أن يكون أدنى بمعنى حان أي قرب فتحها من قولهم أدنت الناقة إذا حان نتاجها ، ولم يقولوه في غير الناقة .

                                                            (الثامنة) قوله للشمس أنت مأمورة يحتمل أن يكون خلق الله تعالى فيها من التمييز والإدراك ما تصلح معه للمخاطبة بذلك ، ويحتمل أن يكون هذا على سبيل استحضار ذلك في النفس لتقرر أنه لا يمكن تحولها عن عادتها إلا بخرق عادة من الله تعالى بدعوة نبيه لا أن ذلك على سبيل الخطاب لها ، ولذلك قال عقبه اللهم احبسها علي ، ويكون المراد بذلك حكاية ما يقتضيه الحال كما في قوله

                                                            شـــكا إلـــي جــملي طــول الســرى صــــبرا جـــميلا فكلانـــا مبتلـــى

                                                            وقوله شيئا منصوب نصب المصدر قال القاضي عياض . اختلف في حبس الشمس المذكور هنا فقيل ردت على أدراجها ، وقيل وقفت ولم ترد ، وقيل بطئت حركتها قال : وكل ذلك من معجزات النبوة .

                                                            وقال ابن بطال بعد نقله الأقوال الثلاثة : والثالث أولى الأقوال قال القاضي عياض ، وقد روي أن نبينا محمدا صلى الله عليه وسلم حبست له الشمس مرتين إحداهما يوم الخندق حين شغلوا عن صلاة العصر حتى غربت الشمس فردها الله تعالى عليه حتى صلى العصر ذكر ذلك الطحطاوي وقال رواته ثقات (والثانية) صبيحة الإسراء حين انتظر العير التي أخبر بوصولها مع شروق الشمس. ذكره يونس بن بكير في زيادته على سيرة ابن إسحاق (قلت) ، وروى الطبراني في معجمه الأوسط بإسناد حسن عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر الشمس فتأخرت ساعة من نهار ، وروى الطبراني في معجمه الكبير بإسناد حسن أيضا عن أسماء بنت عميس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى الظهر بالصهباء ثم أرسل عليا في حاجة فرجع ، وقد صلى النبي صلى الله عليه وسلم العصر فوضع النبي صلى الله عليه وسلم رأسه في حجر علي فنام فلم يحركه حتى غابت الشمس فقال النبي صلى الله عليه وسلم اللهم إن عبدك [ ص: 248 ] عليا احتبس بنفسه على نبيه فرد عليه الشمس قالت أسماء فطلعت عليه الشمس حتى وقفت على الجبال وعلى الأرض ، وقام علي فتوضأ ، وصلى العصر ثم غابت ، وذلك بالصهباء ، وفي لفظ آخر كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا نزل عليه الوحي يكاد يغشى عليه فأنزل الله عليه يوما ، وهو في حجر علي فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم صليت العصر ؟ فقال لا يا رسول الله ، فدعا الله فرد عليه الشمس حتى صلى العصر قالت فرأيت الشمس طلعت بعد ما غابت حين ردت حتى صلى العصر .

                                                            (التاسعة) قوله فجمعوا ما غنموا فأقبلت النار لتأكله فأبت أن تطعمه بفتح التاء والعين ، وهذه كانت عادة الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم في الغنائم أن يجمعوها فتجيء نار من السماء فتأكلها فيكون ذلك علامة لقبولها وعدم الغلول فيها فلما أبت في هذه المرة أن تأكلها عرف أن فيهم غلولا فلما ردوه جاءت فأكلتها ، وكذلك كان أمر قربانهم إذا يقبل جاءت نار من السماء فأكلته .

                                                            (العاشرة) (الغلول) سرقة المغنم خاصة ، وأمره بأن يبايعه من كل قبيلة رجل ليظهر الغال بلصوق يده ، وهذه معجزة ، ولا يكون ذلك إلا بوحي ، وفيه معاقبة الجماعة بفعل سفلتها للصوق يد ذلك الرجل الذي كان الغلول من بعض قبيلته ، ولعدم قبول الغنيمة مع أن الغلول إنما وقع من بعض الغانمين ، وفيه أن أحكام الأنبياء بوحي ومعجزة بحسب باطن الأمر كما في هذا الموضع ، وقد يكون بحسب ظاهر الأمر كغيرهم من الحكام ، وعليه جاء الحديث فمن قضيت له من حق أخيه بشيء فإنما أقطع له قطعة من النار .



                                                            (الحادية عشرة) قوله وهو بالصعيد أي وجه الأرض ، وقوله فأقبلت النار فأكلته أي جميع الموضوع بالصعيد ذلك المغلول ، وغيره قال ابن بطال : وفيه جواز إحراق أموال المشركين ، وما غنم منها انتهى .

                                                            وهو عجيب لأن تلك شريعة منسوخة لا عمل عليها عندنا ، ولأن ذلك الإحراق ليس بفعلهم ، وإنما هو بفعل الله تعالى الذي لا سبب لهم فيه .



                                                            (الثانية عشرة) قال ابن بطال أيضا فيه دليل على تجديد البيعة إذا احتيج إلى ذلك لأمر يقع ، وقد فعل ذلك النبي صلى الله عليه وسلم تحت الشجرة (قلت) ليست هذه مبايعة حقيقة كما ، وقع للنبي صلى الله عليه وسلم تحت الشجرة ، وإنما [ ص: 249 ] صورتها صورة المبايعة بوضع الكف في الكف للمعجزة للنبي صلى الله عليه وسلم ، وهي لصوق كف الغال أو من كان من قبيلته ، والله أعلم .



                                                            (الثالثة عشرة) فيه إباحة الغنائم لهذه الأمة ، وأنها مختصة بذلك ، وكان ابتداء تحليل الغنائم لهذه الأمة في وقعة بدر كما ثبت في الصحيحين من حديث ابن عباس في قصة أخذهم فداء الأسارى وفي آخره ، وأنزل الله ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض إلى قوله فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا فأحل الله الغنيمة لهم فهذا ظاهر في أنه حينئذ أحلت له الغنائم لكن ذكر ابن إسحاق أن عبد الله بن جحش حين بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أصحابه سرية إلى بطن نخلة في شهر رجب قبل بدر الكبرى ، وأخذوا العير والأسيرين قال عبد الله لأصحابه إن لرسول الله صلى الله عليه وسلم مما غنمتم الخمس ، وذلك قبل أن يفرض الله الخمس من المغانم فعزل لرسول الله صلى الله عليه وسلم خمس العير ، وقسم سائرها بين أصحابه ، وكان ذلك في آخر يوم من شهر رجب فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أمرتكم بقتال في الشهر الحرام فوقف العير والأسيرين ، وأبى أن يأخذ منها شيئا حتى نزلت يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه فحينئذ قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم العير والأسيرين ، وهذه القصة ليس إسنادها بمتصل ولا ثابت فإن ابن إسحاق قال فيها ، وذكر عن بعضهم أن عبد الله بن جحش قال لأصحابه يذكر ذلك ، قال ابن سعد في الطبقات : ويقال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقف غنائم نخلة حتى رجع من بدر فقسمها مع غنائم أهل بدر ، وأعطى كل قوم حقهم قال : ويقال إن عبد الله بن جحش خمس ما غنم وقسم بين أصحابه سائر الغنائم فكان أول خمس خمس في الإسلام .



                                                            (الرابعة عشرة) قال ابن بطال ، وفيه أن قتال آخر النهار ، وإذا هبت رياح النصر أفضل كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعل (قلت) ليس في الحديث أنه قصد القتال ذلك الوقت ، وإنما فيه أنه دنا من القرية ذلك الوقت فلعله غير مقصود ، وإنما اقتضاه وقوع الحال كذلك . .




                                                            الخدمات العلمية