الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                              صفحة جزء
                                                                                              68 [ 38 ] وعنه ، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت ، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره ، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه .

                                                                                              وفي أخرى : من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره .

                                                                                              رواه أحمد ( 2 \ 267 و 269 و 433 و 463 ) ، والبخاري ( 6018 ) ، ومسلم ( 47 ) ، وأبو داود ( 5154 ) ، وابن ماجه ( 3971 ) .

                                                                                              [ ص: 229 ]

                                                                                              التالي السابق


                                                                                              [ ص: 229 ] و (قوله : " من كان يؤمن بالله واليوم الآخر ، فليقل خيرا أو ليصمت ") ... الحديث . يعني : من كان يؤمن بالله الإيمان الكامل ، المنجي من عذاب الله ، الموصل إلى رضوان الله ; لأن من آمن بالله حق إيمانه ، خاف وعيده ورجا ثوابه ، ومن آمن باليوم الآخر ، استعد له ، واجتهد في فعل ما يدفع به أهواله ومكارهه ، فيأتمر بما أمر به ، وينتهي عما نهي عنه ، ويتقرب إلى الله تعالى بفعل ما يقرب إليه ، ويعلم أن من أهم ما عليه ضبط جوارحه التي هي رعاياه ، وهو مسؤول عنها جارحة جارحة ; كما قال تعالى : إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا [ الإسراء : 36 ] و : ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد [ ق : 18 ] ، وأن من أكثر المعاصي عددا ، وأيسرها فعلا : معاصي اللسان ، وقد استقرأ المحاسبون لأنفسهم آفات اللسان ، فوجدوها تنيف على العشرين . وقد أرشد النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى هذا جملة ; فقال : وهل يكب الناس على مناخرهم في النار إلا حصائد ألسنتهم .

                                                                                              وقال : كل كلام ابن آدم عليه ، إلا ذكر الله تعالى ، أو أمر بمعروف ، أو نهي عن منكر .

                                                                                              وقال : إن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله ما يلقي لها بالا ، يهوي بها في النار سبعين خريفا . فمن علم ذلك ، وآمن به حق إيمانه ، اتقى الله في لسانه ، فيتكلم إذا غنم ، ويسكت إذا سلم .

                                                                                              و (قوله : " ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه ") الضيف : هو [ ص: 230 ] القادم على القوم النازل بهم ، ويقال : ضيف ، على الواحد والجمع ، ويجمع أيضا على : أضياف ، وضيوف ، وضيفان ، والمرأة ضيف ، وضيفة ، وأضفت الرجل وضيفته : إذا أنزلته بك ضيفا ، وضفت الرجل ضيافة : إذا نزلت عليه ، وكذلك تضيفته .

                                                                                              والضيافة : من مكارم الأخلاق ، ومن محاسن الدين ، ومن خلق النبيين ، وليست بواجبة عند عامة أهل العلم خلا الليث ; فإنه أوجبها ليلة واحدة ; محتجا بقوله - عليه الصلاة والسلام - : ليلة الضيف واجبة على كل مسلم ، وبقوله : إن نزلتم بقوم فأمروا لكم بحق الضيف فاقبلوه ، وإن لم يفعلوا ، فخذوا منهم حق الضيف الذي ينبغي له .

                                                                                              وحجة الجمهور : قوله - عليه الصلاة والسلام - : جائزته يوم وليلة ، والجائزة : العطية والصلة التي أصلها على الندب ، وقلما يستعمل مثل هذا اللفظ في الواجب .

                                                                                              وتأويل الجمهور أحاديث الليث بأن ذلك كان في أول الإسلام ; إذ كانت المواساة واجبة ، أو كان هذا للمجاهدين في أول الإسلام ; لقلة الأزواد ، أو المراد به : من لزمته الضيافة من أهل الذمة . ثم اختلفوا فيمن يخاطب بالضيافة : فذهب الشافعي ، ومحمد بن عبد الحكم : إلى أن المخاطب بها أهل الحضر والبادية . وقال مالك وسحنون : إنما ذلك على أهل البوادي ; لتعذر ما يحتاج إليه [ ص: 231 ] المسافر في البادية ، ولتيسر ذلك على أهل البادية غالبا ، وتعذره على أهل الحضر ومشقته عليهم غالبا . وقد روي : الضيافة على أهل الوبر ، وليست على أهل المدر .




                                                                                              الخدمات العلمية