الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                              صفحة جزء
                                                                                              401 (12) باب

                                                                                              المسح على الخفين والتوقيت فيه

                                                                                              [ 206 ] عن همام ; قال : بال جرير ، ثم توضأ ، ومسح على خفيه ، فقيل : تفعل هذا ؟ فقال : نعم . رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بال ، ثم توضأ ومسح على خفيه .

                                                                                              قال إبراهيم : كان يعجبهم هذا الحديث ، لأن إسلام جرير كان بعد نزول المائدة .

                                                                                              رواه أحمد ( 4 \ 358 ) ، والبخاري ( 387 ) ، ومسلم ( 272 ) ، وأبو داود ( 154 ) ، والترمذي ( 93 ) ، والنسائي ( 1 \ 81 ) .

                                                                                              [ ص: 527 ]

                                                                                              التالي السابق


                                                                                              [ ص: 527 ] (12) ومن باب المسح على الخفين

                                                                                              أنكر طائفة من أهل البدع المسح على الخفين في السفر والحضر ، كالخوارج ; لأنهم لم يجدوه في القرآن ، على أصلهم وردهم أخبار الآحاد ، وأنكرته الشيعة ; لما روي عن علي أنه كان لا يمسح . وأنكره غير هؤلاء زاعمين أن التمسك بآية الوضوء أولى ; إما لأنها ناسخة لما تقدمها من جواز المسح الثابت بالسنة ، وإما لأنها أرجح من أخبار الآحاد .

                                                                                              وأما جمهور العلماء من السلف وأئمة الفتوى فالمسح عندهم جائز . قال الحسن : حدثني سبعون من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه مسح على الخفين ، ثم إنه قد ورد من الأحاديث الصحيحة والمشهورة ما يفيد مجموعها القطع بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - مسح على الخفين . وقد روي عن مالك إنكار المسح على الخفين ، وليس ذلك بصحيح مطلقا ، وإنما الذي صح عنه من رواية ابن وهب في هذا ; أنه قال : لا أمسح في حضر ولا سفر ، نقلها أبو محمد بن أبي زيد في " نوادره " وغيره . فظاهر هذا أنه اتقاه في نفسه .

                                                                                              وقد روى ابن نافع في " المبسوط " عن مالك ما يزيل كل إشكال ، أنه قال له عند موته : المسح على الخفين في الحضر والسفر صحيح ، يقين ، ثابت ، لا شك فيه ، إلا أني كنت أجد في خاصة نفسي بالطهور ، [ ص: 528 ] ولا أرى من مسح مقصرا فيما يجب عليه ; وعلى هذا حمل أحمد بن حنبل قول مالك .

                                                                                              كما روي عن عمر أنه أمرهم أن يمسحوا أخفافهم ، وخلع هو وتوضأ ، وقال : " حبب إلي الوضوء " . ونحوه عن أبي أيوب . قال الشيخ - رحمه الله - : وعلى هذا يحمل ما روي عن علي . قال أحمد بن حنبل : فمن ترك ذلك على نحو ما تركه عمر ، وأبو أيوب ، ومالك ، لم أنكره عليه ، وصلينا خلفه ولم نعبه إلا أن يترك ذلك ولا يراه ، كما صنع أهل البدع ، فلا نصلي خلفه .

                                                                                              فأما من أنكر المسح في الحضر - وهي أيضا رواية عن مالك - فلأن أكثر أحاديث المسح إنما هي في السفر ، والصحيح جواز المسح فيه ، إذ هو ثابت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من قوله وفعله ، وحديث السباطة مما يدل عليه ; حيث كانت السباطة خلف الحائط ، بل قد روي في ذلك الحديث عن حذيفة ، قال : كنت مع النبي - صلى الله عليه وسلم - بالمدينة . . وذكر الحديث .

                                                                                              وقد روى أبو داود عن بلال : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - دخل الأسواق لحاجته ، ثم خرج فتوضأ ، ومسح على خفيه . والأسواق : موضع بالمدينة . وسيأتي حديث علي في توقيت المسافر والمقيم .

                                                                                              و (قول النخعي : " كان يعجبهم ") يعني : أصحاب عبد الله ، وقد جاء في [ ص: 529 ] رواية مفسرا هكذا . وإنما أعجبهم ذلك ; لأنه إنما رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد أن أسلم ، وأسلم بعد نزول المائدة ، فمسح النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد نزول المائدة ، فلا تكون آية الوضوء التي في المائدة ناسخة للسنة الثابتة في ذلك ، ولا مرجحة عليها ; خلافا لمن ذهب إلى ذلك .




                                                                                              الخدمات العلمية