الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                              صفحة جزء
                                                                                              3221 [ 1796 ] وعن علي قال: ما كنت أقيم على أحد حدا فيموت فيه فأجد في نفسي إلا صاحب الخمر; لأنه إن مات وديته; لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يسنه.

                                                                                              رواه أحمد (1 \ 125) والبخاري (6778) ومسلم (1707) (39) وأبو داود (4486) وابن ماجه (2569).

                                                                                              التالي السابق


                                                                                              و(قول علي : ما كنت لأقيم على أحد حدا فيموت فأجد في نفسي إلا صاحب الخمر; لأنه إن مات وديته ) يدل على أن ما كان فيه حد محدود فأقامه الإمام على وجهه، فمات المحدود بسببه لم يلزم الإمام شيء ، ولا عاقلته، ولا بيت المال. وهذا مجمع عليه; لأن الإمام قام بما وجب عليه، والميت قتيل الله. وأما حد الخمر فقد ظهر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يحد فيه حدا، فلما قصرته الصحابة على عدد محدود، هو الثمانون، وجد علي في نفسه من ذلك شيئا، فصرح بالتزام الدية إن وقع له موت المجلود احتياطا، وتوقيا، لكن ذلك - والله أعلم - فيما زاد على الأربعين إلى الثمانين. وأما الأربعون: فقد نص هو على أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبا بكر جلداها، وسمى ذلك سنة. فكيف يخاف من ذلك؟

                                                                                              وهذا هو الذي فهمه الشافعي من فعل علي هذا، فقال: إن حد أربعين بالأيدي، والنعال، والثياب فمات; فالله قتله، وإن زيد على الأربعين بذاك، أو ضرب أربعين بسوط فمات; فديته على عاقلة الإمام.

                                                                                              قلت: ويظهر لي من فعل عمر خلاف ذلك: إنه لما شهد على قدامة بشرب الخمر استشار من حضره في جلده، فقال القوم: لا نرى أن تجلده ما دام [ ص: 138 ] وجعا، فسكت عمر عن جلده أياما، ثم أصبح يوما قد عزم على جلده، فاستشارهم، فقالوا: لا نرى أن تجلده ما دام وجعا، فقال عمر : والله لأن يلقى الله تحت السياط أحب إلي من أن ألقى الله وهي في عنقي، والله لأجلدنه، فجلده بسوط بين سوطين.

                                                                                              وهذا يدل على أنه لا يلزم في ذلك دية لا على العاقلة، ولا في بيت المال; لأن عمر سلك في حد الخمر مسلك الحدود المحدودة بالنص.

                                                                                              وأما جلد عمر لقدامة على ما ذكروا له من وجعه، فكأنه فهم أن وجعه لم يكن بحيث يبالى به، ولا يخاف منه، وكأنهم اعتذروا به ليتأخر ضربه؛ شفقة عليه وحنوا، وقد ظهر ذلك منهم لما أتوه بسوط دقيق صغير، فقال لأسلم : أخذتك دقرارة أهلك; أي: حميتهم الحاملة على المخالفة.

                                                                                              واختلفوا فيمن مات من التعزير، فقال الشافعي : عقله على الإمام، وعليه الكفارة. وقيل: على بيت المال. وجمهور العلماء: على أنه لا شيء عليه.




                                                                                              الخدمات العلمية